الصورة وأرشيف المادة: التراكم بوصفه بنية للرؤية
يستدعي المشروع الفوتوغرافي الذي تنجزه إيزابيل بوور أقديم، مقاربة تتجاوز القراءة الوصفية، التي تكتفي بتحديد موضوع الصورة، أو تصنيفها ضمن إستتيقا تدوير الخراب. فمنذ الوهلة الأولى يتضح أن ما يشغل الفنانة لا يتعلق بالأشياء في ذاتها، وإنما بالكيفية التي تكتسب بها الأشياء المهملة، قابلية جديدة للظهور حين تدخل المجال البصري للصورة. فالعدسة لا تؤدي وظيفة التسجيل، فهي تعيد توزيع العلاقات بين المادة والذاكرة، وبين الأثر والزمن، وبين المرئي وما ظل خارج الاقتصاد الجمالي للرؤية. لذلك تتعامل أعمالها مع الخردة، والأقفاص الصدئة، والقوارير المتراكمة، والعمارات المتداعية، وبقايا الآلات، والفضاءات الصناعية المتروكة، بوصفها عناصر تمتلك تاريخا بصريا كامنا، أكثر مما تمثل بقايا فاقدة للقيمة.
ينفتح هذا الاختيار على سؤال إستتيقي يتعلق بوضعية الشيء بعد خروجه من دائرة المنفعة. فالموضوعات التي تصورها الفنانة فقدت وظيفتها الأصلية، غير أن فقدان الوظيفة لا يقود إلى اختفاء الدلالة، وإنما يحررها من سلطتها الاستعمالية لتدخل فضاءً آخر تتحول فيه إلى موضوع للتأمل. هنا تستعيد الصورة ما يسميه والتر بنيامين «الصورة الجدلية»، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في لحظة بصرية واحدة، من دون أن يذوب أحدهما في الآخر. فلا يعود الخراب مرحلة لاحقة للحياة، بقدر ما يصبح شكلا من أشكال استمرارها داخل نظام مختلف من المعاني.
لهذا السبب لا تبدو الصور سجلا توثيقيا للموجودات، كما أنها لا تستثمر الخراب باعتباره موضوعا رومانسيا يثير الحنين أو الشفقة. إن ما يتحقق داخل الكادر الفوتوغرافي هو إعادة بناء المجال الإدراكي نفسه. فالأشياء التي اعتادت العين تجاوزها، تستعيد مركزيتها، بينما تتراجع العناصر التي اعتادت الثقافة البصرية منحها الأفضلية، بذلك تتحول الصورة إلى ممارسة نقدية تعيد مساءلة معايير الرؤية قبل مساءلة موضوعاتها.
يتجلى هذا المنحى بوضوح في اعتماد الفنانة تقنية الفوتومونتاج، التي تتجاوز معناها التقني بوصفها تجميعا لصور متعددة داخل تكوين واحد، لتصبح استراتيجية معرفية لإنتاج الدلالة. فمنذ تجارب الدادائية مع هانا هوش وجون هارتفيلد، ارتبط الفوتومونتاج بإعادة تفكيك الواقع وإعادة تركيبه، بما يسمح بإنتاج علاقات لم تكن موجودة في المشهد الأصلي. غير أن بوور أقديم تنقل هذه التقنية من المجال الاحتجاجي إلى مجال أكثر تركيبا، حيث يغدو التركيب نفسه وسيلة للكشف عن البنية الداخلية للأشياء، لا مجرد وسيلة لإنتاج مفارقة سياسية.
في صورة الأقفاص البحرية والشباك المتراكمة، لا تكتفي الفنانة بجمع لقطات متعددة، فهي تبني فضاء بصريا تتداخل فيه الطبقات إلى حد يصعب معه الفصل بين المقدمة والخلفية. تتحرك العين داخل الصورة، كما لو أنها تعبر نسيجا كثيفا من الخطوط والألوان والمواد، فتفقد البحث عن نقطة ارتكاز ثابتة، وتدخل في حركة دائمة بين الجزئي والكلي. تتولد الدلالة من هذا التردد المستمر، لأن المعنى لا يستقر في عنصر منفرد، فهو ينشأ من العلاقات التي تربط العناصر بعضها ببعض. إن الشبكة تتخطى كونها أداة صيد فحسب، لتستحيل إلى استعارة لبنية الرؤية ذاتها، حيث يتشابك الإدراك كما تتشابك الخيوط المعدنية والحبال والصدأ.
وتزداد هذه الآلية وضوحا في صورة الحافلات المتآكلة، حيث تتجاور زوايا تصوير مختلفة داخل فضاء واحد، فتتشكل بنية لا تنتمي إلى المكان الواقعي بقدر انتمائها إلى ذاكرة المكان. تتجاور المحركات المكشوفة مع النوافذ المحطمة والكتابات الباهتة وآثار الطلاء المتقشر، فيغدو كل عنصر أثرا يدل على زمن مختلف. تتجاوز الحافلة كونها وسيلة للنقل، لتصبح شاهدا على دورة كاملة من الإنتاج والاستهلاك والانتهاء. بذلك يتخذ التراكم بعدا تاريخيا، لأن ما يتراكم في الصورة ليس الحديد وحده، وإنما الأزمنة التي عبرت فوقه.
ويحمل هذا التراكم وظيفة إستتيقية دقيقة، فهو لا يهدف إلى إغراق العين في الفوضى، ولكن يدفعها إلى إعادة تنظيم المشهد باستمرار. يتولد النظام من داخل الكثافة نفسها، وتصبح الفوضى الظاهرة شكلا آخر من أشكال البناء. هنا يعاد تحديد ما يستحق أن يُرى، وما يظل خارج المجال البصري المشروع. فحين تمنح الصورة مركزها لخردة صناعية أو لجدار متداعٍ أو لقارورة زجاجية مهملة، فإنها تعيد تعريف المجال الذي ينتج فيه الفن موضوعاته، أكثر من عدها تضيف موضوعا جديدا إليه.
تكشف أعمال بوور أقديم بكثافة واضحة، التمييز الذي صاغه رولان بارت بين Punctum و Studium. فالمشهد العام يظل قابلاً للوصف: زجاجات، حافلات، أطلال، أقفاص، حجارة، جدران. غير أن التأثير الحقيقي يتولد من التفاصيل التي لا تستأثر بالانتباه منذ النظرة الأولى. ففي صورة الزجاجات المتراكمة، تنبثق بقعة فيروزية بين الكتل الرمادية، فتعمل كاختلال لوني يعيد تنظيم المجال البصري بأكمله. لا تؤدي هذه البقعة وظيفة زخرفية، وإنما تتحول إلى مركز خفي يدفع العين إلى إعادة قراءة المشهد من جديد.
ويظهر الأمر ذاته في صورة الغرفة الريفية، حيث تتوزع الأخشاب المتآكلة والقرميد الصدئ داخل فضاء تتقارب فيه الدرجات اللونية الترابية، قبل أن يفرض القرص المعدني الأصفر حضوره بوصفه نقطة كثافة دلالية، عبر صيغ الفوتومونتاج الذي تقترحه الفنانة. فلا تنبع قيمته من حجمه، وإنما من قدرته على إيقاف حركة النظر، وكأنه بقايا زمن يرفض الاختفاء داخل التراكم العام للمشهد.

هكذا تتحول المادة في مشروع بوور أقديم، إلى أرشيف بصري. فهي لا تحتفظ بآثار الزمن فحسب، وإنما تنتج معرفة جديدة حول الكيفية التي يترك بها التاريخ علاماته على الأشياء. لذلك تبدو الصورة ممارسة تنقيب بصري تشبه عمل عالم الآثار، مع اختلاف جوهري يتمثل في أن التنقيب يحدث فوق سطح العالم اليومي الذي اعتادت العين تجاوزه.
الخراب والزمن: من أنثروبولوجيا الأثر إلى فينومينولوجيا الصورة
يكتسب الخراب في أعمال إيزابيل بوور أقديم وضعية تتجاوز التصور التقليدي الذي تعامل معه بوصفه رمزاً لانهيار الحضارات أو باعثاً على التأمل الرومانسي في هشاشة الوجود. فمنذ ديدرو مروراً بجورج زيمل، ارتبطت الأطلال بفكرة الزمن الذي يستعيد سلطته على البناء الإنساني، غير أن مشروع الفنانة ينقل هذا المفهوم إلى مستوى آخر، لأن موضوعه الرئيس لا يتمثل في الآثار التاريخية المهيبة، ولكن في بقايا الحداثة نفسها؛ في المصانع التي توقفت، والآلات التي خرجت من الخدمة، والمباني التي فقدت وظيفتها، والمواد التي ألقاها الاقتصاد الصناعي خارج دورته الإنتاجية. بذلك يتحول الخراب من ذاكرة للماضي البعيد إلى وصف للحاضر وهو ينتج آثاره الخاصة.
تقدم صور موقع شالة نموذجاً بالغ الدلالة لهذا التحول. فالأقواس الحجرية والعمارة التاريخية لا تظهر معزولة عن محيطها الطبيعي، وإنما تدخل في علاقة مستمرة مع أعشاش اللقالق، التي استوطنت القمم والجدران. تتشكل داخل الصورة شبكة زمنية معقدة، حيث يتجاور الزمن الحضاري الذي شيد المعمار، والزمن البيئي الذي أعاد إدماجه في دورة الحياة الطبيعية، والزمن المعاصر الذي يلتقط فيه المصور هذه العلاقة. لا تهيمن طبقة زمنية على أخرى، وإنما تتعايش جميعها داخل فضاء واحد، فيغدو الخراب مجالاً لإعادة توزيع الحياة، أكثر من كونه إعلاناً عن نهايتها.
وتزداد هذه الفكرة عمقا في صورة الكتل الخرسانية الساحلية، التي تفقد معناها الوظيفي بوصفها حواجز لحماية الشاطئ، لتتحول إلى كتل تجريدية تتجاور فيها الكتلة والفراغ والظل والملمس. تستثمر الفنانة خشونة الخرسانة وتشققاتها وآثار التآكل فوق أسطحها لتنتج لغة بصرية تقترب من التجريد، من دون أن تغادر الواقع. فتغدو المادة نفسها موضوعاً للرؤية، ويتحول الوزن الفيزيائي إلى وزن بصري، بحيث يشعر المتلقي بثقل الكتل قبل أن يدرك شكلها الهندسي.
ومن هذه الزاوية تقترب أعمالها من التصورات المعاصرة التي ترى في الصورة الفوتوغرافية فضاء بصريا لإعادة إنتاج المادة أكثر من كونها وسيلة لنقلها. فالصورة لا تنقل الشيء إلى سطح الورق، بقدر ما تعيد بناء حضوره وفق نظام جديد من العلاقات الضوئية والزمنية. ولهذا السبب يتراجع الحد الفاصل بين الوثيقة والعمل الفني. فكل صورة تحمل أثراً مادياً يمكن توثيقه، وفي الوقت نفسه تنتج بنية تشكيلية مستقلة تمتلك قوانينها الخاصة.

ويبرز البعد الأنثروبولوجي للمشروع من خلال الامتداد الزمني الذي تغطيه الأعمال بين سنتي 2014 و2025. فهذا الامتداد لا يمثل أرشيفاً شخصياً للفنانة، وإنما يرسم خريطة للتحولات التي عرفها المجال المغربي والمتوسطي خلال عقد كامل. فكل خردة صناعية، وكل جدار متشقق، وكل مبنى مهمل، يحمل في داخله أثراً لتحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية متراكمة. وتتحول الصورة إلى وثيقة عن أنماط العيش بقدر ما تصبح عملاً إستتيقياً. ويتجسد ذلك بوضوح في صورة المبنى المتداعي داخل المدينة القديمة، حيث تكشف طبقات الطلاء المتراكبة عن تاريخ طويل من الاستعمالات المتعاقبة. فالجدار لا يقدم نفسه سطحاً معمارياً واحداً، وإنما يظهر كطبقات ذاكرة تتراكم فوق بعضها بعضاً. ويتحول الباب المعلق داخل الفراغ إلى علامة على وظيفة غابت، مع احتفاظها بقدرتها على استدعاء العبور. فهو باب يؤدي إلى مكان انمحى، ومع ذلك يواصل أداء حضوره الرمزي داخل الصورة.
وتفتح هذه الأعمال نقاشاً واسعاً حول طبيعة الصورة الفوتوغرافية في عصر ما بعد الفوتوغرافيا (Post-photography). فالتقنيات الرقمية أتاحت إمكانات غير مسبوقة لإعادة بناء الصورة، غير أن الفنانة هنا توظف هذه الإمكانات لإنتاج علاقة أكثر تعقيداً مع الواقع، حيث يمتزج التوثيق بالتأويل، ويغدو التركيب البصري امتداداً لعملية التفكير نفسها. لذلك لا تقدم الصورة حقيقة جاهزة، فهي عكس ذلك تخلق شروطاً جديدة لرؤية الحقيقة.
ويمثل الزمن المحور الأكثر حضوراً في المشروع كله. فالصورة تجمع أزمنة متعددة تتفاعل في اللحظة ذاتها: زمن الشيء المصور، وزمن التقاط الصورة، وزمن مشاهدة المتلقي، ثم الزمن الثقافي الذي يحمل معه معارفه وخبراته إلى عملية القراءة. وهنا تقترب الأعمال من التصورات الفينومينولوجية التي ترى في الإدراك حدثاً زمنياً يتجدد مع كل مشاهدة، لا عملية استقبال سلبية لمعطيات بصرية ثابتة. ومن ثم لا يمكن فهم هذه الصور انطلاقا من مفهوم الحنين بمعناه العاطفي المباشر. إنها تنتمي إلى ما يوصف بالحنين التأملي، حيث يتحول الماضي إلى أفق للتفكير أكثر من كونه موضوعاً للرغبة في الاستعادة. فالحافلات المتآكلة، والورش المهجورة، والأبنية المتشققة تفتح سؤالاً حول الكيفية التي تنتج بها الحداثة مخلفاتها، وحول الأثر الذي تتركه مشاريع التنمية حين تتوقف عن أداء وظائفها، ولا تدعو إلى استرجاع زمن مضى. لهذا يغدو مشروع إيزابيل أقديم أقرب إلى كتابة بصرية للذاكرة المادية. فهو يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ومخلفاته، وبين الحضارة وآثارها، وبين الزمن وما يتركه من علامات فوق الأشياء. وتكتسب الصورة الفوتوغرافية داخل هذا المشروع وظيفة معرفية تتجاوز التوثيق، لأنها تنتج معرفة حول ما يختفي داخل اليومي، وحول الكيفية التي تتحول بها المادة إلى سجل للتاريخ.
كاتب مغربي