الفخ الإيراني يشتد حول مضيق هرمز وأسنانه تنغلق على ترامب


باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوفيغارو” إنه بالنسبة لدونالد ترامب، فإن توقيع الاتفاق المقترح من قبل إيران وعُمان يعني تقديم تنازلات أمريكية جديدة. لكن التصعيد العسكري لا يضمن تحقيق أي نجاح.

ففي شرق معقّد، تبدو الأفكار البسيطة التي تبنّاها الرئيس الأمريكي، والذي كان يأمل في “استسلام غير مشروط” من إيران، وكأنها تنقلب ضد الولايات المتحدة. فبعد أكثر من ستة أشهر من الصراع، بدأت أسنان “الفخ الإيراني” تنغلق على ترامب، الذي يرى أن مياه مضيق هرمز قد تبقى رهينة لفترة طويلة. ولم تكن خياراته يوما بهذا الضيق.

فهو لا يستطيع كسب الحرب عسكرياً، لأنه لا يرغب في تخصيص الموارد اللازمة، وخاصة القوات البرية، خشية خرق وعوده الانتخابية وتكبّد خسائر بشرية في صفوف الجنود الأمريكيين. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع حلّ النزاع دبلوماسيا دون تقديم تنازلات كبيرة لإيران، وهو ما قد يعد تراجعا عن التزامات السياسة الخارجية الأمريكية، ويكلّفه ثمنا داخليا باهظا.

وتابعت “لوفيغارو” قائلة إن حربا شاملة مع إيران، مكلفة ولا تضمن تحقيق أهدافها السياسية، أو القبول بنظام أمني تهيمن عليه طهران في مضيق هرمز، أي التكيّف مع واقع جديد على الأرض. هذا هو الخيار الصعب الذي يفرضه مشروع اتفاق إعادة فتح المضيق، الذي صاغته طهران ومسقط.

ويقول داني سيترينوفيتش، الخبير في الشأن الإيراني: “لقد دفعت حالة الجمود الاستراتيجي إلى البحث عن طريق ثالث، لكن لا توجد حلول سحرية للتحدي الإيراني”.

الاتفاق ما يزال هشاً، إذ يتعين أن يحظى بموافقة السلطات الإيرانية، وخاصة الحرس الثوري، الجناح الأكثر تشدداً في النظام. كما يجب أن يقبله دونالد ترامب، الذي يُقدَّم له على أنه السبيل الوحيد لإعادة فتح مضيق هرمز، وهو مطلب ملحّ للولايات المتحدة ودول الخليج والغرب والاقتصاد العالمي.

مضت “لوفيغارو” موضحة أنه منذ بداية الحرب في فبراير/شباط عام 2026، قدّم الرئيس الأمريكي بالفعل تنازلات عديدة للنظام الإيراني. فقد وافق على تأجيل ملف البرنامج النووي، رغم أنه كان السبب الرئيسي للحرب، كما خفّف من لهجته بشأن البرنامج الصاروخي، وأصبح أكثر تحفظاً في انتقاد دعم إيران للميليشيات الحليفة لها في المنطقة، مثل حزب الله وحماس.

وهي قضايا أساسية تم تأجيلها لصالح أولوية واحدة لم تكن مطروحة قبل الحرب: إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، أي العودة إلى الوضع السابق.

لكن مشروع الاتفاق الإيراني- العماني لا ينص على إعادة حرية الملاحة كما كانت. فالفصائل المختلفة داخل السلطة الإيرانية متفقة على ضرورة الحفاظ على مستوى معين من السيطرة على المضيق، مع اختلافات تكتيكية فقط. وتسعى إيران إلى تحويل نفوذها المؤقت، الناتج عن تعطيل الملاحة، إلى دور دائم في إدارة المضيق، ما يسمح لها بمراقبة حركة السفن، والضغط على خصومها، وتهديدهم بإغلاقه مجدداً في أوقات الأزمات.

ومن خلال مطالبة الولايات المتحدة بتقديم تنازلات، تسعى طهران إلى تعزيز دورها في التحكم بحركة المرور في المضيق. وبالنسبة للنظام الإيراني، فإن السيادة على هرمز ليست موضع تفاوض. كما يخطط مستقبلا لفرض رسوم على السفن العابرة.

وبالتالي، فإن “إعادة الفتح” المقترحة لا تشبه مفهوم “حرية الملاحة” الذي كان سائداً قبل الحرب، وهو ما يُعدّ خطاً أحمر بالنسبة لواشنطن.

وإذا تم إقرار مثل هذا الاتفاق، رغم ما يحمله من عيوب كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة، فإنه ينذر بمفاوضات صعبة لاحقاً بشأن البرنامج النووي الإيراني. إذ سيتعين على ترامب التفاوض مع نظام أكثر تشدداً، يعتقد أنه في موقع قوة، ويمتلك القدرة على إغلاق المضيق متى شاء.

وواصلت “لوفيغارو” القول إنه في طهران وواشنطن، لا تسير عقارب الساعة بنفس الوتيرة. فزمن ترامب تحكمه انتخابات منتصف الولاية، وارتفاع أسعار النفط، وتقلبات الأسواق المالية، وتراجع مخزون الذخيرة. أما زمن القادة الإيرانيين، فيرتبط بالثورة والدين والصبر الاستراتيجي، الذي يمنحهم القدرة على التحمل ومقاومة القوى الأكبر حتى تتغير الظروف السياسية في الولايات المتحدة.

ويشير سيترينوفيتش إلى أن رفض إيران التراجع شجّعته أيضاً إدارة ترامب للأزمة، قائلاً: “التهديدات تفقد قيمتها عندما لا يتم دعمها بإرادة الفعل. وكل تحذير لا يتم تنفيذه  يُضعف الردع الأمريكي ويثير شكوك الحلفاء في مصداقية واشنطن”.

ويتفق العديد من الخبراء على أن مسألة مضيق هرمز، مثلها مثل الملفات النووية والصاروخية ونفوذ إيران الإقليمي، لن تُحل دون تغيير النظام في طهران.

ومع ذلك، فإن الحرب لا تحسم إلا عندما يخسرها أحد الأطراف. وبالتالي، فإن أي اتفاق مؤقت بشأن مضيق هرمز لا يعني نهاية الصراع ولا تسوية نهائية.

ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع الولايات المتحدة استعادة صبرها الاستراتيجي، بما يمكّنها من قلب موازين القوى لصالحها، وصالح العالم الحر، بما في ذلك المعارضة الإيرانية، التي تُعدّ الخاسر الأكبر من هذه الحرب؟ تتساءل “لوفيغارو”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *