العراق: أزمة التمثيل السني!


منذ سنوات وأنا أكتب عن أزمة التمثيل السني في العراق، وهي أزمة بدأت حتى قبل احتلال العراق عام 2003، وذلك حين أدرك الأمريكيون، في سياق تحضيراتهم للاحتلال، أنه لا وجود لقوى معارضة سنية حقيقية، وأن الوجود السني في جماعات المعارضة، تحديدا حركتي الوفاق والمؤتمر الوطني، هو وجود هامشي، مما اضطرهم، في البداية إلى «صناعة» معارضة سنية أطلقوا عليها «الحركة الملكية الدستورية»! ثم حاولوا إقناع الأخوان المسلمين لحضور مؤتمر لندن لمعالجة هذا النقص في التمثيل، وبالفعل حضر ممثلون عنهم في الفندق الذي عقد فيه المؤتمر، وإن لم يعلنوا مشاركتهم فيه رسميا (لايزال الإخوان/ الحزب الإسلامي ينكرون حضور ممثلين عنهم لهذا المؤتمر مع أن «لجنة المتابعة والتنسيق» التي شكلها المؤتمر ضمت أياد السامرائي وحاجم الحسني)!
بعد الاحتلال، استمرت هذه المعضلة، فلم يجد الأمريكيون سوى الإخوان المسلمين/ الحزب الإسلامي، لتمثيل السنة في مجلس الحكم رغم أن عدد أعضاء الحزب الفعلي، حينها، لم يكن يتجاوز بضع مئات على أفضل تقدير. واضطروا لاختيار أربع شخصيات سنية أخرى ليس لديها أي وجود أو تأثير لاستكمال هذا التمثيل، واختفوا تماما بعد نهاية مجلس الحكم!
عام 2005 واجه الأمريكيون المشكلة نفسها عند تشكيل الحكومة الانتقالية التي ترأسها ابراهيم الجعفري، وعند تشكيل لجنة كتابة الدستور، بسبب مقاطعة القوى السنية، شبه الشاملة، لانتخابات الجمعية الوطنية، وتدخل الأمريكيون، مرة أخرى، لمعالجة أزمة التمثيل السني هذه، عبر منح الوزارات السنية لسبع شخصيات ليس لديها أي حضور سياسي (باستثناء حاجم الحسني الذي انشق شكليا عن الحزب الإسلامي)، وعبر إقحام شخصيات سنية ضمن لجنة كتابة الدستور بطريقة اعتباطية (اشترط قانون إدارة الدولة أن يكون أعضاء لجنة كتابة الدستور منتخبين)!
وكان نجاح القائمة العراقية في انتخابات 2010، (بالرغم من فشلها المبكر، ونجاح المالكي في إحداث انشقاقات داخلها، وعجزها عن الحفاظ على وحدتها؛ عندما فشلت القائمة في جمع تواقيع أعضائها من أجل سحب الثقة عن المالكي بمثابة إعلان عن نهايتها) أجبر الفاعلين السياسيين الشيعة على التفكير بمنع تكرار تجربتها مستقبلا، حيث عمدوا إلى «صناعة» شخصيات هامشية كانت جزءا من القائمة العراقية، وتبني شخصيات جديدة، لغرض انهاء أي معارضة سنية حقيقية ترفض طريقة إدارة الحكم في العراق، وأيضا «صناعة» ممثلين سنة يقبلون بدور «التابع» من جهة، في مقابل «إزاحة» كل الممثلين السنة الذين ظهروا بعد عام 2003، من خلال فبركة الاتهامات، وإصدار مذكرات إلقاء قبض مسيسة، ضدهم، أودفعهم إلى النفي القسري (بداية من الدكتور عدنان الدليمي، مرورا بطارق الهاشمي ورافع العيساوي، وليس انتهاء بأحمد العلواني).
وبالفعل نجحت هذه الاستراتيجية، بسبب سيطرة الفاعلين السياسيين الشيعة المطلقة على الدولة ومؤسساتها وأجهزتها (بشكل خاص هيئة المساءلة والعدالة، والمفوضية العليا «غير المستقلة» للانتخابات، ومؤسسة القضاء أيضا)، في إحلال ممثلين «مصنعين»، محل هؤلاء، بداية من انتخابات عام 2014، عبر تمكينهم من أدوات الدولة لرشوة الجمهور السني، وعبر التزوير المؤسسي والمنهجي (في انتخابات عام 2014، مثلا فاز المرشح الدكتور ناجح الميزان، وأعلنت المفوضية فوزه رسميا، ثم استبدل قبل أدائه اليمين الدستورية دون معرفة سبب هذا الاستبدال)!
كل ذلك أنهى محاولات صناعة هوية سياسية سنية، في سياق حرب الهويات المسيسة التي سيطرت على المجال العام في العراق بعد 2003. لكن لا بد من القول إن جزءا من هذا الفشل تتحمله القوى السياسية السنية نفسها التي ظلت مشتتة بين هويتها الوطنية التي تشكلت على مدى عقود، وبين هويتها الفرعية المستحدثة في مواجهة الهويتين الشيعية والكردية اللتين صنعتا سرديتهما الخاصة منذ وقت ليس بالقصير (بدأت الهوية السياسية الكردية بالتشكل في نهاية الأربعينيات، فيما تشكلت الهوية السياسية الشيعية بداية من التسعينيات)، حيث انتهى بهم الأمر إلى طبقة سياسية «مدجنة» وممثلين سنة مخصيين رمزيا لكل منهم عراب من الفاعلين السياسيين، وغير السياسيين، الشيعة! في مقابل السماح لهم بالاستثمار في المال العام، وتمكينهم من استخدام أدوات الدولة لصناعة شبكات وجمهور زبائني خاص بهم (عبر سياسة التوظيف، واستخدام المال السياسي لرشوة الجمهور، والتزوير المؤسسي)!

 لا يمكن لنظام الحكم في العراق أن يستقر في سياق الاحتكار المطلق للفاعلين السياسيين الشيعة للسلطة والدولة والسلاح

وقد تفاقم الأمر بعد الحرب على داعش، وأزمة الاستفتاء على تقرير المصير الذي جرى في إقليم كردستان في أيلول/ سبتمبر 2017، فقد توهم الفاعلون السياسيون الشيعة أن علاقات القوة قد حسمت لصالحهم، وبشكل نهائي، مع وجود موقف أمريكي متواطئ (إدارة أوباما كانت واعية تماما بأن داعش هي نتيجة مباشرة للسياسات التمييزية والطائفية للمالكي والفاعل السياسي الشيعي ولكن ضغط داعش أجبرها على هذا التواطؤ). وبعد العقوبات التي طالت إقليم كردستان بسبب الاستفتاء، وهو ما دفع بهؤلاء للانقلاب على المبادئ التي تشكل بموجبها النظام السياسي في العراق ككل بعد العام 2003، والعمل على احتكار السلطة والدولة بالكامل (بدابة من عام 2014 لم يعد اختيار رئيس مجلس النواب «السني» قرارا سنيا، وبداية من العام 2018 احتكر الفاعلون السياسيون الشيعة قرار تسمية رئيس الجمهورية «الكردي» بل أصبح قرارا يحتكره الفاعل السياسي الشيعي أيضا)!
لذلك شاهدنا على مدى السنوات التي تلت الاستفتاء، محاولات منهجية لتقويض النظام الفيدرالي للإقليم عبر القرارات المسيسة للمحكمة الاتحادية. ومحاولات أخرى للتحكم بمخرجات التمثيل السني بشكل كامل، بل وسعي بعض القوى السياسية الشيعية لتشكيل قوائم انتخابية سنية، وتمكينها من الحصول على مقاعد سنية شكليا، ولكنها تمثل تلك القوى الشيعية عمليا! وكانت لحظة الإطاحة برئيس مجلس النواب «محمد الحلبوسي» المشهد الأكثر رمزية في هذا السياق؛ فالرجل كان من «صناعة» الفاعل السياسي الشيعي، تحديدا أبو مهدي المهندس الذي كان يمثل الذراع اليمنى لقاسم سليماني في العراق، وهما من أوصله إلى رئاسة مجلس النواب في العام 2018، ولكنه عندما ذهب إلى التحالف الثلاثي مع الصدريين والحزب الديمقراطي الكردستاني، اعتُبر ذلك تمردا على من صنعه منذ البداية، لذلك أطاحوا به، عبر قرار مسيس اتخذته المحكمة الاتحادية، مما اضطره لمحاولة إثبات طاعته من جديد حيث سُمح له بالعودة إلى ممارسة العمل السياسي مرة أخرى بقرار مسيس آخر من القضاء، لكن دون أن يسمح له بالعودة إلى رئاسة مجلس النواب هذه المرة!
لا يمكن لنظام الحكم في العراق أن يستقر في سياق الاحتكار المطلق للفاعلين السياسيين الشيعة للسلطة والدولة والسلاح، ولا يمكن لوهم «الحاكمية الشيعية» أن يستمر إلا في مخيال صانعيه، من هنا يمكن أن نفهم الحراك السياسي السني الأخير من أجل إعادة طرح مشكلة الحكم في العراق مجددا، وإعادة التذكير بطبيعة المشكلة السنية القائمة، والأهم التأكيد على حقيقة أن درس داعش لم يتعلمه أحد، بدليل أن المقدمات التي أنتجت داعش قد تفاقمت أكثر اليوم في سياق «أوهام القوة»!
٭ كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *