الصولجان


في بغداد وباقي مدن العراق مقاهٍ خاصة بعمال البناء والطلبة والأدباء والفنانين، بالإضافة إلى مقاهٍ عامة يقصدها الجميع. إن غاية جليس المقهى هي الراحة والعزلة الظاهرتان، لأنك مهما كنت قويّاً في ذاتك وفي روحك، يغزوك الآخرون وأنت جالس في مقعدك، فلا مجال أمامك غير أن تستسلم. وإن كان المقهى خالياً، وأنت أول الجالسين فيه، تقوم بهذا الدور آثارُهم في المكان.
هل تغيّر المقاهي من هيئات وملامح زبائنها، ومن طريقة خطوهم في الشارع؟ رأيان في كليهما نسبة من الصواب؛ الأول ينفي الأمر، بينما يذهب الآخر بعيداً، ويؤكد أن جمهورية المقاهي يقطنها مواطنون يتماثلون في معظم شروط وأساسيات الحياة، في النوم والاستيقاظ ونوع الطعام، ولهم رائحة جسد واحدة.
في ذلك اليوم، دخل المقهى شيخٌ طاعن في السنّ، يحمل نعلين مهترئين بيده، ويرتدي أسمالاً وحذاء بالياً. بأهداب ملحيّة وعينين تغطيهما غشاوة بيضاء، راح يُدير ناظريه في الجالسين، فيذهب بك الخيال عندما يراك ويهزّ رأسه أنه يعرفك، رغم أنك غريبٌ في البلدة. استقرّ الشيخ أخيراً في كرسيّه، ودبّت الحياة في ما حوله مباشرة. قام ثلاثة أو أربعة من الجالسين على خدمته؛ واحد يضع في فمه سيجارة، وآخر يولّعها، وثالث يسقيه الشاي، وينتظره إلى أن يُكمل، ليأخذ منه القدح الفارغ. كان الجميع يتعاملون معه كما لو كان ملكاً مفدّى، وصولجانه فردتا نعال يحملهما بيده!
هو أحد مقاهي مدينة زاخو، في أقصى شمال العراق، يقع بالقرب من ورشة حدّادين، الحائط لِصقَ الحائط، وهناك مبنى كبير لمطبعة يبعد حوالي ثلاثة أمتار، حيث يسمّم الهواء رصاص رماد الحبر. المقهى كائن إذن بين جحيمَين، أو في منتصف الجحيم لو شئنا الدقة؛ رصيف أجرد لا أثاث فيه ولا ديكور، عدا مقاعد بلا مساند ولا ظهور، مع طاولات من البلاستك، وينعم الزبائن فيه رغم ذلك بالسحر والرضا، بينما تبدو الشمس ثابتة للعمال في محلّ الحدادة والمطبعة، يكتوون بنار الكدح طوال النهار. ما الذي يدفع الزبائن للعودة إلى هذا المكان الفقير في كل شيء؟ حتى الشيخ الملك، لا بدّ أن يجد طريقه إلى المقهى مرة أو مرتين في اليوم. الوقت يمرّ على العمال قطرة فقطرة، بينما الجالسون في المقهى ساهون عن الروائح وضجيج ماكينة المطبعة، بل إنهم مفتونون بالمكان، وراسخون في مقاعدهم ولا يودّون المغادرة، كأنما جلستهم رُتّبت ليُرسموا أو تؤخذ لهم في كل لحظة صورة. هل يوجد سرّ خفيّ في الأمر؟ لماذا يبدو المقهى، على بساطته وفقره أحياناً، كأنه قطعة من الجنة؟
للجواب عن هذا التساؤل دعوني أتفلسف قليلاً، وأقول إن الواقع في المقهى هو انعكاسٌ لمتخيّل يصنعه لا وعينا، يقوم على أسس تشكلّت من أزمنة مضت، عاش فيها الإنسان حياة أفضل. الدَّعة والسكينة اللتان نشعر بهما هما في الأصل بقايا ما كانت تهيّئه تلك الأماكن لأسلافنا البعيدين، في أزمان الفطرة والبدائية. الحانة (المقهى) الأولى في التاريخ تذكرها الملحمة. كان اسم صاحبتها سيدوري، وقصتها مع كلكامش معروفة. يُقال إن للنادلات جمالاً يحبس الأنفاس، وكل شيء كان يتدفق في ضوء الشمس الرطب، ورائحة القرنفل والقرفة والراوند تملأ المكان.
ثلاثة من زبائن المقهى أخذوا يتجادلون بصوت خفيض، كي لا يُزعجوا الشيخ الملك صاحب الصولجان، وكنت مستريحاً لأني لا أفهم اللغة الكردية، وبات كلام الرجال مثل موسيقى ناعمة الوقع. إنها إحدى بركات السفر؛ انتفاء حاجتك إلى فهم الكلام الذي يدور من حولك، عندما تكون غريباً في ذلك البلد. أهمية الحوار مع الآخرين القصوى تكون عند الشراء والدفع، وهذه الوظيفة ينفيها ماركيز: «إذا أردتَ أن تشتري فلا حاجة لك للغة ما دام المال معك، وإن أردتَ أن تبيع فأنت تحتاج إلى أكثر من لغة».
إن كان السكوت من فضة فإن عدم استيعاب كلام العامة من ذهب، لأن الإنسان ابتكر اللغة في سبيل أن يقول بلسانه عكس ما يقصده قلبه. من أقوال سقراط الشهيرة: «تكلّم كي أراك»، أي أن ما تقوله يُعطي السامع صورة جليّة وغير غامضة، وهذا بعيد جداً في اللغة العامة، فهي تؤدي الغرض المعكوس أو الضّدّ. الكلمة لا تدل على ما تُظهر، بل على ما تُخفي، والمرء ليس مخبوءاً تحت لسانه، كما قال الأقدمون.
انتقل الشيخ الأعمى ومعه صولجانه إلى طاولة أخرى، واختفى وجهه في الظلّ. كان العرق يبلل جسده، والملابس الخشنة ملتصقة بجلده. ثم علا صياح الرجال الثلاثة الذين كانوا يتجادلون، وانضمّ إليهم زبائن آخرون، وكان يتردد في الحديث اسم ماركة سيارة، وهذا كافٍ لمعرفة سبب الخصام. لغة الحوار المستعملة في جميع البلدان، على اختلاف درجاتها في المدنية والتحضر، تكون في العادة محدودة المفردات ومتشابهة. فإن لم تُجد لغة البلد، جاءتك أحاديث الناس مثل أصوات طيور تنشد، أو موسيقى تؤديها أدوات مختلفة. لا يُغيظك وأنت في بلد أجنبيّ الصياح والصراخ إن تشاجر معك أحد، لأنك لا تعرف ماذا يقصد، وإن وجّه لطمة إلى وجهك بطريق الخطأ أو الصح، بإمكانك أن تعدّها ضمن حفل الموسيقى الدائر، نهاية وصلة أو غير ذلك، وتستطيع أن تُدير له خدّك الثاني، مذعناً بل متحمساً، كي تتحقّق المعجزة التي يُطالبنا بها الكتاب المقدّس.
أخيراً أنهى الشيخ فصل الجدال بحركة مباغتة. لا أستطيع أن أصف كيف استدار فجأة، وحدج الجميع بعينين فارغتين إلا من بياض العمى، ثم رفع الصولجان إلى أعلى وأطلق همهمة غير مفهومة. أدرك الرجال المتخاصمون معناها فوراً، وأخلدوا إلى الصمت.
كان مشهداً غريباً كأنه انتُزِع من رواية حديثة، أو من شريط سينمائي. لدى سعدي يوسف بستانيّ أخرس يشبه شيخنا الملك صاحب الصولجان: «والبوابة يفتحها بستانيّ أخرس/ علّقَ في عينيه لسانين».
عندما تموت لغة الكلام، بإمكان المرء التحدث بناظريه؛ فهما نقطة تقاطع الذات مع العالم. بل إن الجسد كله مرئيّ، وبه نتكلم مع الآخرين. يدخل الكون ذواتنا من خلال حدقة العين وفتحات الفم والأنف والأذنين… وعن طريق مسامات الجلد أيضاً. وفي جزء من الثانية، يقوم الجسد بهضمه وتحليله وفكّ شفرته، وإعطاء الجواب الكوني للسؤال الكوني الموجّه.
يقول ريتسوس: «الأجساد تنكر الكلمات/ عارية ودون قول شيء/ تتفاهم». بل إن أخرس سعدي يوسف يتنبأ بما سوف يحلّ في قادم الأيام: «ستدخلُ في نهر «بشارات» يا من خذلتك الأنهارُ/ وفارقكَ الأهلُ/ ولم يرأفْ بكَ حتى/ طابوق الأسوار».
لافتة معلّقة داخل محلّ الحدادة تحمل هذه العبارة: «العمل يجعل الإنسان حرّاً». من يصدّق هذا الكلام فهو مجنون، أو عاقل وقع في الشَّرَك.
لو تتبّعنا العمّال في محلّ الحدادة والمطبعة بعد أن ينتهي يومهم في طلب الرّزق، وكيف يقضون ساعة في البيت لغرض الرّاحة وتناول العشاء، لكنّ قواهم خارت في الأخير أمام أسلحة اللّيل، والحلّ يكون في الالتجاء إلى أقرب مقهى، ينزعون بها ضَيم التّعب الشديد في النّهار. إلى هذه الساعة من الراحة، يعود السبب في الهمّة التي يتوجهون بها في الصباح إلى العمل، وليس إيماناً بالشعار المرفوع على اللافتة.
من يدري، لعل الجالسين في المقهى، المتنعمّين بفيْئه وأقداح الشاي اللذيذ هم الفائزون في النهاية، هم الفاهمون لحقيقة الحياة، وسحقاً بعد هذا لكل الجهود الإنسانية، ما دامت النتيجة قبضَ ريحٍ في الفنون والعلوم والفكر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *