الكتابة تبني روح الإنسان قبل أن ترمم تصدعاته



حوار: خالد عواد الأحمد

استطاعت الكاتبة التونسية رانيا الحمامي أن تجمع بين الهندسة المدنية والكتابة الروائية في مشروع إبداعي يقوم على فكرة البناء؛ بناء المكان في الهندسة، وبناء الوعي في الأدب. وفي هذا الحوار، تتحدث عن تجربتها في الكتابة، وعوالم رواياتها، واستثمارها الخيال العلمي لاستشراف المستقبل، ورؤيتها للرواية بوصفها مساحة لطرح الأسئلة، ومساءلة الواقع، وبناء روح الإنسان قبل ترميم تصدعاتها.
* تجمعين بين الهندسة المدنية والكتابة الروائية. كيف بدأت هذه الرحلة، وما الذي شكّل ملامح تجربتك الأولى؟
لم أشعر يوماً أنني انتقلت من عالم إلى آخر، فالكتابة كانت امتداداً طبيعياً لطفولتي، والهندسة والرواية تشتركان في الغاية نفسها: البناء. الأولى تبني فضاءً مادياً يحتضن الإنسان، والثانية تبني فضاءً فكرياً وروحياً يحتضن وعيه.
بدأت الكتابة مبكراً، وكانت وسيلتي لفهم العالم والتعبير عنه، وقد حظيت بدعم أسرتي وتشجيع أساتذتي منذ سنوات الدراسة الأولى. لكن الدافع الحقيقي لم يكن البحث عن الذات، بل الإحساس بالمسؤولية تجاه أسئلة شعرت بأنها تستحق أن تُطرح، وزوايا في الواقع تمر من دون أن يلتفت إليها أحد.
أسهم عملي المهني وانخراطي في المجتمع المدني في تعميق هذه الرؤية؛ إذ اكتشفت أن الناس، مهما اختلفت ظروفهم، يتشاركون الأسئلة نفسها حول العدالة والكرامة والمعنى والمستقبل. ومن هنا أصبحت الكتابة بالنسبة إليّ مسؤولية ثقافية وأخلاقية، ومحاولة لبناء جسور بين الإنسان ووعيه، وبين الفرد ومجتمعه، وبين الحاضر وما يمكن أن يكون عليه المستقبل.

* في رواية «تاجوت» تبدو القرية مرآة للإنسان الأول وللمجتمعات المعاصرة في آن واحد. ماذا أردتِ من هذا الفضاء الروائي؟
أعتقد أن الإنسان المعاصر ما زال يحمل في داخله الكثير من الإنسان الأول، وإن تغيّرت الأدوات والأشكال. لهذا جاءت «تاجوت» فضاءً يلتقي فيه الماضي بالحاضر، لتكشف كيف تستمر بعض البنى العميقة في تشكيل سلوك الإنسان، مثل الخوف من المجهول، والحاجة إلى الانتماء، وتحويل القيم إلى مسلمات لا يجوز مساءلتها.
ليست «تاجوت» قرية بدائية بقدر ما هي مرآة لمجتمعاتنا اليوم، حيث قد تتحول التعاليم والموروثات إلى أدوات لقمع الحرية باسم حماية الجماعة. فالخلل، في نظري، لا يرتبط بزمن معين، بل بقابلية الإنسان لإعادة إنتاج المنظومات نفسها بأسماء مختلفة.
* شخصية «إيحا» تمر بتحول جذري بعد فقدان أمه؛ كيف استطعتِ توظيف مشاعر الفقد لتجعل من شاب وديع، ثائرا يبحث عن الحقيقة المطلقة في وجه الجميع؟
ـ أعتقد أن لحظات التحول الكبرى في تاريخ البشرية، كما في حياة الأفراد، تمر عادة عبر لحظات حالكة السواد، تشبه ظلمة الليل التي تسبق بزوغ الفجر، حيث تتهاوى المسلمات وتنبثق الصحوة. ولم تكن صحوة «إيحا» وتحوله من شاب وديع إلى ثائر يبحث عن الحقيقة نتيجة فقدان أمه في حد ذاته، رغم ما تمثله الأم من أمان وطمأنينة في حياة الابن، بقدر ما كانت نتيجة شعوره العميق بالظلم. فقد عجز عن إيجاد مبرر لمعاقبتها بالحرق سوى الامتثال الأعمى لتعاليم بيبو. ومن هنا انبثق سؤال لم يُطرح حرفيا في الرواية، لكنه كان واضحا في تغيير مسار حياته: كيف يمكن لمنظومة تدّعي حماية أهل تاجوت أن تكون بهذا القدر من القسوة؟ وكيف يتحول الظلم إلى فعل مشروع لمجرد استناده إلى تعاليم موروثة؟
وهنا بدأت رحلته الحقيقية؛ رحلة الانتقال من الإيمان بالموروث إلى مساءلته، وإلى البحث والتقصي في المسلمات. وكما يقول العلامة التونسي ابن خلدون: «الظلم مؤذن بخراب العمران». فالظلم لا يهدم المجتمعات فحسب، بل يهدم أيضا الثقة التي تربط الإنسان بعالمه، ويدفعه إلى البحث عن حقيقة أخرى أكثر عدلا وإنصافا من تلك التي فُرضت عليه.
أما على المستوى السردي، فقد تعمدت أن يُبنى هذا التحول من خلال ذاكرة ميسا. فالقارئ لا يرى إيحا الثائر فقط، بل يرى أيضا إيحا الذي كانه قبل الحادثة الصادمة. ومن خلال المقارنة بين الصورتين يتجلى حجم التحول الذي أحدثه مشهد حرق الأم، لا بوصفه حدثا مأساويا فحسب، بل باعتباره لحظة ميلاد وعي جديد، وولادة إنسان قرر أن يجعل من السؤال طريقا إلى الحقيقة.
*تجمعين بين الهندسة وإدارة الأعمال والأدب. كيف انعكست هذه الخلفية على بناء رواياتك؟ وهل الكتابة، في نظرك، إعادة إعمار لروح الإنسان؟

