العراق: دولة الميليشيات!


لم تكن دولة الميليشيات في العراق نتاجا عرضيا لتلاعب الفاعل السياسي الشيعي بفتوى «الجهاد الكفائي» التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني في حزيران 2014 بعد سيطرة تنظيم الدولة على الموصل، واستخدام هذه الفتوى لشرعنة ميليشيات عقائدية كانت قائمة بالفعل، واعادة إنتاج أخرى. وقد فرضت هذه الميليشيات نفسها بديلا عن فكرة «التطوع للانخراط في القوات الأمنية» التي نصت عليها الفتوى! وقد تعمد هؤلاء إفشال كل المحاولات التي قام بها السيد السيستاني، لاحقا، لمنع تحريف فتواه؛ حيث استخدم هو نفسه وصف «الميليشيات» عندما أكد في إحدى خطب الجمعة بأن فتواه إنما كانت «للانخراط في القوات الأمنية الرسمية وليس تشكيل ميليشيات مسلحة خارج إطار القانون»، لكن لا أحد من مقلديه «المفترضين» التزم بذلك!
بعد الاحتلال الأمريكي، شكل «التيار الصدري» ظاهرة حقيقية، حيث اعتقد الجميع أن الظاهرة الصدرية التي برزت في تسعينيات القرن الماضي حول محمد صادق الصدر، قد انتهت تماما بعد اغتياله في شباط/ فبراير 1999، والحملة الشرسة التي شنت ضد أتباعه بعد ذلك.
وكان إعلان مقتدى الصدر عن تشكيل ميليشيا «جيش المهدي» بتاريخ 18 تموز/ يوليو 2003، لحظة حاسمة في إحياء هذه الظاهرة، خاصة بعد المواجهات مع القوات الأمريكية في أبريل/ نيسان 2004 التي وصلت ذروتها في معركة النجف في آب/ أغسطس من العام نفسه، والتي انتهت بهزيمة غير معلنة، وهدنة رعاها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني نفسه.
لكن الحضور الأكثر جدلا لميليشيا «جيش المهدي» كان في أعقاب الحرب الأهلية، بعد تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء بتاريخ شباط/ فبراير 2006؛ حين استخدم الفاعل السياسي الشيعي هذه الميليشيا في عمليات التصفية الطائفية، والتغيير الديمغرافي، في بغداد تحديدا، بتواطؤ صريح من القوات العسكرية والأمنية! ثم في المواجهة مع القوات العسكرية والأمنية بعد ذلك التي وصلت ذروتها في معارك كربلاء في آب/ أغسطس 2007، في سياق صراع النفوذ مع رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي، والتي انتهت بإعلان مقتدى الصدر «وقف» نشاطات جيش المهدي في 29 أغسطس/آب 2007، بما فيها الهجمات على قوات الاحتلال، لمدة ستة أشهر، تم تمديدها لستة أشهر أخرى في فبراير/شباط 2008. ثم المواجهة الثانية مع الدولة في عملية «صولة الفرسان» في آذار/ مارس 2008 التي امتدت إلى مدينة الصدر في بغداد نفسها، وانتهت بإعلان تجميد جيش المهدي «إلى أجل غير مسمى» في 28 أغسطس/آب 2008.
لكن مقتدى الصدر فاجأ الجمع، كالعادة، بإعلان تشكيل ميليشيا مسلحة بعنوان «اليوم الموعود» التي لم تكن سوى تنويع على اسم جيش المهدي، وعنوانا شكليا فقط، ولم يتجاوز حدود الاستعراضات العسكرية العلنية، بتواطؤ من الدولة ومؤسساتها وأجهزتها طبعا، وقد ظل هذا الفعل في حدود التهديدات المؤجلة (التي لم تنفذ مطلقا) بقتال الأمريكيين في حال بقائهم في العراق، أو في حال عدم التزامهم بمعاهدة الانسحاب، أو في حال عودتهم إلى العراق بأي شكل من الأشكال!
لكن مقتدى الصدر أعلن في بيان صدر يوم 11 حزيران/ يونيو 2014، أي بعد يومين من سيطرة تنظيم الدولة على الموصل، وقبل يوم واحد من فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها السيد علي السيستاني! عن تشكيل ميليشيا «سرايا السلام» للدفاع كما قال عن «المراقد المقدسة والمساجد والحسينيات والكنائس، بالتنسيق مع الجهات الحكومية»! وبسبب طبيعة العلاقة مع نوري المالكي، رئيس مجلس الوزراء حينها، وطبيعة العلاقة مع بقية الميليشيات الشيعية، أعطي الصدر لسرايا السلام واجب وحيد، هو السيطرة على مدينة سامراء، التي لم يدخلها تنظيم الدولة من الأصل، ولم يسمح لها بأي دور قتالي حقيقي في سياق الحرب مع تنظيم الدولة!

الخطورة لوجود هذه الفصائل، كان السماح لها بالعمل السياسي، وتشكيل أحزاب استطاعت، بفضل السلاح والمال، من الحصول على أكثر من 90 مقعدا

كما هو معروف ظلت الميليشيات، التي أُطلق عليها اسم «الحشد الشعبي»، تعمل دون إطار قانوني خلال سنوات 2014 و 2015 و 2016، إلى أن شرع البرلمان العراقي قانونا مهلهلا بعنوان «قانون هيئة الحشد الشعبي» نهاية تشرين الثاني/ توفمبر 2016، ونصت المادة أولا/ 5 منه على أن «يتم فك ارتباط منتسبي هيئة الحشد الشعبي الذين ينضمون إلى هذا التشكيل عن كافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، ولا يسمح لها بالعمل السياسي في صفوفه»، لكن لا أحد في العراق تعامل مع هذه المادة القانونية بجدية، بما فيها سلطات الدولة نفسها! فقد بقيت الميليشيات التي انضوت تحت هذه الهيئة، ترتبط بشكل مباشر ومعلن، بأطرها السياسية والحزبية والاجتماعية، طوال السنوات العشر منذ إقرار القانون، ولم يتغير شيء في ارتباطاتها تلك سوى تسميتها هذه بالألوية، ومنحها أرقاما، مع علم الجميع بأن كل لواء تابع لميليشيا محددة! وأن هذه الفصائل لا تعترف أصلا بأوامر القائد العام للقوات المسلحة كما يقرر القانون، وقد قلنا يومها إن الغرض الحقيقي من هذا القانون لم يكن ضبط أو تقنين عمل هذه الميليشيات، بل شرعنتها فقط.
لكن الخطورة الحقيقية لوجود هذه الفصائل، كان السماح لها بالعمل السياسي، وتشكيل أحزاب استطاعت، بفضل السلاح والمال، من الحصول على أكثر من 90 مقعدا في مجلس النواب الحالي، رغم أن التيار الصدر لم يشارك في هذه الانتخابات من الأصل، وفي حال مشاركته في أي انتخابات مقبلة، فهذا يعني أن الميليشيات في العراق ستسيطر على نصف مقاعد مجلس النواب عمليا!
أعلن مقتدى الصدر قبل يومين عن «فك ارتباط سرايا السلام عن التيار الشيعي الوطني انفكاكا تاما، والتحاقهم بالدولة وبالمسؤول العام عن التشكيلات المسلحة»! وطالب في الوقت نفسه «تشكيلات الحشد أن تنفصل عن الأوامر الحزبية والطائفية ولا سيما بعد أن تسلم سلاحها إلى الدولة»! بعدها مباشرة أصدر رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بيانا ثمن فيه قرار «التحاق تشكيلات سرايا السلام بالدولة ووضعها تحت بإمرة القائد العام للقوات المسلحة» ورغم أنه ليس ثمة عاقل سيصدق «فك الارتباط» هذا، بسبب الحمولة العقائدية التي تربط بين المنتسبين ولمقتدى الصدر، إلا أن لا أحد التفت إلى الكوارث التي يحملها البيانان، حيث يعترف الصدر بأنه على مدى 10 سنوات من وجود هذه الميليشيات التي تُمول من المال العام، لكنها لم تكن «ملحقة بالدولة» وليست «بإمرة القائد العام للقوات المسلحة»!
لقد رددت شخصيا هذه الحقيقة لسنوات، في مقابل تصدير سيول من الأكاذيب المنهجية، وعلى أعلى المستويات، عن ارتباط هذه الميليشيات بالدولة، وعن «التزامها «بأوامر القائد العام للقوات المسلحة»، والمشكلة أن المجتمع الدولي نفسه تواطأ مع هذه الأكذوبة لسنوات، مع يقينه التام أنها فصائل عقائدية/ طائفية وتشكل دولة موازية للدولة!
في العراق، وبعيدا عن القرار الأمريكي بهذا الشأن، ليست الدولة هي من يقرر تفكيك الميليشيات، وليست الدولة هي من تفرض سلطتها/ أوامرها، وليست الدولة هي من تضمن احتكارها للعنف/ السلاح، بل دولة الميليشيات هي من تقرر ذلك، وما دامت هي صاحبة القرار، فهذا يعني، حكما، أنها يمكن أن تقرر عكس كل ما ذُكر، متى شاءت، أي أن تعيد ارتباط تلك الميليشيات بزعمائها، وتخضعها لأوامرهم وحدهم، لهذا كله دولة الميليشيات باقية وتتمدد!
٭ كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *