الفيلم المصري «القصص»… كليشيهات من زمن فات


القاهرة ـ «القدس العربي»: اختارت مؤخراً نقابة المهن السينمائية فيلم «القصص» تأليف وإخراج أبو بكر شوقى، لتمثيل مصر فى سباق جوائز الأوسكار فى دورته الـ99. وفكرة الفيلم مستوحاة كما صرّح مخرجه من قصة تعارف والديه، فالأب المصري والأم النمساوية بدأت علاقتهما من خلال تبادل الرسائل في سبعينيات القرن العشرين. الفيلم أداء.. نيللي كريم، أمير المصري، كريم قاسم، أحمد كمال، صبري فواز، خالد مختار، أحمد الأزعر، شريف الدسوقي، عمرو عابد، وفاليري باشنر.

وهم الأهمية

نتيجة الحالة المُتردية التي تعاني منها السينما المصرية منذ عقود، وصولاً إلى حالة من الانهيار التام الآن، حيث الأفلام الساذجة والمُنتحلة (المسروقة)، وكأن صُنّاع أو تُجار السينما يعيشون في عالم آخر لا يمت لما نحياه بصِلة، يصبح أي عمل سينمائي مختلف ولو قليلاً مثار جدل واهتمام، فيتم غض الطرف عن سلبيات هذا العمل، فقط لأنه لا يُحاكي الموجة السائدة، إذن يتم الحُكم بأنه عمل جاد ومختلف، وفي الأخير مُهم.

وهم التأويل

هذه الأهمية بدورها انتقلت إلى المُعلقين على العمل، سواء في الصحف السيّارة أو على صفحات التواصل الاجتماعي، فطالما العمل أشار إلى فترة الستينيات وحتى الثمانينيات، وشوية نكسة يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول، فبالتأكيد يجب أن يُنظر له بشيء من الاحترام. وهنا نجد سيلا من المصطلحات والعبارات التي توحي بأهمية وثقافة الناقد والمُتابع للفيلم، فمن أبسط الأشياء الآن أن تكتب رواية أو تعلق على فيلم. هنا نجد عبارات من قبيل .. البحث عن الهوية، إرادة الفرد وقوة التحولات الجماعية، الذاتي والسياسي، انكسار الأحلام والطموحات، استحضار تاريخ مصر، وصولاً إلى قصة عابرة للقوميات والجغرافيا، ذلك بسبب أن البطل سافر وارتبط بفتاة من النمسا!
ومن خلال جو الفيلم العام والفترة التي يتناولها، ووجود بعض من ممثليه نيلي كريم وأحمد كمال في مسلسل «ذات» المأخوذ عن رواية الكاتب الراحل صنع الله إبراهيم، يصل الأمر إلى المقارنة بين العملين، حتى أصبح الفيلم هو الترجمة السينمائية لرواية (ذات)، وهكذا تأويلات تصل إلى حد التخاريف.

سينما سَمع الخير

من حق أي شخص أن يُعيد سرد تاريخ عائلته كيفما تراءت له، ولكن أن تعيش الأحداث مع العائلة ليس كما تسمعها والسلام، وبالتالي يبدو هنا الفارق الأساس في الحديث عمن تعرفهم جيداً، أو تسمع عنهم سمع خير. من ناحية أخرى لم يبتعد الفيلم عن كليشيهات تلك الفترة، مع نغمة لا يمكن تخطيها مُنتحلة بدورها من أفلام أوروبية، كما في أعمال فيلليني السيريّة، حيث أسرته وأقاربه وأحلامه، وفيلمه «إني أتذكّر» خير مثال، ولكن مع الفارق فشخصيات فيلليني شخصيات حيّة، يعرف أدق تفاصيلها، وليست مصنوعة، كما أنها ليست خارجة عن سياقها، أما شخصيات «القصص» فتشعر وكأنها مجرد أفكار تتجسد على الشاشة، فشخصيات العائلة وادعاء المفارقات الكوميدية، أو خفة الظل، فتجدهم هم فقط الذين يضحكون على ما يقولونه ويفعلونه، ولا نجد ثقل ظل أكثر من هذا.

عازف بيانو تائه

البطل يراسل فتاة من النمسا، ويعيش بين شقيقيه ويدرس الموسيقى، تأتي له فرصة للسفر، نحن الآن في الستينيات، حيث جو الخوف والرعب من أجهزة الدولة، وهو ما مثلته شخصية الأب الذي يقول الحقيقة، وظل طوال حياته يعيش في رعب. أما الشخصيات الباهتة من أفراد العائلة والجيران، فهم عبارة عن تكملة الصورة الأسرية وعلاقاتها ليس أكثر. ثم تقوم حرب 67، والتلفزيون والراديو وأخبار حرب الاستنزاف، وصولاً إلى حرب 73، وتجنيد أحد أشقاء البطل، الذي بمجيء خطاب تجنيده، نعلم تماماً أنه سيصبح مع الشهداء والصديقين، المهم يُسافر البطل ويستكمل دراسته الموسيقية في النمسا، وحينما يعلم باستشهاد شقيقه يعود إلى مصر، وتلحق به حبيبته ويتزوجان. ويعيش مُحبطا بسبب حلم لم يتحقق، بينما زميله يصل لمناصب عليا، لأنه يعرف كيف يعيش الحياة، من وصولية مزمنة، بداية من عهد عبد الناصر وحتى مبارك. بمعنى شوية سياسة حتى يصبح للعمل أهمية.
وهنا يجدر التساؤل عن ماذا لو تم سرد هذه الأحداث الآن، وفي عصرنا هذا، فمشكلة البطل ستبقى كما هي، فالأحوال أسوأ. بمعنى لن يختلف شيء، بعيداً عن ادعاء الأهمية من خلال نكسة وانتصار منقوص، وكل الكليشيهات التي أدمنتها السينما المصرية، حتى تبدو مختلفة وتظن نفسها بعيدة عن سذاجة السائد والرائج.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *