يتصاعد الدخان من تنور حجري صغير، بينما تنحني أم محمد أمامه لتدفع قطع الحطب إلى الداخل. بيدٍ تمسك أغصاناً يابسة، وبالأخرى تحاول إشعال النار.
لا مطبخ في المكان، ولا جدران تحجب الريح أو الشمس. فقط تنور بدائي، وبعض الحطب، ومأوى مؤقت تحاول أن تجعل منه مكانًا يصلح للعيش.
قبل أسابيع فقط، كانت أم محمد تقطن في منطقة الكدحة غرب محافظة تعز اليمنية، برفقة أطفالها العشرة، في منزل تقول إنها كانت تعيش فيه “أحسن عيشة”. فقد كانت تملك مواشي، وكان لديها ما يكفيها لتعيش دون أن تسأل أحدًا عن طعام أو مأوى.
ثم وصلت الحرب إلى المكان. غادرت أم محمد منزلها على عجل، ولم تحمل معها سوى أطفالها. لا ملابس كافية، ولا طعام، ولا حتى أحذية لبعض أفراد الأسرة. تقول إنها قضت ثلاثة أيام تبحث عن مكان يمكن أن يؤويهم، قبل أن تصل إلى مخيم الغزالية غربي تعز.
“نزحت من الكدحة ومعي عشرة أطفال. لا يوجد لدينا دقيق. خرجنا بأرواحنا”، تقول أم محمد.
أكثر من 35 أسرة تعيش في المخيم الذي أُنشئ بصورة طارئة في سبتمبر/أيلول 2026، بعد فرار مئات الأسر من مناطق القتال ومخيمات نزوح سابقة.

يقع المخيم بالقرب من الطريق الرابط بين الكدحة والبيرين، في منطقة منخفضة تتجمع فيها مياه الأمطار والسيول.
في جولة ميدانية لـ”القدس العربي” داخل المخيم، بدت ملامح الحياة التي يعيشها النازحون في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار. وتمتد أمام العين خيام ومساكن بدائية أقامتها الأسر النازحة، معظمها من شوادر بلاستيكية وقطع قماش بيضاء تحاول أن تؤدي وظيفة الجدران، فيما تبدو الأرض الترابية غير مهيأة للسكن.
وتقيم بعض الأسر في غرف شُيدت باستخدام أكياس مملوءة بالتراب، وهي ملاجئ هشة لا توفر حماية كافية من تقلبات الطقس.
هنا، لا تزال أم محمد تبحث عن أبسط ما كانت تملكه في حياتها السابقة: طعام، مأوى، وشيء من الأمان. لكن أكثر ما تتمسك به الآن هو فكرة العودة.

“نتمنى نرجع بيوتنا”، تقول، قبل أن تضيف ما يشبه الاعتراف باستمرار الحرب: “هذا غير ممكن حالياً”.
تجسد أم محمد قصة الآلاف، إذ أعلنت منظمة الهجرة الدولية أن ما يقارب 151,794 فردًا (حوالي 25,299 أسرة) نزحوا بين 1 أغسطس/آب و29 سبتمبر/أيلول 2026؛ مسجلةً محافظة تعز النسبة الأعلى بـ 83,082 نازحاً (54% من إجمالي النازحين).
“الموت كان أقرب إلينا”
كانت حمامة عوض واحدة من اللواتي غادرن منطقة الكدحة التابعة لمديرية مقبنة غربي تعز، مع تصاعد المعارك فيها منذ مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، على خلفية هجوم شنته جماعة الحوثي ضمن تصعيد عسكري أوسع امتد إلى جبهات الساحل الغربي على البحر الأحمر، في محاولة لتوسيع نفوذها باتجاه المخا ومضيق باب المندب.
دفع القتال في هذه المناطق أسرًا إلى الفرار من منازلها، بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا.
في المخيم، وجدت حمامة نفسها أمام نوع آخر من المعاناة تتمثل بالبحث عن “خيام، ومواد غذائية، وغاز، وماء، وملابس، وبطانيات، وأدوية”
تصف حمامة الأيام التي سبقت نزوحها قائلة إنها كانت تعيش تحت القصف المستمر: “خلال وجودنا في المنطقة كان الموت أقرب إلينا من أي شيء، فالقذائف تتساقط علينا من أكثر من اتجاه، والشظايا وصلت إلى نوافذ المنزل”.
عندما اشتد القتال، لم يكن أمام الأسرة وقت لتجهيز حقائب أو جمع الممتلكات. كان عليها أن تغادر فقط.
“حرب، أطلقوا علينا من الجهتين. هربنا، كل واحد بروحه، وتركنا كل شيء خلفنا”، تقول حمامة.
في المخيم، وجدت حمامة نفسها أمام نوع آخر من المعاناة تتمثل بالبحث عن “خيام، ومواد غذائية، وغاز، وماء، وملابس، وبطانيات، وأدوية”.
نزوح بلا نهاية
لم يكن النزوح إلى العراء خيارًا أمام مئات العائلات، بل ملاذ أخير هربًا من القصف والمواجهات. ومن بين هؤلاء غلاب، الذي خاض رحلة شاقة بين القرى برفقة أسرته، قبل أن ينتهي به المطاف في مخيم الغزالية.
يروي غلاب لـ”القدس العربي” تفاصيل فراره من منطقة العفيرة في مديرية مقبنة، قائلًا: “نزحنا بعدما أصبحت القذائف والرصاص تتساقط فوق منازلنا. خرجنا تحت القصف والخوف، ولم يكن لدينا حتى الوقت لجمع أغراضنا”.
بعد نحو شهر على وصوله إلى المخيم، لا تزال ظروف غلاب المعيشية “صعبة”، حسب وصفه، في ظل نقص الاحتياجات الأساسية واستمرار المواجهات في المحافظة، ما يجعل معاناته مع النزوح مستمرة.
مع امتداد المواجهات إلى عدد من المناطق والقرى المكتظة بالسكان في مديرية الشمايتين جنوب تعز، شهدت المنطقة موجة نزوح جديدة، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة القتال ودفع مزيد من الأسر إلى مغادرة منازلها.
ويصف مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في تعز، علي قائد، أوضاع الأسر النازحة بأنها “كارثية”، مشيرًا إلى أن احتياجاتها تتزايد مع استمرار التصعيد وحركة النزوح.
وتتمثل احتياجاتهم في المأوى والإيواء، والأمن الغذائي، والرعاية الصحية، والمياه، والصحة البيئي، مضيفًا أن “كثيرًا من النازحين يعيشون في حالة من الخوف نتيجة استمرار الأحداث الأمنية”.
وحسب قائد، تجاوز عدد الأسر النازحة في تعز حتى الآن 17 ألف أسرة، مع استمرار حركة النزوح، خصوصًا من مديريات غرب المحافظة، بينها المخا وموزع والوازعية وجبل حبشي ومقبنة.
وأوضح في حديثه لـ”القدس العربي” أن بعض الأسر اضطرت إلى النزوح “أكثر من أربع مرات”، ما يجعل أعداد النازحين في تغير مستمر ويصعّب تثبيت رقم نهائي ما لم يستقر الوضع في مناطق النزوح.
وأشار إلى أن التدخلات الإنسانية القائمة، رغم وجودها، لا تغطي حجم الاحتياجات المتزايدة، مؤكدًا أن الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المتاحة ما تزال كبيرة.
تأتي هذه التطورات في ظل تصعيد عسكري متواصل منذ يوليو/تموز الماضي، هو الأوسع منذ الهدوء النسبي الذي أعقب الهدنة المعلنة في أبريل/نيسان 2022، مع انتقال المواجهات خلال سبتمبر/أيلول إلى مناطق في تعز ولحج والساحل الغربي ومحيط باب المندب.