يقدم الصحافي العراقي أحمد عبد المجيد، في كتابه «الصحفي والرئيس… الرؤية من خارج المقصورة.. الزيارات وتبادل الهواجس»، شهادة تمتد على عقود من الحياة السياسية العراقية، مستندا إلى تجربته المهنية وما أتاحته له من لقاءات ومتابعات لعدد من رؤساء العراق في مراحل مختلفة.
ولا يقتصر الكتاب على تسجيل الوقائع أو استعادة الذكريات، بل يحاول أن يقرأ علاقة الرئاسة بالدولة، والسياسة بالمجتمع، من خلال مشاهد ومواقف عاشها المؤلف أو تابعها عن قرب. ومن هذه الزاوية، يكتسب الكتاب قيمته بوصفه شهادة صحافي ظل قريبا من دوائر القرار، من دون أن يغفل أثر التحولات السياسية في مصير الدولة العراقية.
المؤلف وموضوعه
منذ الصفحات الأولى تتداخل في الكتاب شخصية الصحافي مع شخصية الرئيس. فالعنوان نفسه يوحي بأن الصحافي ليس مجرد راو للأحداث، بل شاهد عليها. ويبدأ هذا التداخل مع عبد الكريم قاسم، الذي يحتل مكانة خاصة في ذاكرة المؤلف، ليس بوصفه رئيسا فحسب، بل بوصفه صورة راسخة في ذاكرة طفل كان يتابع بحيرة ما يجري حوله من صراع بين شعبية الزعيم وطموحات القوى السياسية.
ويستعيد عبد المجيد مشهد استقبال عبد الكريم قاسم في كربلاء، حيث خرجت الجماهير بعشرات الآلاف معلنة ولاءها له، قبل عام واحد فقط من نهايته المأساوية. ويكشف هذا المشهد، كما يقدمه الكتاب، عن هشاشة العلاقة بين الجماهير والسلطة، وسرعة تبدل الولاءات عندما تتغير موازين القوة.
الرئيس المعتدل
الصورة الأكثر إحباطاً للذاكرة السياسية العراقية، كما وردت في السيرة، صورة عبدالسلام عارف، الذي لا يتذكر عنه صاحب السيرة سوى مقولة الناس عنه بما يقترب من الشماتة «صعد لحم ونزل فحم»، كناية عن حادثة موته في حادثة طائرة عمودية عند زيارته لمدينة القرنة، أثناء عاصفة ترابية، وربما أقرب الشخصيات الرئاسية إلى الكاتب هي شخصية الرئيس عبد الرحمن عارف، الذي تولى الأمر بعد موت أخيه عبدالسلام عارف، لاقتراب شخصية هذا الرئيس من الشخصية العراقية المعتدلة، الشخصية التي لا يقودها انفعالها الوقتي إلى أفعال تندم عليها، وتؤدي إلى مصائر كارثية للشعب الذي تقوده، فشخصية عبدالرحمن عارف على الرغم من كونه شخصية عسكرية، لكنه كان أقرب إلى الشخصية المدنية، القريبة السلوك من الشخصية الحضرية، التي لم تتأثر بالعادات الريفية، فهو رئيس حمل صفات العفو والكرم والتواضع، والأريحية.
ويذكر الكاتب عنه، أنه حين ازدادت مخاطر وقوع الحرب بين العراق وإيران، بسبب الاعتداءات العسكرية المتكررة للشاه على حدود العراق، ومطالبته بنصف شط العرب، فقد تصرف عبدالرحمن عارف تصرف الرئيس المسؤول، ولم يؤلب الجماهير على إيران، ويحشد جيشه ليحارب المعتدين، بل قام بزيارة خاطفة مع حكومته إلى طهران، لم يعلن عنها، وطلب الجلوس مع شاه إيران الذي استضافه في قصره، ونقل عبدالمجيد نص كلمة عبدالرحمن عارف أثناء المأدبة التي أقامها الشاه على شرفه والوفد المرافق له، وكلمته التي قالها من الحري بوزارة التعليم العراقية نقلها من خلال كتاب النصوص الخالدة، لكل أجيال العراقيين القادمين لأهمية ما قاله وعمق ما قاله، مما جعل شاه إيران يكف عن أطماعه، ويوقف اعتداءات جيشه على الحدود العراقية ويسحب قطعاته لأكثر من عشرين كيلومترا داخل حدود بلاده. نعم زيارة واحدة وكلمات في حفلة عشاء ملكية، منعت حربا بين شعبين مسلمين متجاورين، كان من الممكن أن يسقط فيها ملايين القتلى والجرحى.
إن تماهي الشخصية الحضرية العراقية، التي في داخلها الروح الأصيلة، المستمدة من حضارة عريقة، مهدت لقيام أول إمبراطورية عراقية في العالم، هي ما لوح به الكاتب ومن هنا يأتي عمق هذه السيرة وأهميتها، فقد جعلنا الكاتب نعيش فصولاً من الاستذكار، لأصعب الأيام وأسوأها مع ذوات رؤساء لاحقين حاولوا رتق ما تفتق من النسيج العراقي، ونجحوا مرة وفشلوا مرات. فهو مع رؤساء آخرين جاءوا كأحمد حسن البكر، الذي لا يتذكر أي ذكرى عن حياته وفترة حكمه، أما صدام حسين فالكاتب لمح إلى أنه لم يره وجها لوجه سوى مرتين، وقد غلبت عليه مشاعر جمة، ووقتها كان يعرف من يتولى رئاسة العراق كمن يركب ظهر الأسد، فهو لا يعرف متى سيفترسه ذلك الأسد، فهو يحرص على التحري عن أعدائه للتخلص منهم.
ويفرد الكاتب فصول كتابه الأخيرة؛ لرؤساء تناوبوا الحكم بعد 2003 كجلال الطالباني وفؤاد معصوم؛ الذي رافقه الكاتب مع مجموعة من الصحافيين في زيارة بروتوكولية إلى السعودية؛ ومن الواضح ان كل الرؤساء الذين جاءوا بعد 2003 كانوا يشكون عدم وجود الصلاحيات ليتصرفوا كرؤساء حقيقيين بيدهم الحل والربط في أمور السياسة وعلاقات العراق وترتيب البيت العراقي؛ كانت شكواهم مريرة خصوصاً في الحوار الذي أجراه مع فؤاد معصوم الرئيس الثامن للعراق؛ أما برهم صالح فقد كان مهتما كثيرا بالحصول على فترة رئاسية ثانية، وهو لا يزال بعد في أولى سنوات رئاسته.
كاتب عراقي