العالم يدخل عصر ما بعد الجماليات



عبد العزيز بنعبو

الرباط ـ «القدس العربي»: في عصر الصورة بامتياز، وفي ظل الشراهة المتزايدة لاستهلاكها من طرف عموم الجمهور، الذي ما زال يعيش حالة من الدهشة أمام هذا التطور التكنولوجي المهول، يقع عبء تفكيكها وتحليلها على كاهل باحثين ونقاد أكاديميين، بهدف تجاوز الأعطاب التي قد تتولد عن عملية استقبال غير متوازنة.
وفي هذا الإطار، يبرز اسم الناقد والباحث الأكاديمي المغربي إدريس القري، الذي بصم مسيرته بحضور مميز في مجال الجماليات والسيميائيات ونقد الفنون، لاسيما من خلال تركيزه على جماليات الصورة والسينما وتفكيك الخطاب البصري، وسيميائيات الصورة الفوتوغرافية والسينمائية، إلى جانب انشغاله المستمر بقضايا الهوية الثقافية وعولمة القيم، وهو ما توثقه كتبه ودراساته، من بينها «صورة المجتمع المغربي في وسائل الإعلام الوطنية» و»عتبات في الجماليات البصرية» و»الذكاء الاصطناعي ومستقبل الثقافات والفنون والديمقراطية».
كانت بداية حوار «القدس العربي» مع القري من سؤال حول تأثير الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي على الإبداع، فأجاب: «أنطلق في تحليلي للذكاء الاصطناعي، من اعتباره مرآة مكبرة تعكس أبهى قيم الإبداع البشري وأقبح تجليات الاستعباد الرقمي. وأعتقد أن العالم يغادر اليوم مفهوم الصورة كمرآة بسيطة للواقع، ليدخل عصر (ما بعد الجماليات)، حيث تستحوذ التقنية على الخيال البشري وتفرض ثقافة جديدة مصنعة آليا. وتفرض (ديكتاتورية البيانات) هيمنتها على المشهد البصري، فتحوّل المتلقي من ذات واعية إلى مستهلك خاضع لسلطة الخوارزميات التي تعيد إنتاج التحيزات العرقية والطبقية. وتعكس هذه التحولات صراعا بين قيم التحرر التي تحملها الثقافة وآليات التدجين الرقمي التي تقتل التعددية وتصادر الحق في الاختلاف».
وردا على سؤال مرتبط بالأصالة والنمذجة الرياضية، أوضح القري: «من واجب الباحث في مجال الجماليات البصرية والتواصل الجماهيري والقيم أن يطرح تساؤلات جوهرية حول حدود الإبداع البشري وقدرة النمذجة الرياضية على تعويض الحس الجمالي. فالخوارزميات تفتقر إلى الروح وعنصر الدهشة، وتعجز عن فهم السياقات العاطفية والثقافية والروحية العميقة التي تمنح العمل الفني أصالته وقيمته الإنسانية. كما أن الإبداع الرقمي اليوم يخضع لمنطق (الميديوكراسيا) وسوق العامة، حيث يختزل الجمال في معايير الرواج التجاري والنجاح الكمي، بينما يظل الإبداع المتسامي عصيا على الأتمتة لأنه يمثل فعلا فلسفيا واعيا يقاوم الابتذال والنمذجة الصماء».


وعن تنميط الخيال البشري والوعي البصري، أشار المتحدث إلى أنه حذر منذ سنوات من آثار العولمة الرقمية، لأن «الخطر يكمن في ابتلاع اللغات والنماذج السائدة لخصوصيات الثقافات المحلية وتفريغها من محتواها الأصيل». وبحسب القري، «يواجه المتلقي المغربي اليوم خطر التزييف العميق الذي يهدد سيادته على قراراته ويضلل وعيه البصري برسائل خوارزمية موجهة. والحماية من هذا التضليل تقتضي بناء فكر نقدي يقظ يرفض السذاجة ويدرك بنية السلطة الكامنة وراء كل تقنية حديثة. كما تمنح الشبكات الجديدة فرصة لإعادة تعريف الهوية، شريطة استثمار الذكاء الاصطناعي في إحياء التراث واللغات المحلية بدل الاستسلام لنمذجة الآخر المهيمنة». ويحضر في هذا السياق سؤال الهوية البصرية في السينما المغربية، حيث اعتبر القري أن «غياب المشروع الجمالي يظل من أبرز الثغرات التي تعاني منها السينما المغربية المعاصرة، لأن الاكتفاء بالجانب التقني يوقع المبدع في فخ الاستلاب الثقافي والتبعية. ويظل المخرج الشاب أسيرا لجماليات الآخر عندما يجعل الاعتراف الدولي غاية في حد ذاته، بدل بناء هوية بصرية منبثقة من الذاكرة والوجدان الوطني. فالنهضة السينمائية الحقيقية تقتضي تجاوز مكر التقنية وتحويل الفعل البصري إلى أداة للتفكير والمقاومة الجمالية الواعية، لأن السينما التي تلهث وراء الرواج تعجز عن إنتاج سردية وطنية قوية ومتميزة عالميا».

واستحضر الحديث عن السينما أيضا علاقة التشريع بنهضتها، وهنا أوضح القري أن «القوانين والتشريعات، رغم أهميتها التدبيرية، لا تصنع نهضة إبداعية حقيقية ما لم تكن مسنودة برؤية فلسفية وجمالية واضحة. فالقانون قد يتحول إلى أداة للضبط والنمذجة إذا غابت عنه قيم الحرية والحق في الاختلاف. والانتقال من مجرد صناعة سينمائية إلى نهضة ثقافية يتطلب استثمارا عميقا في الرأسمال الثقافي والرمزي، لأن النص القانوني يظل جسدا بلا روح إذا لم تحركه أسئلة الإبداع ورغبة الفنان في مساءلة الواقع».
ودائما في سياق الحديث عن السينما المغربية، طرحت «القدس العربي» سؤال الذاكرة والهوية، فقال الناقد الفني إن «قوة السينما ترتبط بقدرتها على استعادة الذاكرة وصون الهوية الوطنية في مواجهة العولمة والرقمنة المتسارعة. فالصورة السينمائية تمثل وعيا تاريخيا يوثق الصراعات والطموحات الإنسانية، لكنها تفشل عندما تتحول إلى مجرد استهلاك بصري سريع. ويمكن للأفلام المغربية أن تنافس عالميا عندما تقدم سردية صادقة تنبع من خصوصيتها الثقافية، وتفتح جسور حوار متكافئ مع الآخر. كما أن الذكاء الاصطناعي قادر على المساهمة في توثيق التراث الشفهي والبصري وحمايته من الاندثار».

وفي معرض رده على سؤال عن تدهور الذوق العام وسطوة وسائل التواصل الاجتماعي، أكد أن «تدهور الذوق العام يكاد يكون نتيجة حتمية لهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي التي حوّلت الصورة من أداة للتفكير إلى سلعة للاستهلاك اللحظي. وقد كرست هذه الوسائل منطق (الميديوكراسيا) وهيمنة ذوق العامة، ما أدى إلى تراجع الإبداع المتسامي لصالح التبسيطية والسذاجة. كما شوهت جماليات الصورة بجعلها خاضعة لقوانين الرواج التجاري، فأصبح البريق الزائف يحل محل المعنى، وتحولت الشاشات إلى فضاءات للمراقبة وتوجيه السلوك أكثر من كونها منصات للتثقيف والتنوير».
وفي ما يتعلق بقضية «التربية على الصورة داخل المنظومة التعليمية»، شدد القري على أن «إدماج مادة التربية على الصورة أصبح ضرورة ملحة لمواجهة الزحف الرقمي وحماية الأجيال من الاستلاب التقني. ويجب أن ينطلق ذلك من تعزيز اليقظة النقدية لدى المتعلم وتمكينه من تفكيك شيفرات الصورة والتمييز بين الحقيقة والتزييف. كما أن تعليم الذكاء الاصطناعي والتوعية بطرق استخدامه الإيجابية يشكلان صمام أمان ضد فجوة المهارات والتبعية التكنولوجية. فالتربية الجمالية تهدف في جوهرها إلى تكوين إنسان قادر على تذوق الجمال ومقاومة قبح العنف والنمذجة الصماء».
وعن دور الناقد الأكاديمي في زمن المؤثرين والناقد الرقمي، يرى القري أن دور الناقد الأكاديمي «يزداد أهمية في ظل الفوضى التي تميز فضاء النقد الرقمي، حيث تغيب المعايير العلمية والجمالية الرصينة. فالنقد الأكاديمي يقدم رؤية تركيبية وشاملة تتجاوز السطحية وتغوص في عمق المعنى والتاريخ والسياسة البصرية. ورغم تراجع النقد النخبوي أمام هيمنة (الميديوكراسيا)، فإنه يظل المعقل الأخير لحماية القيم الإنسانية وضمان توظيف التقنية في خدمة الإنسان. كما يمارس الناقد المتخصص دورا في المقاومة الفكرية ضد الخداع البصري، ويحافظ على المسافة الضرورية للتحليل الرصين».
وردًا على سؤال يتعلق بالباحثين الشباب في عصر «الميتافيرس» والذكاء الاصطناعي، وجّه إدريس القري رسالة شدد فيها على «ضرورة التمسك بالسيادة الفكرية وعدم الاستسلام للقدر التقني الذي تفرضه إمبراطوريات التكنولوجيا». كما دعا «الباحثين الشباب إلى تفكيك شيفرات الميتافيرس والذكاء الاصطناعي بروح نقدية تجمع بين التمكن التقني والعمق الفلسفي». وأوضح أن «البحث العلمي اليوم ليس مجرد نشاط معرفي، بل هو معركة أخلاقية وثقافية من أجل حماية التنوع الثقافي وضمان بقاء المعنى في صلب العملية الإبداعية. ويظل الإنسان، بإرادته ووعيه النقدي، الفاعل الوحيد القادر على توجيه التقنية لخدمة القيم الإنسانية لا العكس».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *