السينما تنصف القطاع: الغزيون يحكون بعيونهم


لم يكن غياب غزة عن السينما الفلسطينية مبرَّراً قبل بدء الحرب الإبادية. هو غياب نسبي، بمعنى أنه حاضر لكنه محدود كماً، كما أن جزءاً معتبَراً من هذا الكم يعود إلى سينمائيين أجانب، وأن هذا الحضور الكمي متمركز في النوع الوثائقي لا الروائي. الغياب بشكله الفادح إذن هو في الفيلم الروائي الطويل الفلسطيني.
لذلك التفاوت بين الوثائقي والروائي فلسطينياً اعتباران أساسيان: بنيويّة وإجرائيّة، البنيوية تخص طبيعة النوع الوثائقي عموماً وعالمياً، وهو الأقرب إلى القضايا منه إلى القصص، السياسية تحديداً أو ذات البعد السياسي. وهذا ما يجعل من الفيلم الوثائقي مستثنَياً من تهمة أن غزة كانت غائبة عن السينما، أو أنها لم تحضر فيها بالقدر الملائم لحضورها في حياة الفلسطينيين وهمومهم وشؤونهم، أينما حلّوا.
الفيلم الوثائقي ملتزم بالواقع كذلك تاريخياً وجغرافياً. نعرف، تاريخياً، أن الفيلم السياسي المشتبك مع الواقع، أو أشد أنواع الأفلام اشتباكاً وهو الفيلم النضالي، أنه فيلم وثائقي لا روائي. ونعرف أنه، جغرافياً، السينما الوثائقية بموضوعها الغزّي كانت في الأعوام الأخيرة، بقدرٍ ملحوظ ومعتبَر، بصناعة أجنبية. وفي هذا العام فقط، كان الوثائقي «غزة: أطباء تحت النار» (Gaza: Doctors Under Attack) لكريم شاه، الذي نال جائزة بافتا لأفضل فيلم بمواضيع راهنة، ثم كانت أفلام في مهرجان «فيغرا» للوثائقيات في فرنسا، ونالت الوثائقيات «داخل غزة» (Inside Gaza) لهيلين لام ترونغ الجائزة الكبرى، و»شظايا حرب» (Fragments de guerre) لسولين شالفون فيوريتي جائزة لجنة التحكيم الخاصة، و»غزة سلاح الجوع» (Gaza, l’arme de la faim) لفاني موريل وجيريمي بير تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم. وتشمل لائحة الأفلام عناوين أخرى.
إضافة إلى ذلك، حالات التضامن الأخيرة التي أظهرتها مهرجانات السينما الأوروبية، مثلاً، كانت، حصراً، نوعاً ما، في مهرجانات أفلام وثائقية، مثل مهرجان «إدفا» في أمستردام الذي قاطع العام الماضي المؤسسات السينمائية الإسرائيلية، كما أن مهرجان «سينما دو رييل» في باريس نظّم هذا العام عروضاً خاصة بفلسطين وبعضها لأفلام الثورة الفلسطينية. حتى في المهرجانات الكبرى، كان الالتفات إلى غزة أساساً بأفلام وثائقية، وتمركزت في أقسام موازية للمهرجان استوعبت أفلاماً كانت وثائقية.


لنبقَ إذن في الوثائقي، فما شهدته الأعوام الأخيرة وما يشهده هذا العام تحديداً، يؤكد أولوية الفيلم الوثائقي في الكلام السينمائي الغزّي، وأولوية الحالة الغزية في الكلام السينمائي الوثائقي. لكن، يبقى من بين عدد لا بأس به من الوثائقيات، فيلم هنا أو هناك يغلب عليه الطابع الانتهازي في التعجّل بصناعةِ أياً يكن عن غزة استفادةً من حالة التضامن السينمائية العالمية بالتزامن مع الحرب الإبادية، بعضها متستّراً بـ»التجريبية»، يتكئ على نبش لقطات من الأرشيف وتركيبها إلى بعضها بأمان في مخابر أوروبية. بخلاف هذه التجارب الخائبة في الموضوع الغزي سينمائياً، لدينا اتّجاهان جديران بالتناول: أفلام يصنعها أجانب، أُنجزت بالمخاطرة، بالوجود للمخرج، أو شخوصه في قطاع تحت سماء كان الركام والدمار ينهمر منها على أرض ممحوّة، مع اهتمام خاص أولاه السينمائيون الأجانب إلى القطاع الطبي في غزة، مثل «دعم الحياة» (Life Support) لدانييل روغو المشارك في مهرجان شيفيلد للوثائقيات هذا العام، و»طبيب أمريكي» (American Doctor) لبوه سي تنغ المشارك في مهرجان سندانس هذا العام كذلك. هي أفلام فعلاً عن غزّة، مكرَّسة لغزّة، وليست أفلاماً يتوسّل مخرجُها غزّةَ ليصوّر نفسه ويتحدث عنها، عن نفسه.
الحالة الأخرى، وهي الأهم، وهي الجوهرية وما يمكن أن تكون إضافة نوعية في مسار السينما الفلسطينية، فهي السينما التي يصنعها الغزيون بأنفسهم. لسنا هنا في صدد سينمائيين يسردون عن غزة، بل يسردون من غزة، حاملين الكاميرا لسرد القصة من داخلها، من الخيمة الممزقة والمبنى المهدَّم والطرق الممحوَّة.
أكتب هذه الأسطر أمام أربعة أخبار سينمائية غزّية كل منها يردّ الروح، أو بعضاً منها إلى مسار السينما الفلسطينية، أولها أحدثها، اختيار سويسرا لفيلم عن قطاع غزة لتمثيلها في جوائز الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم دولي، ما يعني أن إتاحة شاسعة ستتوفر لهذا الفيلم في المشاهدة، وصل إلى الترشيحات النهائية أم لم يصل. ونذكر أن فيلم «غزة من المسافة صفر» قد وصل إلى القائمة القصيرة لهذه الترشيحات ممثلاً فلسطين، ناقلاً قصصاً محلية وبمصداقية عالية، تستعيد للغزيين إنسانيتهم سينمائياً. كما نعلم أن فيلم «لا أرض أخرى» الذي تناول قضية مسافر يطا والإرهاب الاستيطاني هناك، قرب مدينة الخليل، وصل ونال أوسكار أفضل فيلم وثائقي. هذا الوصول يتيح للحالة الفلسطينية ما تعوزه بإلحاح، أي المرئية، بل تحديداً المرئية بأصوات أهلها.


الفيلم السويسري بعنوان «من لا يزال على قيد الحياة» (Who is Still Alive)، أخرجه نيكولا واديموف صاحب فيلمين آخرين عن فلسطين هما، «عايشين» (2010) الذي تناول قطاع غزة بعد الحرب الإسرائيلية عليه عام 2008، و»أبولو غزة» (2018) الذي تناول قصة العثور على تمثال إغريقي في سواحل القطاع. أما فيلمه الأخير، الذي شارك العام الماضي في قسم «أيام المؤلفين» لمهرجان فينيسيا السينمائي (ذات الدورة التي نال فيها «صوت هند رجب» لكوثر بن هنية الأسد الفضي)، فيتبع حياة تسعة فلسطينيين تمكنوا من مغادرة القطاع خلال الحرب الإبادية عليها.
لهذا الفيلم رجعة في مقالة خاصة، بل لباقي الأفلام الجديدة، لباقي الأخبار السارة، وثاني هذه الأخبار، ولا يقل عن أولها أهمية، هو سلسلة أفلام وثائقية قصيرة بعنوان «غزاويات»، تنقل الصورة الغزية بكاميرا غزية، وهذه أهميتها، وأهمية الفيلمين، الخبرين، التاليين. «غزاويات» هي سلسلة أفلام وثائقية قصيرة تتبع الحالات والقصص غير المروية والمرئية لنساء غزة من قلب الحرب الإبادية. خصوصية هذه السلسلة المكونة من أربعة أفلام، تكمن في أنها أصوات غزية، مبحوحة ومجروحة، أفلام تنضح عفوية وصدقية، بلهجات غزّية صافية. هو حال سلسلة أفلام «غزة من المسافة صفر» بجزأيه، إذ كانت الكاميرا واليد التي تحركها والعين التي ترى من خلالها، وعموم الصناعة، غزّية تحكي من البلاد وفيه لا عنه وحوله.
الفيلمان الآخران، الخبران الساران، يجمعان بين الخبر الأول وهو الوصول إلى منصات عالمية لطرح السردية الفلسطينية، وبين الثاني في أن يكون هذا الوصول خارجاً من غزة، لا خارجاً عنها.
أولهما هو الوثائقي «المواطن أسامة» لأحمد حسونة، الذي سيشارك في القسم الرسمي ذي الاعتبار الخاص، «خارج المسابقة»، في مهرجان فينيسيا السينمائي الشهر المقبل. يحكي الفيلم عن مصور فوتوغرافي فنّي حوّله الظرف الإبادي إلى مصوّر حربي وثائقي، محاولاً نقل حياة غزّية لا تخلو لحظاتٌ منها، مع زوجته وطفله، من القتال للبقاء على قيد الحياة، لكن تحديداً للبقاء على كرامة إنسانية في هذه الحياة. وله، للضرورة، وللفيلم التالي، أكثر من عودة. للفيلمين مساهمة خاصة في حضور السينما الفلسطينية بنسختها الغزّية، بما وصلته وبما أوصلته، وذلك في مهرجانين بأهمية فينيسيا أو تورنتو.
هذا الفيلم الثاني، أو الرابع والأخير من بين الأخبار السارة هنا، «غزة 13»، فهو فيلم روائي، كسر بعض ما في الحالة التي بدأتُ بها المقالة، عن غياب غزة المحبِط في السينما الروائية وحضورها المفرِح في الوثائقية. هنا فيلم هو الروائي الأول لمخرجه حسام أبو دان، ومن غزة، منطلقاً منها، حاملاً إياها، إلى مهرجان تورنتو السينمائي هذا العام، في قسم «لايْتبوكس». يحكي الفيلم عن أب وابنته في مخيم غزّي، مقدّماً صورة إنسانية عالية في ظرف غير إنساني واطئ. الفيلم حالة يعزّ وجودها في سيرة السينما الروائية الفلسطينية، حيث تكون القصة والشخصيات غزية.
لا بد من العودة إلى كل من هذه الأفلام الأربعة، الأخبار السارة، بمقالات منفصلة، فكل منها حدثٌ بحد ذاته، كل منها نافذة شاسعة يحكي فيها فلسطينيون عن أحوالهم الناجية، عن قطاعهم المباد، بأصواتهم، بعيونهم. نشاهد غزة هنا بعيون أهلها، عيون لم تطفئها الحرب.

كاتب فلسطيني/ سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *