لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده المحرر الدبلوماسي باتريك وينتور، قال فيه إن إيران تواجه معارك على عدة جبهات، وليس فقط الحرب التي تخوضها حاليا مع الولايات المتحدة ومضى عليها أكثر من خمسة أشهر، فهناك المعركة الاقتصادية، وزيادة كلفة المعيشة، ومخاوف تزايد السخط العام. وهناك معارك داخلية أخرى، سواء كانت تتعلق بالإعدامات العلنية، أو التحيز المزعوم لهيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية، أو حتى تخريب الأرصفة بعد منتصف الليل أمام مقاهي طهران ذات الميول الليبرالية.
فلا يكاد يمر حدث في إيران، ثقافيا كان أم سياسيا، هاما كان أم تافها، دون معارضة.
ويعتقد وينتور أن الخطر المتزايد هو ذلك المتمثل في جمود دبلوماسي طويل الأمد، ناجم عن انعدام الثقة المتبادل، حيث لا يثق أي من الطرفين المتحاربين بالتزام الآخر بأي اتفاق. وقد تفاقم هذا المأزق مع اتساع رقعة الحرب، لتشمل اليمن والعراق ومصر.
وفي إيران، على الأقل، يبدو أن دعاة التصعيد هم المنتصرون، مما أدى إلى تداخل في الصراعات الإيرانية الداخلية والخارجية.
وفي اتجاه آخر، لم تتخل بعض أجزاء إدارة ترامب والمعارضة الإيرانية، بمن فيهم رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، عن رؤيتها بأن الحكومة الإيرانية على وشك الانهيار.
إلا أن وينتور يشير في هذا السياق إلى صورة المجتمع المتماسك، وإن كان هشا، التي قدمها الملايين الذين حضروا جنازة المرشد الأعلى علي خامنئي في وقت سابق من هذا الشهر، مع أنها لم تكشف إلا عن جانب واحد من المزاج العام.
ويقول وينتور إن الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان لا يتوقف عن التذكير بأن الظروف التي أدت إلى الاحتجاجات الدامية في كانون الثاني/يناير لا تزال قائمة.
ففي اجتماع عقد قبل فترة للمجلس الأعلى للقضاء، قال: “إيران تخوض حربا شاملة، وحرب اليوم ليست مجرد حرب صواريخ، فقد توصل العدو إلى قناعة بأنه لا يستطيع إجبار الشعب الإيراني على الاستسلام عبر الهجمات العسكرية. ومع استمرار هذا السخط وانتشاره، سيضيع رأس المال الاجتماعي الهائل الذي بناه الشعب دعما للنظام”.
ومن هنا، فالسخط العام يتمظهر على شكل يأس عام، كما بدا مما كتبته غولشان فتحي، الناشطة الحقوقية من طهران، على صفحتها في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث قالت: “تتكرر نفس الدوامة المريضة، الصباح، الأذان، ثم خبر الإعدام. وفي الظهر انقطاع التيار الكهربائي، وبعد الظهر انقطاع المياه، وعند الغسق، قلق الحرب وظلام الليل”.
وتتكرر القصة في اليوم التالي: “فنحن عالقون بين الكوارث الطبيعية والإخفاقات الإدارية والأزمات التي صنعها البشر، وكل يوم لا نعيشه، بل نتدرب على التحمل. يتكرر الأمر ويتكرر، حتى تتوقف الأرض المنهكة عن السؤال: “ماذا سيحمل لنا الغد؟” إنه مجرد انتظار لنرى “متى ستصل الأزمة المقبلة”.
كما توجد معارضة سياسية، سواء كانت من داخل السجون أو من المواطنين في ساحات أصفهان الذين يحتجون على موجة الإعدامات العلنية الترهيبية الحالية. ويتساءل العديد منهم عن سبب معاقبة المتهمين على المشانق العلنية، بينما يحاكمون سرا.
وقد حذرت أزر منصوري، التي كانت حليفة إصلاحية مقربة من بزشكيان، الأسبوع الماضي، في الاجتماع السنوي للجبهة الإصلاحية الإيرانية، من وجود جماعة صغيرة لكنها صاخبة تبدو مصممة على تصوير الاتفاقات المتفاوض عليها مع الولايات المتحدة على أنها تراجع أو هزيمة. وحذرت قائلة: “إن الحرب ليست مجرد مواجهة بين القوات العسكرية والجيوش، بل هي تدمير للاقتصاد وتآكل لرأس المال الاجتماعي وانتشار لليأس وهجرة للنخب، وزيادة في الفقر وفقدان لفرص التنمية، وتهدد في نهاية المطاف مستقبل الأمة”.
وبالمثل، جاء في بيان “لا نريد حربا”، الذي وقّع عليه 268 ناشطا سياسيا هذا الشهر، أنهم يعتقدون أن الغالبية العظمى تعارض الحرب، وأن هذا الرأي يجب اختباره في استفتاء شعبي. وحذرت رسالة أخرى من ألف ناشط مرتبطين بالرئيس السابق محمد خاتمي من أن “التجربة الإيرانية المعاصرة تظهر أن الحرب لا رابح فيها، ولا ينبغي تشويه سمعة من يدعون إلى المفاوضات”.
ويعلق وينتور بأن ما يجمع هذه المبادرات هو الخوف من خسارة الدبلوماسية ودفع إيران إلى حرب لا نهاية لها يمكن تصويرها على أنها حرب إيرانية عربية، حرب تصب في مصلحة إسرائيل. ومع ذلك، فإن معارضة مبدأ التفاوض مع أمريكا برمته، التي يغذيها سلوك دونالد ترامب المتقلب، يعبر عنها المتشددون في المسيرات الشعبية، وظهرت في الفترة الأخيرة على لوحات إعلانية غير رسمية.
إلا أن نفوذ المتشددين لا ينبع من قوتهم البرلمانية، فقد انتخب العديد منهم بنسب مشاركة منخفضة، بل من اعتقادهم بوجود شبكة دعم من الدولة العميقة في الجيش ومكتب المرشد الأعلى، مجتبى خامنئي. وعليه، يعقد غياب خامنئي عن الأنظار العامة حسم الجدل الدائر حول جدوى المفاوضات مع أمريكا.
وينظر إلى إغلاق المقاهي أو تدمير الأرصفة المحيطة بها على أنه محاولة فجة لتوجيه النقاش العام. وفي العام الماضي، وصف المتشدد البارز سعيد جليلي المقاهي بأنها “مساحة ثالثة” معادية للإسلام، تقع خارج نطاق السكن الجامعي أو المكتب، حيث يلجأ إليها الناس هربا من الوحدة. وأضاف: “في هذا المفهوم، تفقد الأسرة معناها، وهذا يتعارض مع فلسفة الزواج في الإسلام”.
وهناك عدم رضى عما يظهر بأنه انهيار لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإسلامية الممولة من القطاع العام. فعلى الرغم من كونها صحيفة محافظة، اشتكت صحيفة “جمهوري إسلامي” من “تزايد الإدمان على انتهاك كرامة الخصوم السياسيين يوما بعد يوم”، وكانت تشير إلى الانتقادات التي وجهتها الهيئة للمفاوضين. وهي انتقادات كانت تنبع في السابق من المعسكر المعارض للحوار مع الغرب فقط. ويرى كثيرون أن هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسلامية تحولت اليوم إلى منصة حصرية للمتشددين، وليست مرآة تعكس تنوع المجتمع.
وقد تحولت الأزمة بين الحكومة وهيئة الإذاعة والتلفزيون إلى العلن بعد أن خضعت مداخلات بزشكيان ومحمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين، للرقابة. واشتكت الحكومة في بيان لها قائلة: “إن فرض رقابة على خطاب الرئيس وتشويه أداء الحكومة من جانب واحد، ومحاولات تقويض مذكرة التفاهم التي وضعت لتجاوز الأزمة وحماية المصالح الوطنية، لم تعد مجرد انتقادات إعلامية”.
وأضاف البيان: “السؤال واضح: هل تقف هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية إلى جانب الشعب والحكومة ومصالح إيران، أم إلى جانب المستفيدين من الانقسام والتوتر والاستقطاب؟ ينبغي أن تكون وسائل الإعلام الوطنية صوتا للوحدة الإيرانية، لا منبرا لتدمير الحكومة وتقويض التفاهم الوطني”.
وتتزايد الدعوات لإجراء إصلاح شامل لآلية مساءلة المؤسسة الإعلامية الوطنية عند تعيين رئيس جديد لها في أيلول/سبتمبر المقبل. ومن جهة أخرى، يجب ألا تكون توجهات هيئة البث الوطنية موضوعا مهما، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن أقل من 12% من سكان البلاد يشاهدونها. لكن تكمن الصعوبة التي تواجه الحكومة في أن هذا يدفع المشاهدين إلى متابعة قنوات فضائية أجنبية معادية.
ويتزامن هذا التوتر بشأن هيئة الإذاعة الوطنية مع فترة ضغوط اقتصادية غير مسبوقة. وقد حذر ماجد رضا حريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، هذا الأسبوع، من أن تقنين الغذاء قد يصبح ضروريا خلال الأشهر الستة المقبلة. وقال غلام حسين محمدي، نائب وزير العمل، إن أكثر من مليون وظيفة قد فقدت نتيجة للحرب.
وقد بدأ بالفعل، بشكل ما، ترشيد استهلاك الغذاء من خلال ارتفاع أسعار المواد الغذائية، حيث يضطر الإيرانيون إلى تغيير أنظمتهم الغذائية بسبب ارتفاع تكلفة الفاكهة والبيض والدجاج. وبلغ التضخم السنوي في أسعار الغذاء 134% في تموز/يوليو، ما يعني أن متوسط ميزانية الغذاء الشهرية للأسرة الواحدة قد تضاعف أكثر من مرتين خلال عام. ويبلغ معدل التضخم الإجمالي 84%. وفي مؤشر آخر على الضغط طويل الأمد على مستويات المعيشة، أظهرت الأرقام الصادرة هذا الأسبوع انخفاضا حادا في القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجور.
وكتبت آزاده مختاري، إحدى أبرز المؤرخات في رصد تأثير الاقتصاد على الحياة اليومية، هذا الأسبوع: “وصل المجتمع إلى مرحلة باتت فيها عبارات مثل “ليس لدي صبر” و”لا طاقة عندي” شائعة الاستخدام.
كما امتدت آثار الحرب على الاقتصاد لتشمل كل شيء، من الإنترنت إلى السياحة، وأغلقت جميع الفنادق البالغ عددها 400 فندق في جزيرة كيش بمضيق هرمز أبوابها. وزار ما يصل إلى 30,000 إيراني المراكز الطبية خلال الحربين في 2025 و2026. ودمرت مرافق مدنية، مثل مركز بوشهر للأرصاد الجوية، تدميرا شبه كامل، وأصبح مطار بوشهر غير صالح للاستخدام. كما دمر برج المراقبة البحرية في تشابهار تدميرا كاملا، وتضررت 12 جسرا وفتحتان لنفقين. وسيستغرق ترميم هذه الأضرار عقودا.
لكن إحدى أكبر المفاجآت التي فجرت على شاشة التلفزيون الوطني كانت عندما كشف ذبيح الله خودايان، رئيس جهاز التفتيش العام، وهو مكتب تدقيق وطني، عن حجم فساد العملات الأجنبية بين ما يسمى بالصناديق الائتمانية، وهي هيئات سرية للغاية ترعاها الحكومة، أنشئت للتحايل على العقوبات الأمريكية. وهذه الصناديق، المتغلغلة في النظام السياسي الإيراني منذ سنوات، هي كيانات أنشئت لتحويل عائدات النفط الإيراني خارج نطاق العقوبات.
ومن البديهي أنها تعمل بطريقة غير شفافة، وتختلس المال العام. وقد أكد خودايان ذلك، قائلا إن أحد الصناديق التي منحت 200 مليون دولار لم تعد الأموال، بل غادرت البلاد. وأضاف أن 229 شخصا آخرين مدينون للدولة بمبلغ إجمالي قدره 23.5 مليار يورو، بينما ذكرت السلطة القضائية أنها فتحت قضايا ضد ما يقرب من 50 شخصا.
ولا يزال من غير الواضح على أي أساس تم اختيار هذه الصناديق الائتمانية، وما هي رسومها، وما هي الضمانات التي قدمتها لحماية موارد البلاد، وكيف تتم محاسبتها. لكن ثمة احتمالا متزايدا بأن فضيحة كبرى على وشك الظهور قد تتورط فيها النخبة الإيرانية.
وإذا حدث ذلك، فسيبدو كل الحديث عن التماسك الاجتماعي بين الطبقات مجرد كلام فارغ، بحسب الصحيفة.