تعارف الدارسون والمهتمون بالقصة القصيرة جداً على الحديث عن قصرها، وعن التقنيات، التي يتوسل بها القاص للوصول إلى هذا القصر، حتى غدا عدد الكلمات أو الأسطر مقياساً شائعاً في تحديد هذا الجنس السردي. غير أن القِصر، على أهميته، لا يمكن أن يكون وحده معياراً حاسماً؛ لأن النص قد يكون قصيراً جداً ولا يكون قصة، كما قد يتجاوز الحجم المتعارف عليه، ويظل محتفظاً بخصائص القصة القصيرة جداً.
ومن هنا تتجلى المشكلة الأساسية: هل القصة القصيرة جداً هي القصة القصيرة التي اختُزل حجمها، أم أنها بنية سردية لها شروطها الخاصة؟
يبدو أن القِصر لا يدل على النوع إلا بقدر ما يرتبط بالتكثيف ووحدة الحدث واقتصاد اللغة والقفلة المنتجة. فليس المهم عدد الكلمات وحده، وإنما قدرة النص على تحويل المساحة المحدودة إلى طاقة سردية ودلالية واسعة.
ومن التقنيات التي ارتبطت بالقصة القصيرة جداً «الدهشة السردية». وهي ليست حكراً على هذا الجنس، بل تحضر في الشعر والرواية والفنون والفلسفة. وقد قال أنطون الدوهي: «فالعارف بكل شيء لا يدهش بشيء، وغير العارف بشيء يدهش بكل شيء» (جريدة العربي). ومن هنا فإن القارئ هو المجال الذي تتولد فيه الدهشة؛ إذ يبني القاص سياقاً لغوياً يجعل المتلقي يعيد النظر في توقعاته.
غير أن الدهشة لا ينبغي أن تكون غاية الكاتب الوحيدة؛ فالعمل السردي الكبير يتجاوز مجرد الإدهاش إلى بناء عالم فني متكامل. ولذلك فثمة فرق بين الدهشة التي تنشأ من طبيعة البناء، والدهشة التي يصطنعها الكاتب من أجل الصدمة والمفاجأة.
وفي القصة القصيرة جداً تكتسب الدهشة أهمية خاصة؛ لأن المساحة المحدودة تفرض على الكاتب أن يصل سريعاً إلى التحول أو الكشف. ومن هنا تتصل الدهشة بالتكثيف والحذف والمفارقة والقفلة. وقد وصف جبار خماط حسن هذه التقنيات بأنها تمنح النص «فاعلية اتصالية» تمكنه من الإمساك بالقارئ (صناعة الدهشة في القصة القصيرة جداً، جريدة عُمان). وتبقى القفلة أهم المواضع التي تتجسد فيها هذه الدهشة. فالقفلة الناجحة ليست مجرد الجملة الأخيرة، وإنما لحظة تعيد ترتيب ما سبقها، وتدفع القارئ إلى إعادة قراءة النص من جديد. إنها لحظة تنوير، يكتشف فيها المتلقي معنى لم يكن ظاهراً في البداية. وهذا ما يمكن تلمسه في قصة «عمود من حجر» لسلمان شهيب. فالدهشة تبدأ من العنوان، ثم تتنامى في تصوير العمود الحجري بوصفه كائناً يكاد يكتسب صفات الإنسان: «له رأس أصم وضخم بعينين حجريتين تتسعان وتثيران الفزع» (صرخة ألم). ثم تنتقل الأنسنة إلى السقف الذي «يهبط منخفضاً نحوي ليضمني برفق ثم يسحقني» (م.ن).
وتتجمع هذه العناصر في النهاية التي تقوم على التكرار والمفارقة، حين يرى الراوي العمود الحجري يحاصر رجلاً، فينهال عليه الرجل بحجر. وهنا لا تقدم القفلة حلاً، وإنما تكشف عن دورة متكررة من الصراع، مستفيدة من الحذف، فتتحول النهاية إلى لحظة تنوير.
وفي قصة «استفزاز» لسلمان شهيب، نجد نموذجاً آخر للقفلة المولدة للدهشة، إذ تنتهي القصة بقول الراوي: «عندها قررت وطوال حياتي أن لا أستفز الحمير». فالمفارقة في النهاية تعيد تشكيل الحدث السابق، وتمنحه دلالة جديدة.
أما قصة «استمارة لملف استقالة» فتقدم دليلاً على أن الحجم لا يمكن أن يكون معياراً نهائياً؛ إذ قاربت سبعمئة كلمة، ومع ذلك تقوم على حدث واحد متشعب، وزمن محدود، وتكثيف واضح، وتنتهي بالكشف: «ممنوع الاستقالة» (صرخة ألم). فالجملة الأخيرة تعيد تفسير الرحلة الطويلة التي قطعها السارد بحثاً عن الاستمارة. ومن هنا يمكن القول، إن القصر نتيجة للبناء وليس غاية في ذاته.
وتظهر هذه المشكلة بصورة أوضح في بعض نصوص الومضة. ففي مجموعة «وتحب الورود» لإلهام عبد الكريم، نجد ومضات ناجحة تقوم على التكثيف، مثل «هدم وبناء»، التي تختزل فكرة كاملة في موقف سردي صغير. لكن بعض النصوص تتحول إلى مقولات أو حكم اجتماعية، فتفقد شيئاً من قصصيتها.
فالجملة التي تحمل معنى اجتماعياً لا تصبح قصة لمجرد أنها قصيرة؛ لأن الفرق بين الحكمة والقصة أن الحكمة تقرر المعنى، بينما القصة تجعل المعنى يحدث. وكذلك فإن تفسير المفارقة بعد وقوعها يضعف النص؛ لأن القصة القصيرة جداً ينبغي أن تثق بقدرة قارئها على الاكتشاف.
ومن هنا تبدو العلاقة بين القصة القصيرة جداً وفن التوقيعات العربي القديم واضحة في الاقتصاد واللمحة، لكنهما ليسا شيئاً واحداً. فالقصة، مهما بلغت درجة اختزالها، تحتاج إلى نواة سردية: شخصية أو وضعية، وفعل أو تحول، وتوتر، ومسار ينتهي بكشف أو مفارقة. وهذا يقود إلى السؤال الأهم: ما الذي يجعل النص قصة؟
ليس عدد الكلمات، ولا وجود جملة مدهشة، ولا وجود حكمة في النهاية، إنما الذي يجعله قصة هو وجود «القص» نفسه؛ أي أن شيئاً يحدث، ولو في مساحة شديدة الضيق.
ومن هنا يمكن فهم الملاحظة النقدية لياسين النصير التي يرى فيها أن بعض التشكيلات القصيرة جداً قد تكون أقرب إلى التعبير عن الفكرة منها إلى بناء القصة؛ لأن القصة نوع أدبي له شروط وجوده، ولا يكفي أن تكتمل فكرة في جملة أو أسطر لكي تصبح قصة.
وقد يكون من المفيد هنا استحضار المثال الشهير المنسوب إلى إرنست همنغواي: «للبيع: حذاء طفل، لم يُلبس قط». فقوة هذا النص الافتراضي ليست في قصره وحده، وإنما في أن ما لم يقله أكثر مما قاله. وهذه هي قيمة الحذف في القصة القصيرة جداً: أن يكون المحذوف جزءاً من البناء، لا نتيجة لنقصه.
وعليه، فإن القصة القصيرة جداً في التجربة العراقية ينبغي عدم النظر إليها بوصفها نوعاً واحداً مغلقاً؛ فمنها الومضة، ومنها القصة ذات الحدث المتشعب، ومنها الوصفية، ومنها ما يستثمر الميتاسرد أو المفارقة أو الحذف. وما يجمعها ليس تقنية واحدة، وإنما الاقتصاد السردي، ووحدة اللحظة، وكثافة الدلالة، والقدرة على إشراك القارئ في إنتاج المعنى.
إن القصة القصيرة جداً ليست مجرد قصة قصيرة جرى تقليصها، وليست مقولة اجتماعية وضعت في أسطر قليلة، وليست خبراً مفارقاً، وليست قفلة مدهشة سبقتها جمل تمهيدية. إنها بنية سردية مكثفة تجعل القليل من اللغة قادراً على إنتاج الكثير من المعنى.
ولهذا فإن القِصر ليس جوهرها، وإنما أثر من آثار بنائها؛ والدهشة ليست غايتها، وإنما ثمرة من ثماره؛ والقفلة ليست آخر جملة فيها، وإنما لحظة إعادة قراءة؛ والحذف ليس نقصاً، وإنما طريقة في القول.
ولعل القيمة الحقيقية للقصة القصيرة جداً تكمن في قدرتها على أن تجعل القارئ يرى، بعد انتهاء النص، أكثر مما قاله الكاتب.
كاتب عراقي