يتميز المخرج خيري بشارة بواقعيته الشديدة في نقل العمل الأدبي من صفحات الرواية المكتوبة إلى شاشة السينما، خاصة إذا كانت الحالة الإبداعية ذات خصوصية كما في رواية «الطوق والإسورة» للكاتب الروائي الراحل يحيى الطاهر عبد الله.
في عام 1986 أنتج فيلم «الطوق والإسورة» وكان ذلك حدثاً مدوياً في الأوساط السينمائية، فالرواية التراجيدية شديدة البؤس تحولت إلى عمل سينمائي بالغ التأثير، وأصبحت واحدة من أيقونات الإبداع الأدبي والسينمائي على حد سواء، لا سيما أن المخرج خيري بشارة تخلى في عرضه للقصة عن زخارف التجويد والتحسين، وعمد إلى تقديم الحالة الروائية الواقعية كما هي بالمفردات البيئية ذاتها، وطبيعة الشخصيات الصعيدية الصارمة بموروثها الثقافي القاسي إلى حد كبير.
في الفترة التي دارت خلالها الأحداث ما بين الثلاثينيات وأواخر الأربعينيات من القرن العشرين، كان الريف المصري بائساً مُنغلقاً يُعاني من فقر مادي وثقافي، وبدائية في التعامل مع مُشكلاته الاجتماعية، خاصة مُشكلات المرأة التي لم تجد لها حلولاً جذرية، إلا بمصادرة الحرية وفرض المزيد من القيود وفق ما صورته الرواية وذكره الكاتب عن تلك الحقبة تحديداً. لقد استهدف يحيى الطاهر عبد الله، بما سطره في فصول روايته، كشف التناقض الحاد في الثقافة الاجتماعية الريفية إبان فترتي الثلاثينيات والأربعينيات، بين التشدد في المُحافظة على القيم والأخلاق وإعلاء قيمة الشرف والسمعة، والقسوة والجبروت في السلوك العام تجاه ما يتصل بالمرأة الجنوبية وحياتها الشخصية والإنسانية، لذا اختار لروايته عنوان «الطوق والإسورة» للدلالة على تكتل القيود والسجن المفروض بقوة البطش على الأنثى، باعتبارها عورة يجب إخفاؤها وعزلها عما يُشينها ويُلحق بها وبذويها الضرر والكدر.
وبالترجمة ذاتها، كُتب السيناريو، ودقق الشاعر عبد الرحمن الأبنودي في صياغة الحوار فجاء النقل السينمائي عن الرواية واقعياً إلى حد التطابق تقريباً، فمن أسباب التميز أن خيري بشارة استخدم كل مُفردات البيئة الجنوبية في قرية القُرنة استخداماً أمثل داخل الفيلم، فلم يستعن بمهندس ديكور إلا في أبسط الحدود، ولم يستخدم إكسسواراً أو ملابس من خارج البيئة الصعيدية محل الأحداث، وإنما وظف كل الأدوات الطبيعية لتظهر الصورة على حالتها الواقعية، كأنها المُعادل الموضوعي الآخر لكل ما تتضمنه القرية وتتميز به ويختص بسكانها الأصليين. وبالطبع كان الاهتمام باللهجة الصعيدية ضمن الأولويات الرئيسية لتحقيق الغرض السينمائي بالكفاءة المطلوبة، وبناءً عليه نقل المخرج خيري بشارة كل أبطال الفيلم إلى موقع الحدث قبل التصوير بعدة أيام ليعايشوا على الطبيعة ظروف البيئة ويكتسبوا من أهل المكان لهجتهم وعاداتهم وتقاليدهم اليومية على الأقل. وقد استفاد الأبطال بالفعل من فرصة الاحتكاك المؤقتة بشكل كبير، سواء فردوس عبد الحميد التي لعبت دور حزينة، الأم والجدة أو شريهان الابنة والحفيدة الضحية التي تم وأدها وقتلها وتعذيبها لتفريطها في شرفها.

كذلك عزت العلايلي، الأب والابن ـ البشاري الكبير والبشاري الصغير، وأيضاً الأبطال الآخرون أحمد عبد العزيز «حداد « الشاب العاجز المأزوم، الفاقد للرغبة، والعنيف بطبيعة الحال، وعبد الله محمود عاشق فرحة وقاتلها ثأراً لشرفه وانتقاماً منها لخيانتها له مع شاب آخر.
توليفة مُركبة بمستويات تراجيدية مُتعددة وقاسية، مليئة بالحذر والخوف وترقب للمصائر المؤلمة التي آلت إليها نهايات مُعظم الشخصيات، مصطفى البشاري وفرحة وحزينة، والأخيرة بالذات ربيبة المُعاناة ورفيقة الحُزن في مشوار الضنك والعذاب! وتأتي الإشارة الزمنية للأحداث الدرامية مُتزامنة مع حرب فلسطين عام 1948، التي وضعها الروائي يحيى الطاهر خلفية دراماتيكية لينبئ بوحدة الهم الاجتماعي مصرياً وعربياً في عبور سريع على القضية الفلسطينية وأزمتها، التي انسحبت على عموم القُطر المصري آنذاك فجعلت من تحقيق الأماني مُعضلة حقيقية يتشارك في محنتها الأشقاء، ويتبادلون عبارات الرثاء والعزاء في أجواء يكسوها الحُزن ويغيب عنها الفرح.
وقد تم التعبير عن هذا المعنى في مشهد رجوع مصطفى البشاري من الحرب بعد غياب طال أمده، فحين التقى بأمه حزينة (فردوس عبد الحميد) خاطبها مُتأملاً حزنها ومُطالباً إياها بفك الحداد كي تدخل الفرحة البيت وتنقشع الغُمة، لكنها تمادت في البكاء كأنها ترفض الفرح المُزيف وتأبى أن تنسى ماضيها المؤلم، في وقت لا تزال فيه الأوضاع على حالها الأسوأ. وتصل الرسالة الضمنية للرواية عبر الشاشة السينمائية ويحصل الفيلم الأهم على العديد من الجوائز ليبقى الصدى قوياً، متردداً ومسموعاً بوضوح.
كاتب مصري