كشفت وسائل إعلام فرنسية معلومات تفيد بعقد اجتماع بين مارين لوبين زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، وسفير دولة الاحتلال الإسرائيلي في فرنسا جوشوا زركا؛ ولكن لم يكن في الخبر ما يدعو إلى العجب سوى حقيقة أن الكتمان أحاط باللقاء، حتى أماطت اللثام عنه إذاعة يهودية فرنسية.
ذلك لأنّ اللقاءات الرسمية الإسرائيلية مع مجموعات اليمين المتطرف في أربع رياح الأرض عموماً، وفي أوروبا خصوصاً، لم تعد سرّية أو مدعاة حرج، بل تفوقت من حيث العدد ومستويات المشاركين على تلك التي تُعقد في الكواليس أو بعيداً عن عدسات الصحافة. كذلك فإنّ معظم التيارات الصهيونية المعنية بتنظيم الحملات وتشكيل مجموعات الضغط، خارج دولة الاحتلال وداخلها، أسقطت جميع «المحرمات» القديمة بصدد الحوار مع اليمين المتطرف والفاشي؛ بل اتضح أنّ الكثير من أسباب «التحريم» كانت، أصلاً، كاذبة أو زائفة أو واهية.
والأحدث في هذا السجلّ كان المؤتمر الذي نظمته وزارة الشتات الإسرائيلية في القدس المحتلة، ربيع 2025، ودعت إليه أمثال جوردان بارديلا عن «التجمع الوطني» الفرنسي، وهيرمان تيرتش ممثل حزب «فوكس» الإسباني، وميلوارد دوديك زعيم صرب البوسنة، وجيمي أكيسون عن حزب «الديمقراطيين» السويدي ذي التوجهات النيو ـ نازية، وكينغا غال باسم حزب «الاتحاد المدني» الهنغاري الذي كان شريك فكتور أوربان في السلطة… وكان عميحاي شيكلي، الوزير المنظّم للمؤتمر، قد أعلن «الفلسفة» التالية لتبرير مشاركة قوى اليمين المتطرف: «الخطر الحقيقي على الجاليات اليهودية في أوروبا هو الإسلام الراديكالي»، ولهذ تسعى دولة الاحتلال إلى «تشكيل معسكر عريض من أجل مناهضة مشتركة لعداءٍ للسامية، هو الأكثر سَمّية».
من جانبهم، فإنّ المدعوين إلى المؤتمر من زعماء اليمين الأوروبي لم يجدوا أنفسهم غرباء عن نظرائهم الإسرائيليين، أمثال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تلميذ مئير كاهانا والإرهابي المحلي بامتياز؛ أو وزير المالية بتسلئيل سموترش، الذي لا يقلّ نزوعاً إلى الترهيب والترويع؛ أو آفي ماعوز عضو الكنيست ورئيس حزب «نوعام»، زعيم المفارز الاستيطانية من إرهاب الدولة.
ثمة، في المقابل، سياقات راهنة شرق أوسطية وفرنسية في آن معاً، قد تفسّر حال التكتم على لقاء زركا ـ لوبين، من جانب الأخيرة على الأقلّ؛ بالنظر إلى دموع التماسيح التي يذرفها قادة اليمين الفرنسي المتطرف على لبنان عموماً وجالياته المسيحية خصوصاً؛ حيث تواظب فرنسا على انتحال صفة «الأمّ الرؤوم». واللقاء جرى وطبول الحرب الإسرائيلية تُقرع على النحو الأشدّ وحشية وعشوائية، وأعداد ضحايا الغارات من المدنيين اللبنانيين بلغت 350 قتيلاً وأكثر من 1200 مصاب، عدا عن التدمير الشامل وقصف المساكن والقرى والبلدات والمدن والمشافي والجسور والبنى التحتية.
كذلك عُقد اللقاء، الذي لم يكن أقلّ من توافق بين أقصى اليمين الصهيوني الاستيطاني الإبادي الأبارتيدي، وأقصى اليمين الفرنسي المتطرف العنصري الانعزالي، في سياق استهانة إسرائيلية قصوى بموقع فرنسا وكرامة شعبها، على لسان سفير الاحتلال في واشنطن، الذي استبعد أيّ علاقة لباريس بالمفاوضات الإسرائيلية ـ اللبنانية، واختار للفرنسيين أن يبقوا «بعيدين قدر الإمكان». بذلك فإنّ لوبين كانت تنخرط مباشرة في الحملة الإسرائيلية ضد الحكومة الفرنسية والرئيس إمانويل ماكرون شخصياً، عقاباً على اعتراف باريس بالدولة الفلسطينية.
وعلى أكثر من نحو، كان مؤتمر شيكلي فرصة للمتطرفين على الجانبين الإسرائيلي والأوروبي كي تُسحب من التداول، مرّة وإلى الأبد في الواقع، تلك الخرافة العتيقة التي تحظر على الصهيوني ملاقاة يميني متطرف قوموي أو شوفيني أو عنصري؛ أو أن يُستعاد تراث الوكالة اليهودية في التعامل مع الرايخ الثالث والضباط النازيين، أو إسباغ لقب «إلدوتشي يهودا والسامرة» على زئيف جابوتنسكي.
وبذلك فإنّ لقاء لوبين ـ زركا ليس أقلّ من ترجمة لتلك الحال، تستشرف ترجمات آتية كثيرة.