بيروت ـ «القدس العربي»: بقيت المحادثات التي أجرها رئيس الحكومة نواف سلام في واشنطن ونيويورك في صدارة الاهتمامات، سواء في ما يتعلق بملف المفاوضات التي ستشهد جولة جديدة في مدينة تامبا في فلوريدا في 20 تشرين الاول/أكتوبر الحالي للبحث في تنفيذ «اتفاق الإطار» انطلاقاً مما نُفّذ في المرحلة الأولى من المناطق التجريبية وسبل وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحقيق الانسحاب، وهو ما تربطه واشنطن وتل أبيب على حد سواء بنزع سلاح «حزب الله» أولاً. وسيشارك في جولة المفاوضات السفير سيمون كرم والسفيرة ندى حمادة معوض في ظل محاولة لبنان الرسمي تحويل جولة المفاوضات من عسكرية إلى سياسية عسكرية.
وفور عودته إلى بيروت، أجرى الرئيس سلام اتصالين بكل من رئيسي الجمهورية جوزف عون ومجلس النواب نبيه بري، وأطلعهما على آخر مستجدات زيارته ولا سيما اللقاءات التي عقدها مع أعضاء في الكونغرس، حيث برز تشدد أمريكي في ملف بسط سيادة الدولة، مع مطالبة واضحة بالانتقال من المواقف إلى التنفيذ.
ولم تكن أجواء المحادثات التي أجراها عضواً الكونغرس الأمريكي دارين لحود وجوش غوتهايمر في بيروت متمايزة عن أجواء واشنطن، إذ فيما أكد كبار المسؤولين ضرورة الضغط على إسرائيل لتنفيذ «اتفاق الإطار» واعتبار التأخير يبقي التوتر الأمني قائماً في الجنوب، كان رد عضوي الكونغرس شبيهاً برد وزير الخارجية ماركو روبيو بالدعوة إلى اتخاذ خطوات فعلية تؤدي إلى نزع سلاح «الحزب» وحصر السلاح فعلاً بيد الدولة، مع اعتبار أن انتشار الجيش اللبناني على أهميته غير كاف، والتشديد على تحقيق تقدم اضافي من جانب لبنان قبل مطالبة إسرائيل بتنفيذ انسحاب جديد من منطقة تجريبية أخرى.
مخاوف من تصعيد
بناءً على ذلك، تبقى العين على التطورات الميدانية في جنوب لبنان، وما تزال المخاوف مسيطرة من انتقال الجيش الإسرائيلي بعد معركة علي الطاهر إلى مرتفعات جديدة في اقليم التفاح وقضاء جزين، بفعل الغارات التي تستهدف سجد والريحان والجبل الرفيع، ما يمكّن الاحتلال في حال التقدم نحو هذه المنطقة من التحكم بمسارات رئيسية في المنطقة، في ظل تسليط الضوء بشكل متزايد على تحركات قوات «حزب الله» وخطوطه الدفاعية.
وقد حضرت الأوضاع في الجنوب في الاجتماع بين رئيس الجمهورية جوزف عون ووزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وتطرق البحث إلى أوضاع المؤسسة العسكرية وحاجاتها.
عون: أضرار بيئية ناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية واستخدام الفوسفور في الجنوب
والتقى الرئيس عون السفير الأمريكي الأسبق في لبنان ريان كروكر مع وفد من «شبكة الشرق الأوسط للإرسال الأمريكية MBN» ضم الرئيس التنفيذي للشبكة جيفري غيدمين ورئيسة التحرير ليلى بزي، وعرض معهم موقف لبنان من التطورات المحلية والإقليمية لاسيما الوضع في الجنوب ومسار «اتفاق الإطار» الذي وقعه لبنان مع إسرائيل برعاية أمريكية، وعدم التزام إسرائيل بتنفيذ مندرجاته.
أضرار بيئية
وأكّد الرئيس اللبناني جوزف عون الخميس على ضرورة إيلاء المناطق المتضررة في جنوب البلاد أولوية خاصة، ودعم المزارعين الذين تضررت أراضيهم أو تعذر عليهم الوصول إليها وجني محاصيلهم. وأشار عون، خلال استقباله نائبة المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) بيث بيكدول، على رأس وفد من المنظمة، إلى الأضرار البيئية والزراعية الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية واستخدام الفوسفور، وما يتركه ذلك من آثار على التربة والإنتاج الزراعي.
وشدّد «على أهمية إدخال التكنولوجيا والابتكار والعلوم الحديثة في القطاع الزراعي، والاستفادة منها لرفع الإنتاجية وتحسين كفاءة استخدام الموارد وجودة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي»، مشيراً إلى «أهمية الانتقال من تحديد الاحتياجات إلى إعداد مشاريع عملية وقابلة للتمويل والتنفيذ، بما يساهم في تطوير القطاع الزراعي». وشكر الرئيس اللبناني منظمة «الفاو» «على كل الدعم الذي قدمته للقطاع الزراعي اللبناني والمزارعين اللبنانيين، لا سيما في خلال الأحداث الأخيرة».
وأكدت بيكدول التزام منظمة الأغذية والزراعة مواصلة دعم لبنان والعمل بشكل وثيق مع وزارة الزراعة، مستعرضةً البرامج والمشاريع التي تنفذها المنظمة في لبنان، والمخصصة لدعم القطاع الزراعي والمزارعين وتعزيز الأمن الغذائي. وأشارت إلى المشاريع المتعلقة بالري وإدارة المياه والمدخلات الزراعية، والمساهمة في جهود إزالة الألغام ومخلفات الحرب من الأراضي الزراعية، بما يتيح للمزارعين العودة بأمان إلى أراضيهم واستئناف نشاطهم الزراعي، فضلاً عن برامج الاستجابة لحالات الطوارئ.
وتناول البحث «الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي نتيجة الحرب، والتي طالت نحو 22.5 ٪ من الأراضي الزراعية في لبنان، إضافة إلى نتائج تقييم الأضرار والخسائر والمسوح التي أجريت بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية. كما تم البحث في برامج الاستجابة الطارئة ودعم المزارعين المتضررين وتأمين الموارد اللازمة لمساعدتهم على استعادة نشاطهم وإنتاجهم».
وجرى خلال اللقاء « عرض واقع القطاع الزراعي في لبنان والتحديات التي يواجهها في ظل الظروف الراهنة، ولا سيما تداعيات الحرب على الأراضي الزراعية والمزارعين، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والتغير المناخي وسلاسل الإمداد العالمية».
وتطرق اللقاء إلى «سبل تأمين موارد إضافية لدعم القطاع، والاستفادة من البرامج والتمويلات المتاحة بالتعاون مع البنك الدولي وسائر الشركاء الدوليين، إضافة إلى إمكانات التمويل المناخي، ولا سيما من خلال الصندوق الأخضر للمناخ، بما يساعد لبنان على مواجهة آثار التغير المناخي والأضرار البيئية وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على الصمود».
الاعتداءات الإسرائيلية
ميدانياً، استهدفت غارة إسرائيلية المدينة الكشفية في بلدة زوطر الشرقية. ونفذ الطيران الإسرائيلي غارة على المنصوري جنوب صور. وواصل الجيش الإسرائيلي، الخميس، هجماته على مناطق جنوبي لبنان، عبر غارات جوية وتفجير منازل وقصف مدفعي وعمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة. وقالت وكالة الأنباء اللبنانية إن الهجمات طالت بلدات المنصوري ومجدل زون في قضاء صور، وزوطر الشرقية والنبطية الفوقا في قضاء النبطية، وحداثا في قضاء بنت جبيل، إضافة إلى منطقة الزهراني في قضاء صيدا.
ففي قضاء صور، شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارة على بلدة المنصوري، بالتزامن مع تنفيذ القوات الإسرائيلية تفجيرات ضخمة في البلدة. وأدت التفجيرات إلى ارتجاجات قوية، فيما سُمع دويها في مدينة صور والقرى المحيطة. وقبل ذلك، عمدت القوات الإسرائيلية إلى تفخيخ عدد من المنازل في المنصوري، ثم فجرتها. وفي القضاء ذاته، نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرًا كبيرًا في بلدة مجدل زون. وفي قضاء النبطية، شن الطيران الحربي الإسرائيلي ليلاغارة على أطراف بلدة زوطر الشرقية، وأخرى على محيط المدينة الكشفية عند أطراف البلدة. وبالتزامن، تعرض مرتفع علي الطاهر عند أطراف النبطية الفوقا لقصف مدفعي متقطع. وفي قضاء بنت جبيل، نفذت القوات الإسرائيلية عملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة في اتجاه بلدة حداثا، بالتزامن مع تحرك آليات عسكرية إسرائيلية في البلدة. أما في قضاء صيدا، فسُجل تحليق طائرة مسيرة إسرائيلية على علو منخفض في منطقة الزهراني. ولم تذكر الوكالة على الفور وقوع قتلى أو إصابات جراء الهجمات الإسرائيلية.
مسؤول أممي من صيدا: نحث المجتمع الدولي على عدم حدوث فراغ بعد «اليونيفيل»
وفي 26 يونيو/ حزيران الماضي، وقعت بيروت وتل أبيب في واشنطن «صيغة إطار» برعاية أمريكية، تنص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. ورغم توقيع «صيغة الإطار»، تتواصل الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان، فيما لا تزال إسرائيل تحتل مناطق في الجنوب، بعضها منذ عقود، وأخرى سيطرت عليها خلال الحروب والعمليات العسكرية الأخيرة. ومنذ 2 مارس/ آذار الماضي، تشن إسرائيل عدوانًا على لبنان، أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 4 آلاف و386 شخصًا، وإصابة 12 ألفًا و413 آخرين، ونزوح أكثر من مليون، وفق السلطات اللبنانية.
مستقبل «اليونيفيل»
على صعيد مستقبل «اليونيفيل»، أعلن المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان جان أرنو أنه «مهما كان القرار بالنسبة للقوات الدولية، فإن الأمم المتحدة ملتزمة التزاماً جذرياً مساندة الدولة وسلطاتها المحلية في محافظتي الجنوب والنبطية، وبذل الجهود للوقوف إلى جانبهم».
وخلال زيارته إلى محافظ الجنوب والنبطية بالإنابة منصور ضو في مكتبه في سرايا صيدا، على رأس وفد ضم فريق مكتبه، مسؤولة القسم السياسي موريال رودريغز، مسؤول قسم التنسيق علاء عبد العزيز، المستشارة السياسية محاسن رحال والمستشارة الإعلامية باسكال قسيس، قال «كلنا نعلم أن المنطقة، ضحية الحرب، تمر بمرحلة صعبة من الضغوط فيما الاعتداءات مستمرة ضد الشعب والمؤسسات في الجنوب.
وأضاف زيارتنا اليوم لنؤكد دعمنا ومساندتنا للدولة ومؤسساتها وسلطاتها المحلية المتمثلة بالمحافظ ضو، وللمواطنين في الجنوب والنبطية»، موضحاً «أن الأمين العام للأمم المتحدة أوصى خلال تواصله مع المجتمع الدولي، بوجوب بقاء القوات الدولية في الجنوب حتى ولو كان وجودها أقل حضوراً مما هو عليه»، ولفت إلى «أن الأمر الأكثر أهمية ومقتنعون به كما المحافظ والمواطنين الجنوبيين هو عدم السماح لترك نقاط تمركز القوات الدولية في الجنوب بعد انسحابها للفراغ، لأسباب تتعلق بالأمن والمساعدات الإنسانية وغيرها من الامور».
أضاف أرنو «كما تعلمون أن قرار بقاء اليونيفل لا يعود فقط إلى الامين العام بل للدول الاعضاء في مجلس الأمن»، مشيراً إلى «أننا نحث الدول اليوم كما فعلنا في الماضي، على ان تأخذ في اعتبارها الأهمية القصوى لتواجد اليونيفيل في المنطقة ولضرورة استمرار تواجدها في الجنوب».
وختم «لذلك نحث المجتمع الدولي في حال عدم التمديد للقوات الدولية، العمل على إيجاد حلول أخرى تمنع حدوث الفراغ»، مطمئناً «أهالي النبطية والجنوب بأنهم يستطيعون الاعتماد على دعمنا الذي كان وسيبقى معهم».