لا أفصل بين المهندسة والروائية، لأن كليهما ينطلق من الرغبة نفسها: الفهم ثم البناء. ففي الهندسة نتعلم أن أي بناء لا يصمد ما لم يقم على أسس متينة، وقد انتقلت هذه القناعة إلى الكتابة؛ إذ أتعامل مع الرواية بوصفها بناءً متكاملاً، لكل شخصية فيه وظيفة، ولكل فكرة دور في تماسك العمل.
كما علّمتني الهندسة أن العمران يغيّر حياة الناس، تماماً كما تستطيع رواية أن تغيّر نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم. أما إدارة الأعمال فقد منحتني رؤية أوسع للعلاقات المعقدة بين الأفراد والأنظمة، وهو ما ينعكس على بناء الشخصيات ومساراتها داخل الرواية.
ولا أرى الكتابة مجرد ترميم لروح الإنسان، بل محاولة لفهم أسباب تصدعاتها أولاً. فالرواية لا تقدم حلولاً جاهزة، وإنما تدفع القارئ إلى مساءلة نفسه، والبحث عن الحقيقة بنفسه. وكما لا يستطيع المهندس معالجة تصدع في البناء قبل معرفة أسبابه، لا يستطيع الكاتب أن يلامس روح الإنسان ما لم يجرؤ على الغوص في أعماقها.

* في رواية «نهابدا» استعنتِ بمعطيات علمية وتكنولوجية لبناء عالمك الروائي. إلى أي مدى تراهنين على الخيال العلمي لاستشراف مستقبل الإنسان؟

في «نهابدا» لم أنطلق من خيال منفصل عن الواقع، بل من معطيات علمية وتكنولوجية حقيقية، وهو ما جعل كثيراً من الأفكار التي طرحتها في الرواية تبدو اليوم أقرب إلى الواقع، خاصة ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، رغم أن الرواية صدرت عام 2021.
ما يهمني ليس التنبؤ بالمستقبل بقدر ما يهمني قراءة الحاضر واستشراف مساراته. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات نستخدمها، بل أصبحت تؤثر في اختياراتنا، وفي علاقتنا بالمعرفة والسلطة والخصوصية وحتى الحرية.
لكن السؤال المركزي في الرواية لا يتعلق بتطور التكنولوجيا، بل بحدود هيمنتها: إلى أي مدى يمكن أن تتحكم بالإنسان؟ وكيف يمكن لهذا الإنسان أن يستعيد حريته؟ فكل منظومة، مهما بلغت قوتها، تحمل في داخلها حدودها ونهايتها.

* تختارين عناوين غير مألوفة لرواياتك، مثل «نهابدا» و»الفاضرضي». هل أردتِ أن يكون فكّ العنوان جزءاً من تجربة القراءة؟
لم يكن هدفي صناعة الغموض، بل البحث عن كلمة تعبّر بدقة عن فكرة لم أجد لها مقابلاً في اللغة. وعندما لم أجد اللفظ المناسب، اضطررت إلى ابتكار كلمة جديدة.

فـ»نهابدا» تشير إلى نهاية مرحلة وبداية أخرى، أما «الفاضرضي» فهو كائن يجمع بين جينات الإنسان الأرضي والكائن الفضائي، بما يسمح له بالعيش في أكثر من عالم.
يسعدني أن يثير العنوان فضول القارئ، لكن الأهم أن يكتشف معناه أثناء القراءة، تماماً كما اكتشفته أنا خلال الكتابة. وقد عززت هذه التجربة قناعتي بأن العربية لغة قادرة على التجدد؛ فهي ليست متحفاً لغوياً، بل كائن حي يتطور مع الإنسان، وكلما اتسعت رؤيتنا للعالم احتجنا إلى كلمات جديدة تصفه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *