العالم يعرف الفلسطيني مقتولاً من الصهيوني ولم يسأله أحد كيف يحب أن يعيش


نَجَحَت في فتح مساحة لصوت فلسطين عبر الفضاء الافتراضي باللغة الإنكليزية

بيروت ـ «القدس العربي»: بين فرح النجاة وحزن البقاء غادرت الصحافية بلستيا العقّاد قطاع غزّة مع عائلتها، بعد أن أمضت ما يقارب الشهر ونصف الشهر وسط الإبادة التي بدأت في الثامن من اكتوبر 2023. شهر ونصف شكّلا في حياتها المهنية الطرية العود إلى جانب زميليها حاتم ومحمد تجربة كبيرة ومهمة، ستبقى ماثلة أمامها طوال مسيرتها الصحافية. ومن هذه التجربة ستنطلق إلى عالم أوسع تحكي فيه عن وطنها المستباح بأرضه وشعبه من الصهيونية.

طوال الأسابيع التي أمضتها بلستيا العقّاد في غزّة كانت تُسجّل التقارير والحوارات وتنشرها عبر منصتها على وسائل التواصل باللغة الإنكليزية. وكان عملها يلقى الانتشار الواسع، وكذلك التأثير والتقدير. وقد اُدرج اسمها من بين المئة امرأة الأكثر تأثيراً في العالم لعام 2024، والصادر عن هيئة الإذاعة البريطانية. كما ونالت جائزة الدفاع عن حقوق الإنسان.
وثّقت بلستيا العقّاد الأيام التي أمضتها في غزّة، وبعد مغادرتها وضعتها في دفتي كتاب أسمته «عيون غزّة». كتاب ضمنته سرداً عن غزّة وناسها من إنسانة تعيش وسطهم وهي منهم. حكت عن تآلفهم وتضامنهم فيما بينهم، وأمور كثيرة لم تكن معروفة عن غزّة. وإلى التوثيق يجمع الكتاب أفكاراً لكاتبته وأشعاراً متعددة منتشرة بين صفحاته. لافت في هذا الكتاب أنه بعد قصف المعمداني وفي اليوم الثاني عشر كتبت العقّاد «اليوم انتهت الحرب، لم يعد هذا عدواناً، بل إبادة جماعية…إنه تطهير عرقي محسوب ومتعمّد بلا رحمة، ولا أحد يكترث بما يكفي». فيما الواقع الحالي يقول إن الإبادة في غزّة بدأت سنتها الرابعة، والعالم الاستعماري بقديمه وجديده يغذيها بالمال وبمهارات القتل المستحدثة، وكافة أنواع السلاح.
الكتاب الذي يقع في 167 صفحة كُتب بالإنكليزية، وترجمته إلى العربية في بيروت زينب ضيا، وهو متوافر في دار هاشم للكتب والنشر.
بلستيا العقّاد في بيروت تتابع دراسة الماجستير بعد أن حصلت على منحة شيرين أبو عاقلة التذكارية من الجامعة الأمريكية في بيروت. معها هذا الحوار:
○ من الأمور المهمة التي اكتشفتها بعد مغادرتك غزة جهل العالم للسجن الأكبر على الكرة الأرضية. بعد أكثر من ثلاث سنوات خارج غزّة هل بات العالم يعرفها وكيف؟
• كثير من الناس عرفوا غزّة من خلال صور القصف والدمار التي تتناقلها نشرات الأخبار. لكن لغزّة حضور مختلف عن صور الدمار التي تفتعلها آلة القتل الصهيونية. في غزّة حياة وذكريات وبشر لديهم أحلام وطموحات، ويوميات تملأ حياتهم. أهم ما اكتشفته بعد خروجي من غزّة تلك الفجوة الشاسعة بين ما يعيشه أهل القطاع وبين الصورة المروّجة عالمياً. حُكي الكثير عن غزّة، وما تزال هناك قصص لم تُحك، وأصوات كثيرة لم يسمعها أحد. من جهتي ورغم أهمية تسليط الضوء على الإبادة المستمرة في غزّة، يجب أن يعرف العالم أمورا أخرى عن القطاع وناسه. فلماذا لا يعرف العالم أجمع على سبيل المثال كيف يحب أن يعيش الفلسطيني في غزّة وفي كل مساحة وطنه المحتل؟ فما يعرفه العالم عن غزّة وأهلها حتى الآن كيف يقتلهم الاحتلال الصهيوني.
○ قرأنا عن المؤثرين الغزاويين على وسائل التواصل ومن بينهم انت والزميل حاتم. برأيك ماذا جنت غزة من وسائل التواصل؟
• حاتم وأنا صحافيان أولًا. وأهم الأمور التي تمكنّا من تحقيقها أن العالم بات يسمع الصوت الفلسطيني من أهله مباشرة، وليس من خلال الإعلام الذي يتناولنا من دون أن يبادر للحديث معنا وجهاً لوجه. من خلال حضورنا اليومي حاتم وأنا على وسائل التواصل تعرّف متابعونا إلى غزّة، ووقف كل من تابعنا مباشرة ووجهاً لوجه أمام حياتنا. وبات هذا العالم يُدرك أن لنا حياتنا، ولسنا أرقاماً تُسرد عن نتائج آلة الإبادة الصهيونية، أو حتى صورنا في المستشفيات وأماكن النزوح. بالتأكيد نحن لم نتمكّن من إيصال كل ما يجب أن يصل، ووجودنا عبر وسائل التواصل لوحده غير قادر على تغيير الواقع. ما أنجزناه ببساطة نجاحنا في فتح مساحة لصوت فلسطين في الفضاء الافتراضي.
○ وكم تعتقدين أن الرسالة المفترض إيصالها عن غزة وناسها وصلت؟
• لم تبدأ القضية الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023، بل عمر قضيتنا عقود طويلة، وتتخطى المئة عام. وشكّلت محاولتنا إيصال صوت الناس عبر كل الوسائل المتاحة، جزءاً صغيراً من قضية كبيرة تتجاوز القدرة التي نملكها. لقد فعلنا كل ما هو متوفر بين أيدينا. من جهتي كنت أعتقد أن جهل العالم لقضينا كشعب ناتج عن مشكلة في الوعي والإدارك. واعتقدت خاطئة أن مشاهدة العالم لما يحدث في غزّة من جرائم، سوف يحرّكه لإيقافها. للأسف شاهد ملايين البشر حول الكرة الأرضية ما حصل، وتشاهد الإبادة المستمرة بأشكال وصور مختلفة، ولم يتم إيقافها حتى الآن. ومع تواصل الإبادة وصلت لخلاصة بأن ليس مهماً أن يعرف العالم ماذا يحدث؟ المهم ما هو الفعل التالي الصادر عنه بعد هذه المعرفة؟
○ ما هي الصورة التي حملتها معك من غزّة وما تزال منتصبة أمامك؟
• إنها صورة الناس ومدى قربنا بعضنا من بعض. أتذكر دائماً أيام نزوحي في مستشفى القدس حيث تعرّفت إلى عائلة نازحة، ونمت إلى جانبهم في الصالة التي كانوا فيها. مع تلك العائلة شعرت بأني فرد منها رغم عدم وجود معرفة سابقة بيننا. وأذكر العلاقة الودية بين جيران منزلنا، حيث كانت كل عائلة تُشكّل عوناً للأخرى فيما تحتاجه بدءاً من حبة البندورة وغيرها. باستمرار صورة الناس هي التي تراودني على الدوام من غزّة. مجتمع غزّة متقارب فيما بينه. حتى وأنا خارج غزّة يسألوني عن شخص أو آخر فأجد نفسي أعرفه، فيستغربون شدّة هذا التعارف بين ناس غزّة. ففي مساحة 65 كلم مربع يعيش الغزاويون، فإن لم تعرف شخصاً لا بدّ ستعرف أحداً يعرفه. إذاً الصورة الراسخة في ذهني عن غزّة قربنا كمواطنين من بعضنا.
○ هل ما تزالين تذكرين السائق الذي أقلك دون أجر؟ وهل سألت إن كان على قيد الحياة؟
• لا جواب عندي على هذا السؤال وأتمنى أن يكون على قيد الحياة.
○ بعد قصف المعمداني توقعت أنه تجاوز للحدود من قبل الصهاينة. هل لديهم حدود برأيك؟
• صحيح توقعت أن تتوقف الإبادة، وجدتهم وقد تجاوزوا كافة الحدود. مرّ قصف المعمداني مروراً عادياً بدون أية خطوط حمر. ووجد الصهاينة أنهم قادرون على فعل ما يريدونه بدون ردة فعل. هم قتلة الأطفال ومن بينهم هند رجب بحوالي 300 رصاصة ومعها طاقم الإسعاف الذي اقترب منها بعد الحصول على الإذن. الإبادة متواصلة بأشكال مختلفة وهي مستمرة بدون حدود زمنية.
○ ماذا عن العيش في قلب الإبادة؟ هل من وصف لتلك الحياة؟
• وهو السؤال الذي أطرحه دائماً على زملائي وأصدقائي الذين يواصلون الحياة في غزّة. لكن المجهول هو الصعب بالنسبة لهم فما من أحد يعرف ما هو الآتي، الإبادة متواصلة. الناس يعيشون في الخيم منذ سنوات وفي كافة الفصول الصعبة من حرٍ ومطر. إلى عدم انتظام الدراسة، وشح المواد الغذائية التي تدخل إلى الأسواق. يعيش الناس يوماً بيوم، وما من أحد يعرف ما هو التالي.
○ كتبت باسترسال عن ذاتك ومتاعبك بسبب العدوان. هل يمكن وصفك بالجريئة خاصة وانه كتابك الأول؟
• إنها حرية كل فرد في وصف ما كتبت سواء كان جرأة أو غيرها. بالنسبة لي هي مذكراتي. كتبت مشاعري وأحاسيسي وما عشته في غزة خلال تلك الفترة الزمنية. ويبقى لكل قارئ أن يقول رأيه فيما قرأه.
○ ما الذي يمكنك فعله لغزّة وأنت بعيدة عنها؟
• يشغلني دوري تجاه بلدي، وما هو الفعل الذي يمكنني القيام به، خاصة وأنني أصبحت في مكان آمن. أمتلك منصة يمكنني استخدامها. دائماً أسلط الضوء على قصص الناس في غزّة، وأجري معهم بعض المقابلات وأكتب المقالات. إنما في الوقت نفسه وللأسف الشديد المعاناة القائمة في غزة تجعل ما يقوم به الأفراد غير كاف. المطلوب خطوات واضحة من مؤسسات دولية وحكومات كذلك.
○ وهل من طرق أخرى للمساعدة؟
• على سبيل المثال كثير من أهل غزّة يقيمون الآن في مصر، وبعضهم باتت لهم أعمالهم. من جهتي أسعى لمساعدتهم بالتسويق لهم عبر صفحتي على انستغرام. وأكرر مهما فعل أحدنا فهذا ليس كافياً أمام ما يحدث في غزة.
○ وهل ما تزال عقدة الذنب متمسكة بك لكونك غادرت غزّة؟
• ردي على هذا السؤال ورغم تصنيف صحيفة نيويورك تايمز كتابي «عيون غزّة» على قائمتها للـ»بيست سليرز»، بأني لست معنية بهذه القوائم، بقدر ما يعنيني أن يصل صوتي وأن يكون له تأثير، وأن أتمكن من تقديم المعرفة عمّا يحصل في غزّة، وما هي غزّة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *