العبقرية وجرح السيرة… ضدّ الأسطورة النقية


في السِّيَر الكلاسيكية للفنانين الكبار، كثيرا ما تقدم العبقرية بوصفها معجزة جمالية خالصة، كأنها وهج يسطع فجأة في لوحة مفصلية، أو في اختراع أسلوبي حاسم، أو في «اكتشاف» تقني يغيّر مجرى تاريخ الفن. هذه السردية التي يمكن تتبّع جذورها منذ كتابات دانييل هنري كانفايلر عن التكعيبية وبيكاسو وبراك، مرورا بالسير الضخمة عن الفنانين العظام، تميل إلى تنقية العمل الفني من فوضى السيرة، وإلى تحويل الفنان إلى رمز تاريخي منزّه أكثر منه جسدا حيّا محاطا بالغضب والذنب والمرض والخيانة واليأس.
غير أن تتبّع التفاصيل الدقيقة لحياة بابلو بيكاسو يكشف عن شيء مختلف جذريا، شبكة كثيفة من العلاقات العاطفية المتشابكة، الخيانات المتكرّرة، الانهيارات النفسية، والاقترابات المتتالية من تجربة الموت (موت الأخت، انتحار الأصدقاء، الحرب الأهلية الإسبانية)، تتقاطع مع تحوّلاته الأسلوبية، كما لو أن كل مرحلة تشكيلية كانت، في العمق استجابة حسّية لاواعية لجرح شخصي، أو محاولة لتعويض خسارة لا يمكن استردادها.
في هذا الأفق، تكتسب أطروحة «متلازمة الأسلاف» أهمية خاصة، فهي تلمّح إلى أن الإبداع يمكن أن يعمل بوصفه آلية تدوين عميق للصدمة العابرة للأجيال، وأن الصورة قد تكون في أحد أوجهها، شكلا من أشكال ترميز الألم خارج الوعي المباشر، لذلك لا يعود ممكنا قراءة الجورنيكا، مثلا، كتحفة سياسية ضد الفرانكفونية وحسب، أو قراءة المرحلة الزرقاء كبحث لوني في الحزن، بل يصبح من الضروري أن نرى كيف يتسلّل الذنب والخيانة والعجز عن الوفاء للآخر، إلى النسيج الداخلي للوحة نفسها. هنا تتقاطع التحليلات الأخلاقية والنفسية مع النظرية الفنية في قراءاتها للمراحل المختلفة عند بيكاسو، حيث لا يمكن فصل المرحلة الزرقاء، والنبرة اللونية الكئيبة عن سياق الفقد والخذلان والانتحار.لذلك لا يمكن أن تكتب سيرة بيكاسو مستعرضة تاريخ عبقرية هذا الفنان وحسب، بل علينا أن نسلط الضوء أيضا على ملفات حسّاسة في شخصيته، وعن العلاقة بين الجمال من جهة، و دوره في العنف العاطفي والأخلاقي من جهة أخرى، وهي أسئلة لم يلامسها النقد، أو بدت خجولة في ملامسته لها كوثيقة أخلاقية عند الحديث عن صورة الفنان ودوره الكبير في الحداثة.

مثّل موت الأخت الصغرى كونشيتا منعطفا حاسما في طفولة بيكاسو. الطفل الذي يرى أخته ترقد مريضة، فيحاول أن يبرم صفقة مع الرب، تتلخص في أن يتخلى له عن موهبته في مقابل إنقاذها. تموت الطفلة، وتبقى اللوحة التي رسمها الطفل ابن الثانية عشرة من عمره لأخته لحظة احتضارها، وكذلك الذكرى المؤلمة لهذا الفقدان كجرحٍ لا يلتئم، سيبقى عالقا مع سلسلة أخرى من الفقدانات في سيرة بيكاسو، بل يزرع في وعي الفنان رابطا لا ينفصم بين الفن كتعويض مستحيل عن الفقدان، والفن كمساومة خاسرة مع القدر، حينها لا يعود الرسم مجرّد مهارة أكاديمية، بل يتحوّل إلى شكل من أشكال الدَين غير القابل للسداد.

هل الأزرق تعاطف مع الآخر، أم هو تعاطف مع الذات أولا؟ وهل يمكن فصل العمق التعبيري عن بنية نرجسية تحكم السيرة برمتها؟ تكشف فضيحة سرقة «الموناليزا» عام 1911 وجها آخر لهذا التمركز حول الذات في سيرة بيكاسو، بل الخيانة في قلب الصداقة.

لاحقا حين ينتحر صديقه المقرب كارلوس كازاخِماس، بسبب مأساة عاطفية، تتكثف هذه العلاقة بين الفن والموت في ما سيُعرف بالمرحلة الزرقاء. الأجساد المنكسرة، الانحناءات الحزينة، النساء والرجال الواقفون على الحافة،الأذرع المتشابكة في وحدة باردة، كل ذلك يصنع ما سماه فيرنر شبايس «دراما الأزرق». لكن ما يثقل هذه المرحلة أخلاقيا هو أن بيكاسو نفسه لا يتردّد، حسب أكثر من مصدر في إقامة علاقة مع المرأة ذاتها التي انتحر صديقه من أجلها. هكذا يتبدّى تنافر صارخ بين «الحزن الأزرق» في اللوحات والسلوك الواقعي القاسي، ليفتح سؤالا مؤلما حول قدرة الفن على تمثيل الألم بعمق، في الوقت الذي لا ينتج حسا أخلاقيا موازيا في الحياة اليومية فتمثيل الألم قد يتحول إلى نوع من الاستهلاك الجمالي للألم، من دون أن يعني ذلك التزاما فعليا تجاه الضحايا.
في حالة بيكاسو يصبح السؤال أكثر حدّة :
هل الأزرق تعاطف مع الآخر، أم هو تعاطف مع الذات أولا؟ وهل يمكن فصل العمق التعبيري عن بنية نرجسية تحكم السيرة برمتها؟ تكشف فضيحة سرقة «الموناليزا» عام 1911 وجها آخر لهذا التمركز حول الذات في سيرة بيكاسو، بل الخيانة في قلب الصداقة. هذه المرة في علاقته بالشاعر غيّوم أبولينير، أحد أهم الأصوات الشعرية في فرنسا وأشد المدافعين عن بيكاسو في النقد المبكر. اشترى بيكاسو وأبولينير، في وقت سابق منحوتات صغيرة مسروقة من اللوفر من الشخص ذاته الذي سيسرق لاحقا «الموناليزا»، وحين تنكشف السرقة، ويتدخل رجال الشرطة، يقرّر الاثنان التخلص من التماثيل، لكنهما يترددان في رميها في نهر السين، لأن ذلك الفعل قد يقود إلى سجنهما وطردهما من فرنسا نهائيا، بيكاسو من أصول إسبانية وأبولينير بولندية/ إيطالية. في التحقيق يتراجع بيكاسو ويتنصل صديقه، بل يلقي عليه المسؤولية في مشهد موثق أدى إلى اعتقال أبولينير وإذلاله علنا قبل الإفراج عنه لاحقا. تنكسر الصداقة، وتنتهي واحدة من أغنى العلاقات الفنية/ الإنسانية في حياة بيكاسو.
قد تُقرأ هذه الحادثة على أنها أدرجت كسطر عابر في الهامش، بوصفها تفصيلا صغيرا في سيرة ضخمة، لكن إذا وضعت عدسة أخلاقية فإنها تغدو لحظة كاشفة إلى أي حد يمكن لبيكاسو التضحية بأصدقائه حفاظا على صورته وموقعه؟ وكيف تعمل الذات الفنية بوصفها ذاتا متمركزة حول نفسها، ترى في الآخر عنصرا قابلا للاستبدال. يُفهم الفنان في الحداثة أحيانًا كذات عُليا تستثمر في النساء والأصدقاء، والمجتمعات بوصفهم مواد خام لمغامرتها الجمالية. في أفق مواز، يمكن استدعاء فكرة النقد المزدوج عند عبد الكبير الخطيبي لمساءلة السرديات الأوروبية التي تُنقّي الفنان من تاريخه العنيف، وتضعه في مقام «النبي الجمالي»، الذي لا يُحاسب. وفي أفق عربي أيضا لفت شاكر حسن آل سعيد في بعض نصوصه عن الحداثة والتجريد، إلى هذا البعد الحواري في تكوين التجارب الغربية، وإلى إعادة التفكير في مفهوم «العبقرية المنعزلة»، التي يكرسها التأريخ الرسمي.

شاعر وفنان عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *