الصين عالقة في مأزق علاقتها مع إيران ورغبتها بتعامل أفضل مع أمريكا


لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعده مايكل لي هي يي، ورودي لو، قالا فيه إن الصين باتت تلعب دورا خفيا من خلف الستار لإنهاء الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران.

وأضاف الكاتبان أن بكين تحاول تقديم نفسها كصانعة سلام، ولكن بدون تقديم حوافز لإيران أو إغضاب الولايات المتحدة.

فقد التزمت الصين الصمت في الأسابيع الأولى من الحرب على إيران، الحليف القديم لبكين. ولم تظهر أي حزنٍ عميق على مقتل المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي. وردا على اختيار ابنه مجتبى خليفةً له، اكتفت وزارة الخارجية الصينية ببيان مقتضب جاء فيه أنها “أحيطت علما بالتقارير ذات الصلة”.

التزمت الصين الصمت في الأسابيع الأولى من الحرب على إيران ولم تظهر أي حزنٍ عميق على مقتل المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي

ومع موقفها الحذر، سعت بكين، إلى تصوير نفسها كوسيط سلام، وفي الوقت نفسه نأت بنفسها عن الحرب في منطقة لا تملك فيها نفوذا عسكريا يذكر.

وترى الصحيفة أن الجهود الصينية المترددة، تؤكد على حساسية الموقف الصيني، إذ تسعى بكين إلى تجنب أي توتر مع واشنطن، وفي الوقت نفسه، ترغب في تقديم نفسها كقوة عظمى مسؤولة، بحسب المحللين.

ورأت الصحيفة أن المخاوف الاقتصادية واهتمامات الطاقة، تعد من أهم أولويات الصين، بدون أن يكون لديها أي حافز للانخراط العميق في الحرب، في ظل المخاطرة التي يعرض فيها الرئيس دونالد ترامب سمعة أمريكا للخطر بمواصلة حرب أدت إلى وقف سلاسل الإمداد ورفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية.

ورغم كل هذا، لم تتردد الصين عن توجيه انتقادات لاذعة للحصار البحري الأمريكي لمضيق هرمز، واصفةً إياه بـ”الخطوة الخطيرة وغير المسؤولة”.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غو جياكون: “لن يؤدي هذا إلا إلى تفاقم المواجهة وتصعيد التوتر وتقويض وقف إطلاق النار الهش أصلا وزيادة تعريض الممر الآمن عبر مضيق هرمز للخطر”. وأضاف: “تؤمن الصين بأن وقف إطلاق النار الكامل هو السبيل الوحيد لخلق الظروف الملائمة لتهدئة الوضع”.

ومع أن الصين تمتلك على الأرجح النفوذ الجيوسياسي للضغط على إيران لقبول اتفاق ينهي الحرب، إلا أن الرئيس الصيني شي جين بينغ لم يبدِ أي رغبة في ذلك، نظراً لقلة المكاسب التي قد تجنيها بلاده.

وأشارت الصحيفة إلى أن مبدأ عدم التدخل يعد أحد المبادئ الأساسية لسياسة بكين الخارجية.

ونقل عن ريان هاس، المدير السابق لشؤون الصين وتايوان ومنغوليا في مجلس الأمن القومي، قوله إن بكين لا ترغب في لفت الأنظار إلى دورها في الحرب الإيرانية، أو رفع سقف التوقعات بشأن أي مسؤوليات جديدة قد تضطلع بها لتحقيق الاستقرار في المنطقة. وأضاف هاس، الذي يرأس حاليا مركز جون إل. ثورنتون للصين في معهد بروكينغز بواشنطن: “بالنسبة للصين، لا يعد ترسيخ القيادة في المنطقة هدفا تسعى إليه، بل فخا يجب تجنّبه. وتقدم مغامرات أمريكا الفاشلة في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة دروسا تحذيرية لقادة الصين”.

علاوة على ذلك، تتمتع الصين بعلاقات  قوية مع دول الشرق الأوسط تسعى من خلالها لتحقيق التوازن هناك.

مع أن الصين تمتلك على الأرجح النفوذ الجيوسياسي للضغط على إيران لقبول اتفاق ينهي الحرب، إلا أن الرئيس الصيني لم يبدِ أي رغبة في ذلك، نظراً لقلة المكاسب التي قد تجنيها بلاده.

