«العمى» لجوزيه ساراماغو..التفافٌ على النفس في دائرةِ التأثّرات


تنضحُ تجربةُ الكاتبِ من التوليفات المضمرة للتجاذبات الأيديولوجيّة، التي يحياها في خضمّ التدويرِ النفسي والالتفافِ على الذات، ومن ثمّ الاستكشاف في عوالمِ الآخرين عن الشراراتِ المتطابقةِ لحالتِه غير المستتبّة، ليجدَ لها حلولاً مقتبسة من عمقِ التناسق الضمني بينه وبين المجتمع، فتتناثرُ أوراقُه مثل رقائق تتلألأ من عين الشمس وتشتعلُ من تيجانِ الحكمةِ التي يكتسبها من الاحتكاكِ الدائمِ بمن حوله.
في رواية «العمى» لجوزيه ساراماغو، يكشفُ عن نعشٍ من إنسانيّةٍ متساقطة، تغزوه أعشابٌ ضارّةُ من التدنّي الأخلاقي، فالرؤيا عنده لا تقعُ ضمن خانةِ البصرِ فقط، بل هي فلسفةٌ مشحونةٌ بوجوديّةٍ انعكاسيّةٍ غير متناسقة، مع أنماطٍ مختلفة من الأذهان البشريّة، مثل جلسةٍ تولدُ في كهوفٍ ظلماء، مع أحواضٍ من الخمرِ التي تُذهبُ عقلَ الإنسان، بعد حصاد الخريفِ المجمّر في كؤوسِ الجهل.
تكشفُ الروايةُ قصّة إنسانٍ يُصابُ بنوعٍ غريبٍ من العمى، تنتقلُ عدواه في المدينةِ بسرعةٍ مريبة، تحيّرُ عقلَ الطبيب، فلا يستطيعُ أن يلعبَ دورَ الملّاحِ الذي يجذبُ أوتادَ السفينةِ بإيقاعٍ ثابت»، فيحتارُ في أمرِه وينتقلُ مرضُ العمى إلى أهلِ المدينةِ بسرعةٍ فائقة، ولم تعد أغاريدُ الطيورِ في الطبيعةِ توقظُ أحلامَهم، بل باتَ المرضُ يقضُّ مضاجعَهم بانقباضاتٍ تساورُ حيواتِهم.
هذا التفشّي الغريب للعمى يستدعي تدخّل الجيش، وكأنّ السلطةَ في نظرِ ساراماغو تظهرُ عندما تتطلّبُ الصيحاتِ المنبثقة عن أفعالٍ، أو أوضاعٍ جماعيّة، يُستعصى عليها التحليلُ المنطقي، وتتلفّعُ تحت ستارِ الميثولوجيات البسيطة، بين الاستلابِ والقوانينِ غير الخاضعةٍ للأسباب البيولوجيّة والفيزيائيّة، مثل مربّعٍ غير متراصّ البنيان يكتسبُ مشروعَه من مجرى الأحداثِ العجائبيّة، وتحتاجُ لقوى الذكاء المتعدّدة متعدّدة الذهنيّة مثل نظرية غاردنر، ويحتاجُ فيها العقلُ إلى تجاوزٍ ذاتي للموضوعيّةِ، باللجوءِ إلى الموضوعيّةِ في حقلِ الإمكانات في وحدةٍ متحرّكةٍ للذاتيّة، حسب رأي سارتر، فكأنّ الشيطانَ يقفُ في صفّ العلّةِ كي يعمّمَها على الجميع، ويحجبَ الرؤيا عنهم لتغدوا أرواحهم مثل قبورٍ ضحلة تتناحرُ في العدم وتتبارزُ على الشهواتِ المتدنيّة، من دون رادعٍ أو أملٍ بالصعودِ سوى إلى هوّاتٍ قاتمة، متناحرة ومتنافرة.

وهكذا، يصيبُ العمى الجميعُ باستثناءِ زوجةِ الطبيب، التي تبصرُ ما لم يبصره أحد، وتقومُ مجموعاتٌ موزّعةٌ بين الخيرِ والشرّ بحربٍ ضروس، وتقومُ مجموعةٌ مسلّحةٌ بفرضِ حصارٍ على المؤن الغذائيّة، لتعزلَ المحتجزين مع مصائرِهم المبهمة القاتمة، وعندما يتصدّرون موكبَ الخلاص ويثورون على وضعهم يكتشفون أنّ الجيشَ الذي كان يحميهم قد تخلّى عنهم ورحل، فيقرّرون التحرّر من الإكراه وحرق المبنى ليثبوا فوق أسواره ناشدين خيط الحريّة، وتقومُ زوجةُ الطبيبِ بمؤازرتهم وهم ما زالوا يجهلون بأنّها مبصرة، وتحلّ محلّ السكينة المقدّسةِ ضوضاء فاجرة، حيثُ تُنهبُ البضائعُ في الخارج وتُهدَمُ القوانين وتُردمُ الأخلاقُ في بؤرِ الفساد، ما عدا منزل الطبيب الذي يأويه مع عائلته والمجموعة العاقلة التي لم تتصرّف بنزقٍ وصخب، ولم تستهتر بالقيمِ والرواسخ. ويرحلُ الوباءُ بلعنته بسريّةٍ علنيّةٍ بالطريقةِ نفسها التي حلّ بها.

روايةُ «العمى» تطرحُ تساؤلاتٍ حول عزيمةِ شعبٍ تثبّطت مع علّةٍ أفقدته الصبر، فتألبت عليهم الشدائد مثل الجيرونديين، الذين حسب وصف سارتر، صنعوا التاريخَ في ظروفٍ دقيقةٍ وعلى أساسِ الشروطِ الخارجيّة، فقد خالوا أنّهم يستطيعون أن يستغلّوا الثورةَ لمصلحتِهم إلا أنّهم جعلوها جذريّة ديمقراطيّة (كتاب الماركسية والوجودية)، وكذلك في رواية «العمى» حين خدشَ العميان جلدَ الإنسانيّة وتفكّكوا في صراع الرذائل واحتكاكِ العلل النفسيّة، فشرعوا في فكّ أحجيةٍ ملتويةٍ كالثعابين المتيقّظة، في صورةٍ فوتوغرافيّة شبحيّة قاتمة، ظنّاً منهم بأنّهم يلوون كاحلَ المنفعة لتصبّ في مصالحهم ولكنّهم بجهلهِم تسبّبوا في خلقِ نماذج نقيضةٍ لهم، ساهمت في عمليّةِ إصلاحٍ ألقاها عليهم عاكسُ ضوءٍ وجودي ولم يخرس العمى أو الزمنُ أصواتَ محبّتهم وسلامِهم الداخلي.

وقد كانت شخصيّةُ زوجة الطبيبِ مثل ألسنةِ اللهبِ رغم شحّ المواردِ ووحدتها في بصرها السليم، فقد عقدت جلساتِها الذاتيّة على ضوءِ شموعٍ من الرؤيا الثاقبة، وجذبت الأملَ من أنفاقِ الويل، فشمّرت عن ساعدين من ارادةٍ حديديّة، وسعت في الخيرِ وأنذرت قومَها من هبوبِ رياحِ الانكسار، فقد ابتلّ قلبُها من عناقِ الحزنِ، ولكنّها ثبتت راسخةً دون أن تبوحَ بسرّها لأحد، وراقبت ما يجري من حولِها من مطاردةٍ حامية بين الصالحِ والشرّير، ٍوتوارت وراء سياجٍ غير مرئي تنظرُ ولا تُنظر، لتكتشفَ أنّ العمى الحقيقي في القلوبِ الضالّة، وتخلصُ إلى حكمةِ الانتماءِ للوجودِ كعنصرٍ حي ينشدُ المثلَ العليا، وليس كوجودٍ فرضي يصارعُ بوحشيّةٍ ضارّة، ويمشّطُ سوالفَ المجد الزائف.

وقد نجحَ ساراماغو في استدعاءِ العناصرِ الاجتماعيّة النفسيّة، التي تتفلّتُ عبر البراري الموحشة والمخاضات الجاهلة، في حال انهيارِ القيمِ الحازمة في مجتمعٍ عقيم، يخلو من سياسةٍ عاقلة وسلطةٍ حكيمةٍ تستطيعُ لجمَ ما سرّحهُ القدرُ من مخاطر، فأصبحت المدينةُ ملفوفةً بضبابٍ رمادي ينزفُ الانهيارَ الإنساني، تثيرُ ظلالاً من صورٍ شرّيرة، لنماذجَ بشريّةٍ مخيفة، تشبه صرخات طائرٍ كئيبة وهو يرتحلُ في جراحِه الآثمة. وقد لعبت فلسفةُ ساراماغو الإنسانيّة التي تنتقدُ التحوّل الأخلاقي والاجتماعي أمام الجنون الجماعي بتحجيمِ حقيقة البديهيّات وتكريسِ التلاحمِ البشري لحلّ معضلاتِ الكونِ، دورَ السوطِ الذي تتدلّى من سرجِه قوانينُ التكريسِ الأخلاقي والبديهي للمنطق الوجودي، فهو يستعرضُ الفسادَ بلغةِ «العمى»، وينفذُ إلى الظلماتِ الخائرةِ في فسحاتِ الأرواحِ المتقلّبة بين التقويمِ والتضليل، وكأنّه يضعُ أصبعَه على شفاهِ الجرحِ لا ليسكتَه، بل ليتركه تعبيراً صامتاً، بما أنَّ الصمتَ خيرُ جموحٍ للتعبير.

وفي سياقِ الروايةِ وتفاصيلِها، تتبارى فلسفاتٌ عديدة، تغرّدُ في سربِ الظلامِ المخيّمِ في سماءٍ تضجُّ بعلاماتٍ غير ملموسة ولكنّها محسوسة بثقلِها وضبابيتها الساخرة، مثل أخاديدِ التماثيلِ الخرساء، التي تتحرّكُ بغريزِتها لا ببصيرتها، فتصبحُ عالّةً على جرحِها وكرهِها للإنسانيّةِ الحقّة، وتتدنّى إلى قاعِ الجوفِ الدامسِ بلعنةِ الفطرةِ البدائيّة، من حبّ السلطةِ والاستيلاءِ على حقوقِ الغير، وإسدالِ لغةِ الشرّ على مكامنِ الخطيئةِ المتأصّلة في الفلسفةِ الاجتماعيّةِ والسياسيّة، فعندما سخر يوجين السينوبي المنتمي إلى الفلسفةِ الكلبيّةِ، من أعرافِ المجتمعِ التي تعرقلُ عمليّةَ استدراجِ الإنسانِ لمعرفةِ نفسه، وحملَ قنديله في وضحِ النهار لم يكن تصرّفُه دعوةً للفجور، ولكنّه في نظره اعتناقٌ للفضيلةِ بسببِ عدمِ اقتناعِه بحلولِ الخيرِ في النفوسِ البشريّة، ولكنّه لم يفسحْ الخطى لسلوكِ طريقٍ مغايرٍ للمبادئِ التي حملَها على عاتقِه.
لقد قدّمَ ساراماغو في روايةِ العمل أمثولةً عن السوسيو- سيكولجي التي تستهلكُ نوافذَ الإطلالاتِ المشرقةِ على التنويرِ الفردي والجماعي، ونجحَ في ضمّ شخصيّاتٍ متعارضةٍ مع بعضها بعضا، ليبيّنَ الاختلافَ النفسي الذي يحدُّ من قدرةِ الإنسان على التآلفِ والتناغمِ مع مساراتٍ صدئةٍ تتشابكُ في ما بينها، في أجواءٍ مخزية تثيرُ الدهشةَ تنتثرُ ندفها على ملاءات من الطينِ الملطّخِ بالعمى الروحي للمجتمعاتِ التي تستغني عن أخلاقِها وتغرقُ في بحيراتِ الوباء الداخلي، من دون أن تولى اهتماماً في عقابِ التحويرِ السلوكي للإنسانِ في مسيرةِ حياتِه.

كاتبة لبنانية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *