الخرطوم ـ «القدس العربي»: وقعت الحكومة السودانية مع السعودية، الإثنين، وثيقة إنشاء مجلس للتنسيق بين البلدين، وسط نقاشات بين الجانبين لحماية البحر الأحمر. وبالتزامن تصاعدت المواجهات على جبهات القتال في ولايات كردفان وإقليم النيل الأزرق، وسط استمرار موجات النزوح من مدينة قيسان جنوب شرق البلاد بعد اجتياح «الدعم السريع».
ووقع وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان الوثيقة في الرياض، بحضور مسؤولين من البلدين.
وقالت وكالة الأنباء السعودية إن المجلس يأتي بهدف رفع مستوى التعاون بين السعودية والسودان ضمن إطار مؤسسي يجمع الجهات الحكومية في البلدين ويعزز التنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك.
ويأتي إنشاء المجلس بعد مسار من الاتصالات السياسية بين الرياض والخرطوم، كان من أبرز محطاته لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض في ديسمبر/ كانون الأول الماضي. وأعلن البرهان في يناير/ كانون الثاني الماضي إنشاء المجلس تمهيداً لاستكمال الاتفاقات والإجراءات اللازمة لإطلاقه بصورة رسمية.
ويرتبط الأمن البحري في البلدين بأمن سواحل البلدين المطلة على البحر الأحمر، وتأمين الملاحة الدولية. وقال وزير الخارجية السوداني إن لدى بلاده خططاً وبرامج لحماية البحر الأحمر، في وقت تتزايد فيه المخاطر الأمنية على طرق الملاحة في المنطقة.
وتزامن توقيع الاتفاق مع تحركات خارجية سودانية أخرى، حيث زار رئيس هيئة الأركان السودانية الفريق ياسر العطا أنقرة والتقى مسؤولين أتراكاً، في سياق اتصالات متزايدة بين الخرطوم وكل من السعودية وتركيا، في ظل توجه مشترك لتعزيز التنسيق الأمني حول البحر الأحمر، فيما تستمر الحرب داخل السودان.
ولا يقتصر نطاق المجلس السوداني السعودي على الأمن، بل يشمل ملفات سياسية واقتصادية واستثمارية وإعادة الإعمار في ظل أضراراً واسعة بالبنية التحتية والخدمات في السودان بسبب الحرب المندلعة منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023.
وقال القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، حاتم السر، إن توقيع البلدين على وثيقة إنشاء مجلس التعاون والتنسيق الاستراتيجي، ينقل العلاقة بين السودان والسعودية إلى ما هو أعمق وأبعد من الجانب السياسي.
ورأى أن الوثيقة تأتي في إطار شراكة استراتيجية مباشرة بين البلدين.
وبالتزامن مع التحرك الدبلوماسي في الرياض، تتصاعد عمليات القتال في ولايات كردفان وإقليم النيل الأزرق، حيث أدت الهجمات إلى موجات نزوح جديدة.
وحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من استمرار العنف في شمال كردفان، وقال إن السلطات المحلية أفادت بمقتل أكثر من 13 مدنياً وإصابة آخرين في اشتباكات في منطقة أم عردة. كما أدى تصاعد القتال إلى تعليق العمليات الإنسانية والخدمات الصحية في المزروب، التي تواجه تفشياً للكوليرا.
ويستقبل مستشفى المزروب عشرات الحالات للإصابة بالكوليرا والإسهالات المائية، بينما يعمل القطاع الصحي في ظروف شديدة الصعوبة بسبب استمرار القتال ونقص الموارد.
وتأتي هذه التطورات خلال موسم الأمطار، الذي يزيد صعوبة نقل المساعدات والوصول إلى المناطق المتضررة ويرفع مخاطر انتشار الأمراض المنقولة بالمياه.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذرت في وقت سابق من أن الأمطار والفيضانات في السودان تزيد مخاطر الكوليرا والملاريا وأمراض أخرى، في ظل ضعف أنظمة المياه والصرف الصحي وتضرر الخدمات الصحية.
وفي إقليم النيل الأزرق، تتزايد أعداد الفارين من مناطق القتال في اتجاه مدينة الدمازين عاصمة الإقليم ومناطق أخرى أكثر أمناً نسبياً.
وقالت شبكة أطباء السودان، الثلاثاء، إن أكثر من خمسة آلاف نازح وصلوا إلى الدمازين من منطقة قيسان بعد الهجمات الأخيرة، وإن النازحين يواجهون نقصاً في الغذاء والأدوية ومواد الإيواء ومياه الشرب.
وأفادت بأن آلاف الأسر غادرت قيسان خلال الأيام الماضية، ووصلت إلى مخيمات ومناطق تجمع داخل الإقليم.
وتضاعف الأمطار معاناة النازحين، خصوصاً في أماكن الإيواء غير الرسمية، حيث تزداد احتمالات تلوث مصادر المياه وانتشار الأمراض، بينما تواجه السلطات والمنظمات الإنسانية صعوبات في الوصول إلى بعض المناطق بسبب الوضع الأمني.
وفي العاصمة الخرطوم، أعاد وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم طرح ملف الترتيبات الأمنية ومستقبل القوات المسلحة بعد الحرب.
وقال إبراهيم، خلال تخريج دفعة جديدة من قوات الحركة في أمدرمان، إن الحركة جاهزة لتنفيذ الترتيبات الأمنية قبل نهاية الحرب، داعياً إلى توحيد القوة العسكرية وحصر السلاح في يد الدولة.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب جيشاً واحداً منضبطاً بالدستور، رافضاً العودة إلى تجربة تعدد الميليشيات. كما دعا إلى وقف الحرب وإنقاذ أرواح الشباب، وقال إن القوات المسلحة والقوات المساندة لها لا تستهدف قبيلة أو مكوناً اجتماعياً بعينه.
وأكد ممثل رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد القادر عجبنا، أن القوات المسلحة ستستكمل الإجراءات الإدارية لمنح القوات المتخرجة «النمرة العسكرية»، تمهيداً لعملية الاندماج في الجيش. ووقعت العدل والمساواة ضمن مجموعة من الحركات المسلحة اتفاق سلام مع الحكومة السودانية في عام 2020، فيما تأخر تنفيذ الترتيبات الأمنية بالتزامن مع اندلاع الحرب.
ويأتي النقاش حول الترتيبات الأمنية بالتزامن مع تداول حول الحوار السوداني ومرحلة ما بعد الحرب.
وفي السياق قال إبراهيم إن حركة العدل والمساواة مستعدة للاندماج في الجيش، بينما تطرح الحكومة حصر السلاح في مؤسسة عسكرية واحدة، لتسوية مشكلة تعدد القوات المسلحة في السودان قبل وأثناء الحرب.
أزمة إنسانية متفاقمة
وتأتي هذه التحركات السياسية والعسكرية فيما يواصل القتال المحتدم دفع المدنيين إلى النزوح من مناطق القتال.
وفي ظل المعارك المحتدمة، استقبلت مناطق بينها مدينة الدمازين عاصمة النيل الأزرق أعداداً كبيرة من الفارين من القتال، بينما شهدت ولايات كردفان موجات نزوح متلاحقة مع انتقال المواجهات إلى مناطق جديدة.
وتحذر المنظمات الإنسانية من أن استمرار العمليات العسكرية يحد من قدرتها على الوصول إلى المدنيين، خاصة في المناطق التي تتغير فيها السيطرة العسكرية بصورة متكررة. ويضاف إلى ذلك نقص التمويل وتضرر المستشفيات وشبكات المياه والطرق.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت أن السودان شهد انتشاراً واسعاً للمرض، مع تسجيل حالات في جميع الولايات خلال أحدث موجة تفشٍ موثقة لديها، محذرة من أن موسم الأمطار والفيضانات والنزوح واكتظاظ أماكن الإيواء قد تزيد انتقال العدوى.