العراق + الرياضيات: معادلات الحب والسياسة


«هل أصابتني عدوى تساؤلاته الكثيرة؟»، تتساءل هيفاء زنكنة في مقدمة كتابها «العراق + الرياضيات = سيرة الأكاديمي منذر الأعظمي».
يكتسب هذا السؤال أهميته الشديدة لمن كان مثلي يلتقي الأعظمي، ومعه زوجته الروائية والمؤلفة والرسامة هيفاء، عدة مرات في السنة الواحدة، فيستغرب من قدرته الكبيرة على الحفر الدؤوب في عمق الأسئلة.
لم تكن أكثر أسئلة منذر فتكا تتمحور حول ألغاز الماوراء والوجود والعدم، بل حول قضايا تبدأ بسيطة ثم تتدرّج صعودا لتنخرط في كل شأن عام وخاص.
ما هو الحب؟ يسأل منذر هيفاء فتقول: لم أجبه يومها. كنت مشغولة بمصير البطلة، أو بأسئلة السياسة التي يطرحها بإلحاح حين نجتمع، رغم كونه ضالعا فيها بقوة، مثل: لماذا تتدهور أمور العراق، رغم سقوط حكم الاستبداد البعثي، لماذا لا يتوحد الإسلاميون والعلمانيون والقوميون على قضايا واقعية مشتركة، بدل صراعهم الوجودي، وهكذا…
تعيد زنكنة سؤال الأعظمي حول الحب لتعيد تشكيل لقائهما وشعورها
بـ: «الإحساس الغامض، المجهول، الساحر، غير المنطقي، الذي جعلني أشعر، منذ لقائنا الأول، صدفة، في مظاهرة، في لندن، عام 1988، ومن ثم اللقاء الثاني (صدفة أيضا) في بيت سياسي معروف، وكنت الوحيد الذي أيد رأيي عن الحرب العراقية الإيرانية، بأنك من أريد قضاء عمري معه حبيبا وصديقا وزوجا ورفيقا». من تعريفها للحب فتربطه بـ»نقاشاتنا المستمرة عن كل شيء، عن أنفسنا وعن كل ما يدور حولنا»، و»ما واصلنا حمله معا عبر السنين؛ وجع العراق، وفلسطين، وأحلامنا بالحرية، وتشبثنا بكرامة الإنسان، أينما كان». أعتقد أن شغف منذر وهيفاء وأسئلتهما، وحياتهما، وأنشطتهما اللائبة في كل اتجاه، شغف من يعرفهما، بل إن كاتبة بريطانية، تدعى اليز فالموربيدا، لكتابة فصل عنهما في «كتاب النهايات السعيدة» الصادر في 2007.

ألغاز الحياة على مناديل ورقية!

تتعرّض هيفاء إلى جانب رئيس في شخصية منذر وهو الرياضيات. كانت المعادلات الرياضية، كما تقول، ترافقها وهي ترتب أوراقه فتحدّق في مئات القصاصات الورقية الصغيرة، وحتى المناديل الورقية التي كان «يخربش عليها عند جلوسه في مقهى أو مطعم حين لا يجد ورقة»، وكلها تزدحم بالمعادلات. كان ذلك أيضا جزء من محاولاته لحل ألغاز الحياة.
لم تكن الرياضيات، كما تكشف شخصية الأعظمي، مبحثا آخر في «معادلات تجريدية»، بل كان مقصدها الاستثمار في العالم الحقيقي، خصوصا تطوير القدرات الذهنية للأطفال وتنمية الذكاء. تستشهد هيفاء برثاء كتبته مارغريت براون، العميدة السابقة لجامعة «كينغز كوليدج للتعليم»، في صحيفة «الغارديان» يلخّص هذا المعطى: «كان زميلي وصديقي منذر الأعظمي، رائدا في مجال تعليم الرياضيات وناشطا سياسيا، كان ناشطا فكريا، يحاول بلا كلل فهم العالم وينخرط في نشاطات لتحسينه».
عمل منذر مع براون في برنامج «التقييم المتدرج في الرياضيات»، الذي أصدر 11 مجلدا «يجمع بين النظرية والتطبيق»، وكان الباحث الرئيسي لبرنامج «التسريع الفكري عبر الرياضيات»، الذي أصدر مجلدات تعليمية، اعتمدت رسميا من قبل وزارة التربية البريطانية، كما كان مديرا لـ»هيئة التنمية الفكرية» وهي مؤسسة خيرية بريطانية تهدف للاستثمار الكامل للإمكانات المعرفية لدى التلاميذ.
تشير زنكنة الى محاولاتهما نقل تجربة النجاح التي حققها الأعظمي على مدى عقدين إلى البلدان العربية ومنها فلسطين وتونس. «الطريق لم يكن سالكا». قام فريق عمل منذر بإدخال المنهج في التعليم الفلسطيني، وتمكن منذر من إقناع زملاء بريطانيين له بالذهاب إلى تونس، «غير أن اهتمام المعلمين وأهالي التلاميذ بالنتائج السريعة لم يساعد على استمرار المشروع». كما عمل عام 2021 بمشروع تعليمي موجه لجنوب افريقيا.

المشكلة أننا لا نعترف أننا لا نعرف!

يحاول الكتاب أن يجيب عما يمكننا أن نسميه «مسألة منذر»، التي تستعيد، بأشكال شتى، حيرة جلجامش وحمورابي مرورا بالفلاسفة والمتصوفين وعقلاء السياسة ومجانينها. تستعيد زنكنة هنا سيرة الأعظمي كإنسان، كأكاديمي، وكعراقي، وتقدم مكتبة الأعظمي نافذة على هذه السيرة عبر عرض اهتماماته الواسعة، من التاريخ، إلى الجغرافيا، ومن السياسة والأدب الى علم نفس التربية والتعليم والمجتمع، ومن فهم القرآن و»القبيلة الثالثة عشرة» إلى «الفكر واللغة»، ومن «تهافت التهافت» وقصائد ويليام بليك إلى «الشخصية المحمدية». لقد جعله شغفه وفضوله الفكري «يتساءل في كل المجالات» عن أصل الأشياء، كما على إيجاد السبل، «لكي يسترد العراق عافيته»، فكان أقرب ما يكون إلى النهضويين في اهتماماته المتعددة من ترجمة الشعر والكتابة الصحافية إلى الموسيقى والمسرح والرسم.
تعود زنكنة، في مباحث الأعظمي المتعددة، مجددا إلى الفضول الطفولي الأول، المستعاد، بعد أن يضمر ويختفي بالتقدم في العمر. كان اليقينيون، والعارفون بكل شيء، بهذا المعنى، خصومه، وكان ينفجر غضبا أثناء اجتماعات سياسية، أو مكالمات هاتفية مع سياسيين عرب وعراقيين قائلا، «نحن لا نفهم كيف»، و»المشكلة أننا قلما نعترف بأننا لا نعرف»!
يظهر هذا في تركيزه في إعداد دروسه على تشجيع الفضول، وعدم إلحاق الضرر بما كان يسميه «التوليفة الطفولية المذهلة المكونة من التعجب والتساؤل والدهشة»، وكانت عندما يصل إلى أجوبة يرفقها بأدلة عليها، فسيرورة التوصل إلى الجواب بأهمية الجواب، وهو ما كان يظهر في تصميم دروس الرياضيات النموذجية للأطفال، وفي برنامج «لنفكر» لتنمية الذكاء. من التدرّج في الرياضيات انتقل منذر، وبشكل طبيعي، إلى السياسة لصياغة برنامج بعنوان «التدرج في المساهمة الديمقراطية»، يركز فيه على مجالات الخدمات التي يمكن لمؤسسات المجتمع المدني تقديمها في ما أطلق عليه مصطلح «الاستثمار الاجتماعي»، وكان سؤاله الأبرز حينها: «من يعلّم المعلمين»، وهل بإمكانهم نقل قيم لم يتربوا هم أنفسهم عليها إلى طلابهم؟

هل تنطبق الرياضيات على الآخرة؟

لم يكن فضول الأعظمي يقتصر على قضايا الرياضيات والسياسة والاهتمامات العلمية الواسعة (بينها شغله في أمريكا على نمذجة البرامج الكومبيوترية)، بل يمتد، طبيعيا، إلى التفاصيل الصغيرة التي تشكّل الحياة اليومية، فلم تفلت حديقة بيته الصغيرة، على حد قول هيفاء، من اهتمامه ضمن مقولة «خلينا نجرب»، فتحولت الحديقة إلى مأوى للسناجب والطيور والعصافير، بالإضافة إلى ثعلب يزورهم ليلا، كما جعلها مختبرا لآخر المستجدات التقنية الجامعة بين التربة وأشعة الشمس والماء، فباتت لديهم أشجار تين وأجاص وتفاح وزيتون وعريشة عنب.
تستعيد زنكنة كتابات قديمة لمنذر الشاب، الذي بدأ نشاطا سياسيا مبكرة عضوا في الحزب الشيوعي، الذي كتب في جريدته «اتحاد الشعب»، كما وثق لاحقا، حين صار في بريطانيا، النشاطات السياسية للطلاب العرب، فكان من مؤسسي «لجنة الدفاع عن الشعب العراقي» بالاشتراك مع مؤسسة راسل، ثم «التجمع الثوري العراقي» عام 1969، و»حركة 14 تموز الديمقراطية»، وتعتبر مراسلاته مع قيادة الشيوعي ـ جناح القيادة المركزية، التي استخدم فيها المتراسلون أسماء حزبية سرية، جزءا من التاريخ السياسي العراقي.
تشير هيفاء إلى جانب من شخصية الأعظمي السياسية الفريدة، بالحديث عن خلافه مع قوى اليسار وتحميلهم مسؤولية إحداث القطيعة المجتمعية مع الأهل من خلال تبني وممارسة القطيعة مع التراث والتقاليد والدين، محيلا الصدامات الجارية في المجتمعات العربية إلى تلك القطيعة، فـ»ثقافة المجتمع لا تتغير في جيل أو جيلين أو ثلاثة، من دون محرك داخلي يشمل الناس بأغلبيتهم»، ما فعلناه، حسب قوله، «هو التدمير بافتراض أن ما سيأتي سيكون أفضل».
بشكل شديد الصفاء والعمق، أمسك المهندس التونسي مالك كزدغلي، في كلمة ألقيت في أمسية احتفال بذكرى الأعظمي، صفات الأكاديمي الراحل، فخاطبه قائلا: «لم تمت. كل ما في الأمر أنك فضولي بشأن الموت، كما كنت حول مئات الأشياء. كيف هي حياتك الجديدة؟ أراهن أنك تسأل الكثير من الأسئلة. هل تحصل على إجابات؟ هل حللت لغز الحياة؟ هل تنطبق الرياضيات على الحياة الآخرة أم أن لها صيغا ونظريات أخرى؟».

 كاتب من أسرة «القدس العربي»



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *