السّياسة في لغة السوق


لا أجيد المساومة في البيع والشراء، إذا قال لي البائع هذا عليّ بمئة، فلا أتخيّل أنه بعد دقائق من «المفاصلة» سيبيعها بسبعين أو حتى بخمسين، وإذا أقسم بالله العظيم أن هذه البضاعة بمئة، فأشعر حينها بأنني أهينه لو قلت له أريدها بتسعين، لا أتخيل تاجراً يقسم بالله كذباً، أو أنه يستخدم القسَم كفذلكة لغوية، وحينئذ إما أن أشتري أو لا أشتري. ما أعرفه في السوق هو «يا مسترخص اللحم عند المرق تندم». و»رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى وإذا اقتضى».
أقصى ما أقوله هو «هل هذا آخر كلام… ألا يوجد تنزيلات»؟
ويكون الرد بالنسبة لي نهائياً. لا أحب التعامل مع البائع الذي يقول لي: كم تريد أن تدفع؟ حينئذ أشكك بكل مصداقيته. حدث أن دفعت أكثر من ضعفي ثمن غرض ما من بائع متجول، بسبب هذا السؤال الذي يبدو ساذجاً!
ليس من زمن بعيد رافقت صديقاً يشتري بالجملة ويبيع بالمفرّق، المهم أنه سأل عن ثمن طاولات من البلاستيك! واستنكر الثمن الذي نطق به البائع وطلب ثمناً أقل، ورد البائع بأنه لا يستطيع أن يُنزل ولا حتى شيكلاً واحداً لأنّه سيخسر، صديقي أكد أنها متوفرة لدى تاجر آخر بثمن أقل، و»خذ رقم هاتفه وتأكد بنفسك»، فيرد البائع عليه «يبدو أنها نوعية مختلفة وأقل جودة، روح اشتر منه». أمام إلحاح صديقي، راح البائع يقسم بالله العظيم أن هذا أقل من رأس المال.
بعد أن سمعته يقسم بالله، انتهى الأمر بالنسبة لي، ولم يعد أمام صديقي سوى أن يشتري أو يغادر.
تجولنا بين رفوف وزوايا المتجر، وحين ابتعدنا عن البائع همست له «لو كنت مكان هذا الرجل لطردتك من هنا، الرجل يقسم بالله العظيم وأنت تصر على موقفك وكأنك تكذّبه».
بعد جولة في المكان ومعاينة بعض البضائع، عاد مرّة أخرى إلى البائع وأنا أكاد أدفعه إلى السيارة خجلاً من تصرفه، ولكن البائع فاجأني بقبوله للثمن الذي أصر عليه صديقي، وأرسل أحد العمال لنقل البضاعة إلى السيارة، وقدم لنا فنجانيّ قهوة، وضحكا بعدما ظننت أنهما لن يتعاملا معاً بعد هذا اليوم.
قلت له «لو كنت أنا الذي يشتري لوافقت على الثمن الذي طلبه البائع، وخصوصاَ بعد القَسم الذي أقسمه، فإما أن أشتري أو أن أنسحب».
فقال لي «منذ الآن، إذا أردت أن تشتري غرضاً أخبرني فأشتريه لك، أنت لا تعرف كيف المساومة، ودائماً تدفع أكثر، أنت بالنسبة للباعة أفضل زبون».
حتى هذه اللحظة لا أفهم المنطق الذي يجعل تاجراً يقسم بالله ثم يبيع بثمن أقل.
أتساءل هل خسر في الصفقة؟
لا يوجد تاجر يبيع بخسارة، لا بد أنّه ربح القليل، كذلك قد يكون بحاجة إلى سيولة نقدية اليوم أو خلال أيام قليلة، فيبيع البضاعة برأس مالها، أو حتى بخسارة طفيفة كي يفي بالتزامات ولا يخسر ما هو أكبر.
لهذا السبب أيضاً تطلب زوجتي مني أن لا أتدخل عندما أرافقها لشراء قطعة أثاث أو ما شابه للبيت، لأنني أريدها أن تنهي الصفقة ببضع كلمات، ويدي على دفتر الشيكات، بل وأقول «هذه المفاصلة الطويلة تنزع البركة من ربح التاجر، وهذا حرام».
أفضّل المتاجر التي تعلّق الثمن على البضاعة، ولا تتيح أي نوع من المساومات، فإما أن تشتري أو لا.
لي قريبة معروفة بـ «شطارتها»، وبأنها تعصر التاجر عصراً، رغم أنها ميسورة جداً، وتجيد هذا «الفن» وتفخر بإنجازاتها، ولكنها عندما طبّقت نظريتها وعلومها في متجر لبيع الملابس في إحدى المدن الإيطالية خلال رحلة استجمام، تعرّضت للتوبيخ وحتى للطرد من المتجر.
في السوق، لا يُقاس الكلام بصدقه، بل بقدرته على دفع الصفقة إلى الأمام.
وفي السياسة، لا تختلف القاعدة كثيراً.
حين أنظر إلى المفاوضات بين إيران وأمريكا منذ سنوات، أتخيل المفاوضين مثل أولئك الشطّار في المفاصلة.
يعلن طرف أنه لن يتنازل أبداً عن هذا الشرط.
ويرد الآخر «هذا خط أحمر لا يمكن تجاوزه».
ترتفع السقوف، وتُصاغ العبارات التي تبدو نهائية، وتغادر الوفود غاضبة، بينما يعرف الطرفان، في العمق، أن هذه ليست النهاية، بل البداية.
الذي يتابع هذه المفاوضات بعين الزبون الساذج سيصاب بالحيرة، كيف يعلن طرفٌ موقفاً صارماً صباحاً، ثم يقبل بتعديله في اليوم التالي!
كيف تتحول الخطوط الحمراء إلى نقاط قابلة للنقاش؟
من ينظر بعين المساوِم الخبير يرى مشهداً مألوفاً، هذه ليست تناقضات، بل مراحل.
الولايات المتحدة ترفع سقف العقوبات والضغوطات وتُقدم أساطيلها، وإيران ترفع سقف التحدي والقدرة على امتصاص الضربات وعض الأصابع حتى بترها، ثم تبدأ لعبة الهبوط التدريجية الحذرة من الأعالي، حيث يبدو كل تنازل إنجازاً، بينما يكون في الحقيقة عودةً نحو نقطةٍ كانت معروفة ضمناً منذ البداية.
هنا يظهر فن التفاوض بوصفه الوجه السياسي لشطارة السوق.
رفع سقف التهديد إلى أقصاه بمثل تصريح ترامب بأنه «سيمحو حضارة إيران بعد ساعات، ولكنه يفضل أن لا يفعل ذلك»، ثم التراجع المدروس لاحقاً، وصناعة شعور بالنصر لدى الجمهور الداخلي. في حالة ترامب وجنون العظمة، فإن المطلوب هو إقناع العالم بأنه هو الذي يقرر مصير كل صغيرة وكبيرة في هذا الكوكب، ويبدو أنه على وشك إعلان نفسه إلهاً وليس مبعوثاً من قبل الرب فقط.
في المقابل، تقول القيادة الإيرانية إن حضارة عمرها آلاف السنين لن تقبل الرضوخ لسياسة الابتزاز وفرض الأمر الواقع، مهما كان الثمن الذي دفعته وستدفعه، وهذا يلقى تجاوباً لدى شعبها.
الزبون الساذج في هذا السياق هو الرأي العام الذي يصدق كل تصريح بوصفه موقفاً نهائياً، لا خطوة في مسار مدروس.
الثمن الحقيقي يُبنى تدريجياً، عبر شدٍّ وجذب، وعبر لغةٍ تعرف كيف تُخفي أكثر مما تُظهر.
لكن الفرق الجوهري بين السوق والسياسة، أن الخطأ هنا لا يُقاس بالمال، بل بمصائر شعوب وبشر.
في السوق، قد تخسر أو توفّر بعض المال، أما في السياسة فقد تخسر شعوب سنوات من استقرارها ومن أرواح أبنائها ومقدّراتها، أو تربح شأناً مصيرياً له ما بعده على مستقبلها ومكانتها بين الأمم وفي نظرتها إلى نفسها.
تبدو المفاوضات كأنها تناقض مستمر، وخصوصاً أن «الصفقة» باتت سياسة، والخطير أن التاجر الذي يعرض الصفقات يملك أدوات تدميرية غير مسبوقة في التاريخ، يتصرف كرئيس عصابة، يفرض الأثمان التي يطلبها لبضاعته وبضاعة غيره، ويحدد من هم الزبائن وأذواقهم، ومن يسمح له بالتجارة ومتى يفتح متجره ومتى يغلقه ومتى يهدّده بحرقه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *