اقتراع في مركز في بير زيت خلال الانتخابات المحلية في أبريل (أ.ف.ب)
لندن – «القدس العربي»: تطرح الانتخابات الفلسطينية المقررة في الخريف المقبل تحديات وأسئلة محورية أمام الفلسطينيين، نظرا لتعقيدات المشهد على المستوى الداخلي، وفي ظل حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
وإذا كان مطلب إجراء الانتخابات تتحكم فيه اعتبارات داخلية، وأخرى خارجية لجهة حث السلطة الفلسطينية على المضي قدما في طريق الإصلاحات، فإن جهات تشكك في النظم التي تحكم الانتخابات سواء ما يتعلق بالمجلس التشريعي أو المجلس الوطني، او الانتخابات الرئاسية التي لم يحدد موعدها بعد.
وفي هذا الإطار، وجّهت «الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني» رسالة مفتوحة إلى القوى والفصائل الفلسطينية، وإلى الفلسطينيين في الداخل والخارج وأصدقاء فلسطين في العالم، حذّرت فيها من أن تؤدي آليات التعيين أو الشروط الإقصائية التي تنظّم الانتخابات الفلسطينية إلى التحكم المسبق في تركيبة المؤسسات الفلسطينية المقبلة، مطالبة بأن تكون الانتخابات والاختيار الشعبي أساساً للشرعية والتمثيل، سواء في المجلس التشريعي أو المجلس الوطني أو الرئاسة.
وتُجرى الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 28 تشرين الثاني / نوفمبر المقبل، وفق مرسوم أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فيما كان قد حدد الأول من تشرين الثاني / نوفمبر موعداً لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني «حيثما أمكن». أما الانتخابات الرئاسية، فلم يُحدد موعدها النهائي بعد، على أن تُجرى خلال عام 2027.
وتأتي الرسالة في الوقت الذي تعيش فيه فلسطين أوضاعاً خطرة، مع حرب الإبادة المستمرة التي تشنها إسرائيل في غزة، والعدوان الواسع من حكومة الاحتلال وميليشيات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
وكانت الهيئة قد أطلقت قبل ذلك عريضة شعبية تطالب بانتخابات حرة ونزيهة وشاملة، كما أعلنت رفضها أن يصبح التعيين بديلاً من الانتخاب في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني.
و»الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني» إطار تنسيقي أُطلق خلال ملتقى الحوار الوطني الفلسطيني الثالث، الذي انعقد في إسطنبول في تشرين الثاني / نوفمبر من العام الماضي، بمشاركة شخصيات وممثلين عن أطر فلسطينية من الداخل والشتات، بهدف تنسيق الجهود والمواقف إزاء القضايا الوطنية العامة.
وتضم الهيئة مجموعة من الشخصيات ذات الخلفيات السياسية والاقتصادية والمجتمعية المختلفة، من بينها أحمد غنيم، العضو السابق في المجلس الثوري لحركة «فتح»؛ وحسن خريشة، النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، (الذي حله الرئيس الفلسطيني)؛ وربى مسروجي، سيدة الأعمال الفلسطينية؛ وسمعان خوري، رئيس اتحاد الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية.
رفض للتعيين في «الوطني» وتشديد على ضمان حقوق الترشيح
ومن بين أعضائها كذلك عدنان حميدان، منسق الهيئة ورئيس «المنتدى الفلسطيني في بريطانيا»؛ وعريب الرنتاوي، مدير «مركز القدس للدراسات السياسية»؛ وعمر عساف، الناشط السياسي والأسير الفلسطيني المحرر؛ وماجد الزير، رئيس «المجلس الأوروبي الفلسطيني للعلاقات السياسية».
كما تضم الأمين العام لـ»حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية» مصطفى البرغوثي؛ والكاتب والباحث الفلسطيني معين الطاهر، العضو السابق في المجلس الثوري لحركة «فتح»؛ وموسى صالح، رئيس «جمعية الحنونة للثقافة الشعبية»؛ وهشام أبو محفوظ، القائم بأعمال الأمين العام لـ»المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج»؛ إلى جانب وضاح خنفر، رئيس «منتدى الشرق».
ليست حزباً أو قائمة انتخابية
وفي حديث مع «القدس العربي»، قال منسق الهيئة عدنان حميدان إن طبيعة هذا التشكيل لا تعني نشوء حزب سياسي جديد، موضحاً: «الهيئة مساحة تنسيق وطني تجمع أطرًا وشخصيات فلسطينية حول القضايا الكبرى، من دون أن تصادر قرار أي فصيل أو تجمع، أو تتدخل في القرار السياسي للقوى الفاعلة على الأرض».
ورداً على سؤال عما إذا كانت الهيئة طرفاً سياسياً يستعد لخوض الانتخابات المقبلة، قال حميدان: «الهيئة في صورتها الحالية ليست حزباً سياسياً ولا قائمة انتخابية، ولا تتجه إلى خوض الانتخابات بصفتها إطاراً تنسيقياً».
لكنه لم يستبعد أن تنتج الحركة السياسية المحيطة بها لاحقاً مبادرات أو قوائم تضم شخصيات أو قوى مشاركة فيها، وقال: «إذا نشأت لاحقاً قوى أو قوائم سياسية من شخصيات أو مكونات شاركت في هذا الحراك، فهذا شأن آخر، ويُترك للجهات والأشخاص المعنيين وتقديراتهم، ولا يعني تحول الهيئة تلقائياً إلى حزب انتخابي».
وتنظر الهيئة إلى الانتخابات التشريعية بوصفها مدخلاً لإعادة الشرعية إلى المؤسسات الفلسطينية، ولكن ضمن شروط أبرزها عدم فرض اشتراطات سياسية مسبقة أو إقصاء أي طرف، وضمان تكافؤ الفرص وحرية الترشح، فضلاً عن احترام النتائج بعد إعلانها.
ويلخص حميدان موقف الهيئة بقوله: «لا اشتراطات، لا إقصاء، لا تعيين، ولا تهميش»، مضيفاً: «نزاهة الانتخابات لا تنتهي عند صندوق الاقتراع، بل يجب أن تشمل أيضاً ضمان احترام نتائجها، وعدم ملاحقة الفائزين أو معاقبتهم بسبب خيار الناخبين».
المجلس الوطني وأولوية الانتخاب
أما المجلس الوطني الفلسطيني، فيمثل بالنسبة إلى الهيئة جوهر النقاش حول التمثيل، ولا سيما أن مرسوماً رئاسياً صدر في شباط / فبراير 2026 كان قد حدد الأول من تشرين الثاني / نوفمبر موعداً لانتخابه، ونص على إجراء الانتخابات «حيثما أمكن» في الداخل والخارج. غير أن النقاشات والتعديلات اللاحقة المتعلقة بإدخال التعيين والتوافق في اختيار جزء من أعضائه أثارت اعتراضات سياسية، وكانت وراء جانب أساسي من رسالة الهيئة الأخيرة.
وقال حميدان إن موقف الهيئة واضح في هذه المسألة: «الأصل هو الانتخاب، لأن المجلس الوطني الفلسطيني يُفترض أن يكون التعبير الأوسع عن إرادة الشعب الفلسطيني، ونحن نرفض أن يصبح التعيين بديلاً دائماً من الانتخاب».
وأضاف: «ندرك أن الواقع الفلسطيني معقد، وأن هناك قيوداً جغرافية وسياسية وأمنية كبيرة، وخصوصاً في الشتات والقدس وغزة، لكن المطلوب استخدام كل الوسائل والتقنيات المتاحة لتذليل هذه العقبات، وليس تحويلها إلى مبرر لإلغاء حق الانتخاب». وفي ما يتعلق بالعلاقة بين المجلس التشريعي والمجلس الوطني و»منظمة التحرير الفلسطينية»، ميّز حميدان بين موقف الهيئة ورؤيته الشخصية، وقال: «لا يوجد حتى الآن موقف تفصيلي موحد للهيئة بشأن شكل هذه العلاقة، لكنني أرى أن هذه المؤسسات يجب ألا تعيش في جزر منفصلة عن بعضها». وأضاف: «المطلوب إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس الشرعية الشعبية والتكامل بين المؤسسات، بحيث تكون إرادة الشعب هي نقطة الانطلاق، لا التعيين ولا المحاصصة ولا ترتيبات تُفرض من أعلى».
أما الانتخابات الرئاسية، فقال حميدان: «الأولوية بالنسبة إلينا ليست في ما إذا كانت الانتخابات الرئاسية ستُجرى بالتزامن مع الانتخابات التشريعية أو بعدها، بل في ضمان حق الفلسطينيين في الترشح والاختيار من دون شروط مصممة لإقصاء أشخاص أو تيارات بعينها».
وأضاف: «إذا كانت هناك شروط قانونية عامة، فيجب أن تكون واضحة ومطبقة على الجميع بالتساوي، وألا تتحول إلى أداة سياسية لتحديد من يُسمح له بالمنافسة ومن يُمنع».».
هل تنبثق عنها قوائم سياسية؟
وعن احتمال أن تدعم الهيئة قائمة بعينها أو أن تنبثق عنها قوة سياسية جديدة، قال حميدان: «الهيئة، في وضعها الحالي، إطار تنسيقي وطني وليست حزباً سياسياً أو قائمة انتخابية، ولا أستطيع أن أجيب عن احتمالات مستقبلية باعتبارها قراراً متخذاً». وأوضح أن الهيئة تتواصل مع مختلف القوى والشخصيات بحكم وظيفتها التنسيقية، لكنه شدد على أن «هذا التواصل لا يعني أننا بصدد تشكيل تحالف انتخابي أو قائمة انتخابية». وأضاف: «إذا توصلت القوى والشخصيات الموجودة على الأرض إلى توافق حول المشاركة، فمن الطبيعي أن تكون الهيئة خلف هذا التوافق وداعمة له، أما مسألة دعم قوائم أو مرشحين بعينهم فتحتاج إلى قرار وتوافق داخل الهيئة نفسها، ولا ينبغي استباق ذلك».
ويختصر حميدان الهدف الأوسع للهيئة بإعادة الشعب الفلسطيني إلى موقعه بوصفه مصدر الشرعية، قائلاً: «لا نريد أن يكون الإصلاح مجرد تغيير أسماء أو إعادة توزيع للمقاعد. المطلوب إصلاح حقيقي يعيد بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته، ويوسع المشاركة السياسية، ويجعل المؤسسات التمثيلية تعكس إرادة الفلسطينيين في الوطن والشتات».