وقد عقدت اجتماعات دبلوماسية مع دول الخليج في الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك زيارة ولي عهد أبوظبي، خالد بن محمد آل نهيان، في محاولة للعب “دور بنّاء” كـ”دولة مسؤولة”، وفقا لوزارة الخارجية.

وخلال استضافة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وهو أكثر منتقدي الحرب الإيرانية صراحة بين القادة الأوروبيين، قال الرئيس شي إن الصين تريد “منع العالم من الانزلاق مرة أخرى إلى قانون الغاب”، وهو انتقاد مبطن ولكن لا لبس فيه لترامب، الذي قال إنه لا يكترث كثيراً بالقانون الدولي.

وتظل المخاطر عالية بالنسبة للصين في حال استمرت الحرب، ففي حين تتمتع هي بوضع أفضل من غيرها من الدول الآسيوية المعتمدة على النفط بفضل احتياطياتها الاستراتيجية الهائلة، وهيمنتها على سلاسل إمداد الطاقة المتجددة، إلا أنها بصفتها أكبر مصدّر في العالم، لن تكون بعيدة عن التداعيات الاقتصادية الناجمة عن حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط.

كما أن ارتفاع التضخم وتكاليف الطاقة نتيجة النقص العالمي، سيؤدي إلى تراجع الطلب العالمي على الصادرات، مما سيترك أثره المدمر على الاقتصاد الصيني.

ومن جانب آخر، لدى الصين، بصفتها أكبر مشتر للنفط الإيراني، مصلحة كبيرة في أمن مضيق هرمز، وذلك بحسب ما ذكره وانغ ييوي، الدبلوماسي الصيني السابق ومدير معهد الشؤون الدولية في جامعة رنمين الصينية.

وأضاف وانغ: “لدى الصين استثمارات ضخمة في المنطقة، تشمل مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية ومشاريع الربط، وقد تأثرت جميعها بشكل كبير بالنزاع. وتأمل الصين في وقف النزاع أولا، ثم معالجته عبر المفاوضات، دون أن يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي الأوسع”. وهنا أمر مهم بالنسبة للصين وهي القمة التي ستجمع ترامب الشهر المقبل مع شي جين بينغ، في أول لقاء بينهما منذ ما يقرب من عقد.

وتتمثل أولوية الصين في استقرار العلاقات مع واشنطن بعد التوترات التجارية. ولذلك، تسعى بكين، بحسب خبراء، إلى تجنب أي إجراءات داعمة لإيران قد تعرض العلاقات مع ترامب للخطر.

ومن جهة أخرى، لم يظهر ترامب أي تأثر بخطاب الصين الناقد، ونشر على منصة “تروث سوشيال” قائلا: “الصين سعيدة جدا بفتحي مضيق هرمز بشكل دائم. أفعل ذلك من أجلهم أيضا، ومن أجل العالم أجمع، وسيعانقني الرئيس شي بحرارة عندما أصل إلى هناك خلال أسابيع قليلة. نحن نعمل معا بذكاء”. وقد انتقدت وسائل الإعلام الرسمية قرار الولايات المتحدة وإسرائيل مهاجمة إيران، وحذرت من تورط الصين بشكل كبير في الصراع.

واستعانت وكالة أنباء شينخوا الرسمية بالأساطير اليونانية لتشبيه طموحات الولايات المتحدة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط بـ”فخ سيزيفي”.

وقالت الوكالة: “يجب على واشنطن أن تدرك حقيقة أنه على الرغم من كونها القوة العظمى الوحيدة في العالم، وتمتلك القدرة على تدمير الأشياء أو قتل الناس، لكنها لن تنجح أبدا في إخضاع العالم لسيطرتها في عصر التعددية القطبية هذا، تماما كما أن سيزيف لا يستطيع أبدا دفع الصخرة إلى قمة التل”، حسبما نشرت في 31 آذار/ مارس.

وكانت الصين إلى جانب روسيا قد استخدمت الفيتو في مجلس الأمن، ضد قرار البحرين بإعادة فتح مضيق هرمز، وهي خطوة يرى مسؤولون وباحثون صينيون أنها تعكس وجهة نظر بكين بأن القرار لم يوضح بجلاء أن الأزمة ناجمة عن تحركات الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

ومن جانب آخر، تعد الصين شريكا مهما لإيران، وقد أبدت تعاطفها مع طهران التي تعتبرها بكين دولة ثورية تُعارض النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة. لكن إيران وإسرائيل ليستا محور تركيز الدبلوماسية الصينية في الشرق الأوسط، إذ تنظر إليهما على أنهما دولتان “تدفعهما الصراعات”، كما يقول شي غانغ تشنغ، الخبير في شؤون الشرق الأوسط والصين ومدير مركز الأمن الخارجي بجامعة تسينغهوا في بكين.

وفي المقابل، تتعامل الصين مع دول الخليج كشركاء استراتيجيين أكثر أهمية على المدى الطويل، لأنها توفر تعاونا دبلوماسيا واقتصاديا أكثر استقرارا، على حد قوله. وتربط الصين علاقات وثيقة بالسعودية والإمارات العربية المتحدة.

ومع أن الصين، لا تقدم نفسها باعتبارها “الوسيط الرئيسي”، لكنها مستعدة لدعم الوساطة مع تجنب “تأجيج الوضع”، كما قال تشو يونغبيو، الأستاذ في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة لانتشو.

وبعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد في التوصل إلى اتفاق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات هاتفية مع نظرائه في المنطقة لدعم استمرار المفاوضات، وحث الأطراف على “الحفاظ على الزخم الذي تحقق بشق الأنفس” لوقف إطلاق النار.

وتستغل الصين الآن علاقاتها العسكرية والاقتصادية المتينة مع باكستان ليكون لها دور في جهود الوساطة دون تدخل مباشر.

الصين “تواجه ما يشبه المأزق” في سعيها للحفاظ على علاقات ودية مع إيران دون إثارة غضب الولايات المتحدة بشكل كبير

ومن الناحية العلنية، اقتصر عمل الصين مع باكستان على إصدار مبادرة من خمس نقاط لاستعادة السلام والاستقرار، تدعو إلى وقف فوري للأعمال العدائية وضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز. ويعد هذا نهجا أقل تدخلا بكثير مما كان عليه الحال في عام 2023، حين كانت الصين وسيطا رئيسيا في اتفاق إعادة العلاقات بين السعودية وإيران، وساهمت في إعادة العلاقات بين الرياض وطهران بعد سنوات طويلة من التوتر. أما الآن، فلا وجود لأي جهد علني. فعلى الرغم من التقارير الإعلامية ومزاعم ترامب بأن الصين ساعدت في دفع إيران إلى طاولة مفاوضات وقف إطلاق النار، لم تؤكد وزارة الخارجية الصينية دور بلادها، ما يعكس نية بكين عدم تحمل أي مسؤولية في حال فشل الجهود. وقالت: “يمكن القول إن الصين تستخدم باكستان، إلى حد ما، كقفاز أبيض لتسهيل التعامل مع هذه المسألة”.

مع ذلك، هناك مؤشرات على أن الصين ربما قدمت دعما سريا لإيران بطرق أخرى، بما في ذلك الدعم العسكري. فقد ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” هذا الأسبوع أن إيران استخدمت قمرا اصطناعيا صينيا مكّنها من استهداف القواعد العسكرية الأمريكية. ونفت بكين مزاعم الدعم العسكري. كما وردت تقارير تفيد بأن الصين تحضر لإرسال منظومات صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف إلى إيران.

وبينما تحاول بكين التعامل مع الحرب في إيران، تنتظر القمة المرتقبة بين ترامب وشي. وقال تشاو مينغهاو، نائب مدير مركز الدراسات الأمريكية بجامعة فودان في شنغهاي، إن الصين “تواجه ما يشبه المأزق” في سعيها للحفاظ على علاقات ودية مع إيران دون إثارة غضب الولايات المتحدة بشكل كبير. وأضاف أن المسؤولين الصينيين حاولوا التقليل من تأثير الحرب الإيرانية على العلاقات الأمريكية الصينية، آملين أن يُعقد اجتماع الزعيمين، الذي أُجل بالفعل مرة من نيسان/ أبريل إلى أيار/مايو.

وأضاف تشاو أن بكين تسعى لفصل قضية إيران عن مسار العلاقات الأمريكية الصينية الأوسع، أملا في تحقيق الاستقرار مع الولايات المتحدة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *