الصين تلعب لعبة الانتظار الطويلة أمام أمريكا التي تدمر نفسها


لندن- “القدس العربي”:

نشرت مجلة “ذي أتلانتك” مقالا لريان هاس من معهد بروكينغز قال فيه إن لعبة الصين مع الولايات المتحدة هي لعبة انتظار طويلة حتى تحين لحظة اشتعالها وانهيارها.

وقال إن معاناة الولايات المتحدة من صراعات داخلية أدت إلى نفور حلفائها، إلى جانب انشغالها مجددا بحرب الخليج، تعتبر فرصة سانحة للصين لتتبوأ مكانة القيادة العالمية.

ومع ذلك، تتجنب بيجين استغلال هذه الصراعات من خلال التعبير عن موقف علني قوي.

فبدلا من مواجهة الولايات المتحدة بالدفاع عن إيران، شريكتها الاستراتيجية القديمة في المنطقة، اكتفت الصين بتقديم دعم غير مباشر، والتزمت الحياد إلى حد كبير.

بدلا من مواجهة الولايات المتحدة بالدفاع عن إيران، شريكتها الاستراتيجية القديمة في المنطقة، اكتفت الصين بتقديم دعم غير مباشر، والتزمت الحياد إلى حد كبير

لكن لا ينبغي النظر إلى ضبط النفس الصيني على أنه علامة ضعف، بل هو ترقب للفرصة المناسبة، ووضع نفسها في موقع الخيار الأمثل لملء فراغ القيادة عندما تتلاشى الولايات المتحدة.

فقادة الصين يريدون تشكيل عالم لا تبرز فيه هيمنتهم كانتصار حاسم على المصالح الغربية، بل كواقع ملموس على أرض الواقع.

وأضاف الكاتب أن القادة، في أحاديثهم الخاصة وفي كتاباتهم العامة، غالبا ما يتحدثون، هم ومستشاروهم، عن أمريكا بأنها “متراجعة لكنها خطيرة”، أي أنها قوة في مراحلها الأخيرة تميل إلى شن هجمات عدوانية على أمل وقف انحدارها.

فمنذ تسعينيات القرن الماضي، وفي أوج قوة الولايات المتحدة الأحادية القطبية، بدأ المفكرون الصينيون في وضع نظريات حول انحدار أمريكا.

وقد قام وانغ هونينغ، الأكاديمي المغمور آنذاك، بتأليف كتاب “أمريكا ضد أمريكا” بعد رحلاته في الولايات المتحدة، حيث وصف أمة تعاني من التفكك الاجتماعي وعدم المساواة والخلل السياسي.

وبعد أن صدم وانغ من مشاكل البلاد المتمثلة في التشرد وإدمان المخدرات والعنف العنصري والانقسامات الاجتماعية وتدني مستوى التعليم، خلص إلى أن أمريكا تحمل في طياتها بذور فنائها.

ووانغ اليوم عضو في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، المؤلفة من سبعة أعضاء، والتي تمثل أعلى سلطة في الحزب الشيوعي الصيني.

كما أنه مستشار مقرب للرئيس الصيني شي جين بينغ، وأحد أبرز مهندسي الخطط الاستراتيجية للبلاد.

فالموضوعات التي حددها وانغ قبل عقود، مثل التدهور الاجتماعي في أمريكا وعدم المساواة الاقتصادية والشلل السياسي، أصبحت جوهر الرواية الرسمية الصينية عن الولايات المتحدة.

ولهذا السبب، تعتقد الصين أن الطريق الأمثل للوصول إلى النفوذ الدولي لا يمر عبر المواجهة المباشرة، بل عبر الصبر.

فلماذا تخاطر بيجين بالدخول في حرب ساخنة أو تحدي القيادة الأمريكية في الشرق الأوسط أو غيره، في حين تقوم الولايات المتحدة باستنزاف قدراتها العسكرية والمالية والسياسية؟

ومن هنا، فمهمة الصين ليست اغتنام الفرصة، بل وضع الأسس لمستقبلها المنشود، وهذا يعني تعزيز الحزب الشيوعي من خلال تقليل تعرض البلاد للضغوط الخارجية.

ولهذا يعتبر الاعتماد على الذات الركيزة الأساسية لخطة الحزب الخمسية الأخيرة، حيث تسعى الصين جاهدة لتقليل اعتمادها على العالم وزيادة اعتماد العالم عليها.

وبفضل الاستثمارات الحكومية الضخمة والدعم الحكومي، ترتقي الشركات الصينية بخطى ثابتة في سلسلة القيمة الصناعية في قطاعات متنوعة تشمل السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة والبنية التحتية للاتصالات.

بفضل الاستثمارات الحكومية الضخمة والدعم الحكومي، ترتقي الشركات الصينية بخطى ثابتة في سلسلة القيمة الصناعية في قطاعات متنوعة تشمل السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة والبنية التحتية للاتصالات

كما تدعم الدولة البدائل المحلية للتقنيات الأجنبية، مثل أشباه الموصلات والبرمجيات والطائرات.

ولا يقتصر طموحها على زيادة حصتها السوقية فحسب، بل يتعداه إلى إحباط الجهود الأجنبية الرامية إلى عرقلة صعود الصين من خلال الحد من وصولها إلى المصادر والمواد الأساسية.

ويناقش الكاتب قائلا إن الصين تستعد بهدوء للوقت الذي يصبح فيه ثقلها الاقتصادي وقوتها التكنولوجية مركز الثقل في الشؤون العالمية، حيث يعمل قادة الصين على هندسة عالم يعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي الصيني، ويستمد طاقته من تقنيات الطاقة النظيفة الصينية، وتؤدي فيه تطبيقات الحاسوب الصينية إلى تحسين الرعاية الصحية والتعليمية والمهنية والحوكمة في جميع أنحاء العالم.

وتعتبر هذه الاستراتيجية الاقتصادية جزءا من رؤية جيوسياسية شاملة.

فبدلا من قلب النظام الدولي القائم بعد الحرب العالمية الثانية رأسا على عقب، تسعى بيجين إلى توجيهه ليعكس تفضيلاتها بشكل أنجع.

ولطالما جادل القادة الصينيون بأن النظام الدولي الحالي يعكس، بشكل ضيق، الأولويات الغربية، وأن بقية العالم مهتمة بالنمو الاقتصادي أكثر بكثير من اهتمامها بما يسمى بالقيم العالمية والحريات الفردية.

وباعتبارها قوة عظمى ودولة لا تزال تعتبر نفسها جزءا من العالم النامي، ترى الصين نفسها بوضوح في موقع يؤهلها لقيادة نظام عالمي جديد.

وبالمثل، تعبر بيجين عن انزعاجها من شبكة التحالفات الأمنية الأمريكية، والتي تعتبرها موجهة ضد الصين.

ويجادل قادة الصين بأن هذه التحالفات الأمنية من مخلفات الحرب الباردة، وأنها تسهم في الانقسام وتأجيج التوترات أكثر من حل التحديات الأمنية.

فبدلا من التعامل مع عالم تتبوأ فيه واشنطن مركز شبكة من التحالفات في آسيا وغيرها، تحرص بيجين على أن تعطي الدول الأولوية للمصالح المادية على حساب التقارب الأيديولوجي.

ويعتقد القادة الصينيون أن هذا سيمكن بلادهم من إزاحة الولايات المتحدة عن مركز خريطة جديدة للشراكات العملية.

وقد التزمت الصين بهذه الاستراتيجية بانضباط ملحوظ.

وتظل هذه الخطط قائمة على فرضيات قد يتبين خطؤها بسهولة، لأن الصين تراهن على استمرار تراجع أمريكا، لكن الولايات المتحدة سبق لها أن تعافت من فترات عصيبة من الانقسام وانعدام الثقة بالنفس، كما حدث بعد فضيحة ووترغيت وحرب فيتنام، وقد تفعل ذلك مجددا.

وهناك أمر آخر يشير إليه الكاتب ويتعلق بالأجندة الاقتصادية للصين، لأن هذه الأجندة القائمة على التصدير قد تبلغ حدودها القصوى.

فمع تخلص الشركات الصينية من منافسيها في قطاعات صناعية متنامية، ربما ترد الحكومات الأجنبية برفع الحواجز لحماية منتجيها المحليين، كما هو الحال في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند وإندونيسيا والمكسيك وغيرها.

وبدلا من أن تكون الصين عامل جذب للدول الأخرى، قد ينتهي بها المطاف إلى تدمير الصناعات في جميع أنحاء العالم المتقدم، وتأجيج الاستياء والغضب تجاهها.

كما أن افتراض بيجين بأن جيرانها سيزدادون خضوعا لها مع ازدياد اعتمادهم الاقتصادي عليها يستحق النظر.

فعلى الرغم من القدرات العسكرية المتنامية لبيجين وثقلها الاقتصادي المتزايد، لا تزال طوكيو وتايبيه تقاومان رؤية الصين للسيطرة على تايوان وجزر سينكاكو/دياويو والمياه المحيطة بها.

وإذا تحدت دول آسيوية أخرى مطالب بيجين بالخضوع لها، فإن استراتيجية الصين القائمة على الصبر ستفقد مصداقيتها.

وفي غضون ذلك، يعاني جزء كبير من الاقتصاد الصيني من الركود.

فقد مكنت استثمارات بيجين الضخمة في التصنيع والتكنولوجيا من الهيمنة على هذه الصناعات، لكنها أدت إلى انكماش تجاوز فيه عرض السلع الطلب بكثير.

ويتباطأ النمو ويتزايد الدين المحلي، بشكل ينتج عنه التحول إلى اقتصاد أكثر تقدما وكثافة تكنولوجية، مع ضغوط اجتماعية، بما في ذلك معدل بطالة بين الشباب بلغ مستويات قياسية.

كما أن ارتفاع متوسط العمر المتوقع وانخفاض معدل الخصوبة في البلاد ينذران بأزمة ديموغرافية، حيث سيقل عدد البالغين في سن العمل الذين يعيلون عددا متزايدا من المتقاعدين.

وتعتبر هذه الاتجاهات عقبة أمام خطط الصين للنمو الاقتصادي والأمن القومي.

ومع ذلك، لا يزال قادة الصين واثقين من أن تحديات أمريكا أكثر خطورة من تحدياتهم، ولهذا يراهنون على المدى الطويل على أن تواصل الولايات المتحدة انحدارها، مما سيعطي الصين دورا وقوة في النظام العالمي الجديد.

إلا أن نجاح هذا الرهان يتوقف، إلى حد كبير، على ما ستفعله الولايات المتحدة لاحقا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *