الفشل في الرد الصحيح على فظائع غزة فتح الباب أمام الفن لأخذ زمام المبادرة ولم يعد منفصلا عن السياسة


لندن- “القدس العربي”: كتبت المعلقة في صحيفة “الغارديان” نسرين مالك مقالا قالت فيه إن دخول المغنين وممثلي الأفلام إلى معترك السياسة والتعليق على مشاكل العالم ناجم عن فشل الساسة عن القيام بواجبهم.

وأضافت أنه في عالم حطمت فيه فظائع غزة عالم الفن ودمرت هوليوود ومزقت عالم الأدب، فإن الفصل بين السياسة وعالم الترفيه لم يعد ممكنا.

وتقول إنه في كل مرة تتحدث فيها شخصية عامة في عالم الترفيه عن السياسة بطريقة تعتبر “مثيرة للجدل”، يبدو الأمر وكأنه يحدث للمرة الأولى. وفجأة يتم اكتشاف أو الإحالة إلى فكرة غامضة ومثيرة، وهي أن الفن يجب أن يكون منفصلا عن السياسة. وتتصاعد الدعوات للانضباط وفرض رؤية تدعو كل صاحب تخصص أن يلتزم بتخصصه، فعلى أصحاب الملاعب الاهتمام بالرياضة، وعلى الموسيقيين الاهتمام بما يعزفون ويغنون، وكذا على الممثلين الاهتمام بأفلامهم والدراما: التزموا ببرامج الأطفال واتركوا الهجرة وفلسطين لمن يمكنه التعليق عنهما.

في كل مرة تتحدث فيها شخصية عامة في عالم الترفيه عن السياسة بطريقة تعتبر “مثيرة للجدل”، يبدو الأمر وكأنه يحدث للمرة الأولى. وفجأة يتم اكتشاف أو الإحالة إلى فكرة غامضة ومثيرة، وهي أن الفن يجب أن يكون منفصلا عن السياسة

ومع ذلك، وفي وقت خيمت فيه اللحظة السياسية على كل شيء، فإن هذه الاستجابة مستمرة في الظهور، دون اعتبار للتاريخ أو القدرة على مواجهة الصدمة وما فعلته فظائع غزة بنا.

وبينما يقف إد شيران وحيدا على المسرح بعد انسحاب جميع الفنانين المرافقين له تضامنا مع مغني الراب ماكلمور، الذي أُقصي من الجولة بسبب خطاب مؤيد للفلسطينيين، فإنه لم يجد ما يقوله لجمهوره إلا وصف موسيقاه بأنها “عن الوحدة لا الانقسام”، لكن سرعة انهيار جولته لم تكن دليلا على عدم توافق الموسيقى والسياسة، بحيث يجب الفصل بينهما لتجنب ذلك “الانقسام”، بل إن ما حدث هو تعبير عن صعوبة التفريق بينهما وأن أي محاولة للقيام بهذا ستكون غير طبيعية.

وهذا أمر ليس جديدا، فتداخل الترفيه والسياسة أمر طبيعي، وهو جزء لا يتجزأ من العديد من الصراعات والانتهاكات السياسية التي عشناها في العقود الأخيرة من فيتنام إلى جنوب أفريقيا ودارفور. وكل هذه الحروب انخرط فيها فنانون ومشاهير لعبوا دورا في الشجب والضغط والتوعية. وشخصيات مثل ماكلمور أو غاري لينيكر أو مارك روفالو أو السيدة رايتشل، لا يكسرون الأعراف ولا يتسببون بمشاكل للصناعات التي يمثلونها، لكنهم يشاركون في إرث طويل من النشاط الذي يشمل، على سبيل المثال لا الحصر، نينا سيمون ودونالد ساذرلاند وكورت فونيغوت ومارلون براندو وميا فارو وجورج مايكل وجورج كلوني.

وتعلق مالك أن مواقف هؤلاء قد تثير الخلاف من البعض، ولكن النظر إليهم بأنهم غير مؤهلين وأن الترفيه والفن مقدسان هو جهل في أحسن الأحوال وخداع في أسوأها. فهؤلاء هم بشر قبل أن يكونوا شخصيات عامة ولديهم نفس الرغبة التي لدى أي شخص آخر. علاوة على ذلك، فلديهم توجهات سياسية يرغبون في تعزيزها بالأدوات المتاحة لهم. ففي حين يخرج بعض الناس في احتجاجات ويتبرعون بالمال ويراسلون ممثليهم السياسيين، يمتلك آخرون منصات عامة وشخصيات مؤثرة يمكنهم استغلالها.

وهم ليسوا مجبرين على القيام بهذا، ولكن من حقهم تماما فعل ما يريدون.

ومن هنا تقول مالك إن سبب استخفاف خصومهم بهم وغضبهم الشديد عليهم هو إيمانهم أنه، بمجرد أن تتداخل السياسة مع الترفيه، تبدأ مشكلة لا يمكن احتواؤها ويتحول الحديث عن التفريق بين الفن والسياسة إلى إنكار لدور الفن في نفوسنا.

صحيح أن الفنانين والكتاب والممثلين والرياضيين يقدمون هروبا من الواقع إن كان هذا قصارى ما ترغب في الحصول عليه من مواقفهم، لكنهم أيضا يجسدون سعة الروح فهم في جوهرهم قوة جامعة مدربة على موهبة تحرك المشاعر. لهذا السبب نقرأ كتابا أو نستمع إلى أغنية أو نشاهد فيلما أو نشجع فريقا، لنشعر بشيء ما، إنها ممارسة في كونك بشرا وفي تواصل دائم مع الآخرين.

في حين يخرج بعض الناس في احتجاجات ويتبرعون بالمال ويراسلون ممثليهم السياسيين، يمتلك آخرون منصات عامة وشخصيات مؤثرة يمكنهم استغلالها.

لكن بمجرد أن تتدخل السياسة في هذه العلاقة، تصبح خارجة عن السيطرة. فهي قادرة على تغيير معالم الرأي العام والخطاب بطرق يصعب السيطرة عليها، نظرا للعلاقة المباشرة بين الفنانين وجمهورهم. ولذلك، فإن المعيار الأساسي الذي يجعل هذا النشاط جديرا بالثناء أم لا، هو مدى دعم المؤسسات السياسية والاقتصادية له.

وفي العادة، لا يمثل هذا النشاط مشكلة في حد ذاته، بل يكافأ أحيانا، فقد تصدر إد شيران نفسه حفلا موسيقيا لدعم أوكرانيا. وحصل دون تشيدل وجورج كلوني على إشادة لنشاطهما في السودان. ولكن عندما تصطدم السياسة الفنية بالرعاة النافذين، كما حدث عندما استبعد روبرت كرافت، مالك ملعب جيليت، ماكلمور من قائمة شيران، يصبح الأمر أقل وضوحا وأكثر تعقيدا ومليئا بالتفاصيل الدقيقة التي يستحيل على الهواة الخوض فيها.

وهذه الصدامات سمة حتمية للمجتمعات التي تعاني من قصور في السياسة، فالغضب في فلسطين يزعزع استقرار الثقافة، نظرا لأنه تعرض للطمس بسبب السياسة، كما أن الألم والغضب الناجمين عما يشهده العالم لم يوجها أو يستجب لها بشكل مناسب من قبل قيادة سياسية تمثيلية، على العكس، خضعت للرقابة والتجريم. ولا مفر من امتداد تداعياته إلى جميع جوانب حياتنا.

ومن هنا، ينبغي لثقافة سياسية سليمة أن تنظر إلى هذه التداعيات لا على أنها تعديات فجة على مساحات الاستهلاك الخاصة، بل على أنها ديمقراطية بوسائل أخرى ولأن الديمقراطية الانتخابية لم ترق إلى مستوى التحدي.

وطالما ظل الوضع على حاله، أي محاولة إبعاد السياسة عن مجالات الفن والترفيه، فإنك تستحضر عالما لم يوجد أبدا ولا يمكن وجوده. وفي الحقيقة فإنك تدعو إلى وضع يشبه البقر الذي يقاد للأكل من حوض إلى حوض، وتمضغ لفترة قصيرة غذاء ثقافيا يجب أن يظل منفصلا عن مشاعرك أو أي رابطة وعلاقة بالبشر الآخرين. وقد تكون هذه رسالة مؤثرة في عالم كله إكراه، ولكنها حالة غير طبيعية تماما يتم تشويشها بشكل مستمر على يد آخرين يرفعون رؤوسهم في أوقات راحتهم المسموح بها ويكتشفون أنهم أمام معاناة لا تطاق ولا يمكن قبولها إلا من خلال التنكر لإنسانيتهم.

وتظل المشكلة ليست في الفنانين المرفهين، بل وعما يتحدثون عنه.

وتمنت مالك لو لم يتم نقاش معاناة الفلسطينيين المستمرة في ضجيج وغضب وسائل الترفيه الراقية، لكن هذا هو ما أوصلتنا إليه السياسة، فإذا أردت إبعاد السياسة عن الأمر، فاطلب من السياسة أن تقوم بدورها. وحتى ذلك الحين، سيكون ذلك في موسيقاك وأدبك وأفلامك، في محاربة الإكراه والتنمر اللذين يقدمان كغطاء للحفاظ على نقاء الفن، رغم أنهما يعملان على تجريدك من روحك وفقدانها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *