غزة- “القدس العربي”: رغم تطلع الفلسطينيين إلى سقوط حكومة اليمين الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو، “عقابا” على سياساتها وممارساتها التي طالت مختلف مناحي الحياة الفلسطينية، من الحرب المستمرة على قطاع غزة إلى التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، فإن النتائج الأولية لانتخابات “الكنيست”، التي أظهرت تقارباً بين المعسكرين المتنافسين، لم تحظَ باهتمام يُذكر لدى كثيرين منهم. وانصبّ الاهتمام أساساً على النتائج الإيجابية التي حققتها القائمتان العربيتان، وسط آمال بأن تشكّل قوتهما البرلمانية سداً أمام أي سياسات عدائية جديدة قد تتبناها حكومة إسرائيلية مقبلة ضد الفلسطينيين.
ورغم التجارب السابقة للسلطة الفلسطينية مع حكومات إسرائيلية لم تكن من اليمين، بل تشكّلت خلال العقدين الماضيين من أحزاب الوسط واليسار، من دون أن تمنح الفلسطينيين أياً من حقوقهم المشروعة، على غرار حكومات بنيامين نتنياهو المتعاقبة، فإن النتائج الأولية التي بدأت بالظهور عقب إغلاق صناديق الاقتراع حظيت باهتمام في أوساط القيادة الفلسطينية.
وأكد مسؤول في حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، التي تقود السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، أن القيادة السياسية تابعت النتائج أولاً بأول، إدراكاً منها لانعكاساتها على مختلف الصعد.
وأوضح المسؤول، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن المتابعة الأولية لم تركز على نتائج أي من المعسكرين المتنافسين على تشكيل الحكومة، بقدر ما انصبت على ما أظهرته النتائج من تقدم للقائمتين العربيتين، مع توقع حصولهما على ما بين 17 و18 مقعداً، وهي حصيلة غير مسبوقة.
وأشار إلى أن الكتل العربية ستكون، على الأرجح، عاملاً حاسماً في المرحلة المقبلة، إذ قد تصبح أصواتها ضرورية لاستكمال الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة الجديدة، في ظل عدم تمكن أي من المعسكرين المتنافسين، سواء اليمين أو الوسط واليسار، وفقاً للنتائج الأولية، من بلوغ أغلبية النصف زائد واحد، أي 61 مقعداً على الأقل من أصل مقاعد “الكنيست”.
ورأى المسؤول أنه، رغم أن غادي آيزنكوت لم يُظهر العداء نفسه الذي أبداه بنيامين نتنياهو والأحزاب اليمينية تجاه السلطة الفلسطينية، ولم يطالب بحلها، بل رفض اللجوء إلى هذا الخيار، فإن وجود كتلة عربية قوية يظل مهماً للحد من تشدد أي ائتلاف حكومي مقبل في تعامله مع الملف الفلسطيني، بما قد يجعلها عاملاً ضاغطاً لضمان عدم تبني سياسات أكثر عدائية تجاه الفلسطينيين.
لكن المسؤول أكد أن “المفاجآت” قد تظهر في أي لحظة، وتعيد رسم المشهد السياسي الإسرائيلي، من خلال احتمال تحالف الكتلتين الرئيسيتين بقيادة بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت، وتشكيل حكومة يتناوب الرجلان على رئاستها. واعتبر أن هذا السيناريو يظل وارداً، مستشهداً بتجارب سابقة في إسرائيل، حين شُكّلت حكومات بالتناوب بين رئيسيْن، بهدف “إفشال قوة الصوت العربي”.
إشادة بنتائج القوائم العربية
وكان ماهر النمورة، المتحدث باسم حركة “فتح”، قد نشر، عقب إعلان النتائج الأولية، منشوراً على “فيسبوك” أرفقه بصور تجمعه مع أيمن عودة وأحمد الطيبي، من قيادات القائمة العربية، قال فيه: “عشتم وعاش شعبنا الفلسطيني الأبي وعاشت وحدة الجماهير العربية في الداخل”، مشيداً بالنتائج التي حققتها القوائم العربية في الانتخابات.
وفي تصريحات لقناة “القاهرة الإخبارية”، وجّه النمورة التحية إلى الفلسطينيين في الداخل المحتل، قائلاً: “تحية لأهلنا في الداخل المحتل للتصويت للقوائم العربية لإسقاط حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف”.
وأكد النمورة ضرورة رحيل الحكومة الإسرائيلية اليمينية، على خلفية السياسات التي انتهجتها تجاه الشعب الفلسطيني.
وذكرت قناة “i24news” الإسرائيلية أنه على مستوى القيادة والنخبة السياسية الفلسطينية، هناك رغبة واضحة في رؤية حكومة معارضة تقود المشهد وتطيح بنتنياهو وائتلافه الحكومي، وتحديداً إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
وذكرت القناة أن السلطة الفلسطينية ترى أن صعود شخصيات مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير غولان، من حزبَي “العمل” و”ميرتس”، بدعم من الأحزاب العربية، يمكن أن يعيد فتح أفق سياسي ويهيئ الأجواء لرعاية دولية تتيح العودة إلى مفاوضات مرحلية وتكتيكية جديدة، وكذلك تجنب تفكيك السلطة، ومواجهة التوجهات الحالية للحكومة الإسرائيلية التي تستهدف إضعاف دور السلطة الفلسطينية أو إنهائه.
البرغوثي: صعود غير مسبوق للأحزاب العربية
وكان السياسي الفلسطيني الدكتور مصطفى البرغوثي، الأمين العام لحركة “المبادرة الوطنية الفلسطينية”، قد أكد في أعقاب ظهور النتائج الأولية أن المجتمع الإسرائيلي اليهودي “اتجه بشكل حاد نحو العنصرية المتطرفة ونحو الفاشية”، مشيراً إلى أن هذا ما يفسر النتائج التي ظهرت في الانتخابات.
واتهم البرغوثي نتنياهو بأنه مارس دور اللص في سرقة الأصوات من الأحزاب المتحالفة معه، كي يجعل حزبه الأكبر، بحيث يُكلَّف بتشكيل الحكومة.
وفي منشور على على “فيسبوك”، أكد البرغوثي أن “الشيء الآخر المذهل هو هذا الصعود الرائع لأصوات الأحزاب العربية”، مشيراً إلى أن وصولها إلى 17 مقعداً يمثل أمراً “غير مسبوق على الإطلاق”.
وقال “القوة الوحيدة التي تقاوم الفاشية والعنصرية في إسرائيل هي الفلسطينيون العرب المقيمون هناك، مثلما أن القوة الوحيدة التي تواجه في الضفة الغربية هؤلاء المستوطنين، وإرهاب المستوطنين، والاعتداءات التي يقوم بها المستوطنون بإنشاء مستوطنات جديدة، وإرهاب الجيش الذي يمارس الآن في مدينة الخليل بشكل وحشي، هم الفلسطينيون”.
وأضاف: “الرابط بين ما يجري في الضفة الغربية وما يجري في غزة هو الصمود البطولي للشعب الفلسطيني في وجه حرب الإبادة، وما فعله أهلنا وشعبنا في الداخل الآن هو شيء واحد، كله نضال مشترك وموحد”.
اتصالات فلسطينية وتحركات دبلوماسية
ولم يصدر أي تصريح فلسطيني رسمي يعلق على نتائج الانتخابات الإسرائيلية، خشية استغلال أحزاب اليمين الأمر لإثارة الحديث حول تدخل الفلسطينيين في النتائج، غير أن سلسلة اتصالات مهمة أجراها مسؤولون كبار في مؤسسة الرئاسة مع دول محورية إقليمية ودولية، تركزت على المطالبة بتدخل عاجل بعد الانتخابات، من أجل الوقوف في وجه السياسات اليمينية الإسرائيلية.
وذكر المصدر أن العديد من الدول التي دعتها القيادة الفلسطينية سابقاً إلى التدخل، وتحديداً من أوروبا، كانت تؤكد صعوبة تحقيق صدى لهذه التدخلات خلال الفترة الماضية، التي احتدمت فيها الدعاية الانتخابية، واستغلت فيها أحزاب الائتلاف اليميني الحاكم الهجوم على السلطة الفلسطينية وتصعيد الوضع في غزة لكسب أصوات الناخبين.
ومن المتوقع أن تلجأ القيادة الفلسطينية، بعد انتهاء الانتخابات وصدور النتائج النهائية، إلى الإدارة الأمريكية، لتطلب منها أيضاً التدخل لوقف الاعتداءات والسياسات الإسرائيلية الحالية التي تستهدف الفلسطينيين، وذلك في ضوء اللقاء الذي عُقد قبل أسبوعين بين نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ ونائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي جيك مكغي والمنسق الأمني الأمريكي الفريق شون سالين.
وكان الشيخ قد أكد أن سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها حكومة الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني تستوجب إدانة دولية واضحة، وتحركاً جاداً من المجتمع الدولي لوقف هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وشدد، في منشور على منصة “إكس”، على ضرورة ضمان عدم إفلات المسؤولين عن هذه الانتهاكات من العقاب، وفقاً للقانون الدولي، مؤكداً أنه لا يجوز أن يبقى شعب بأكمله رهينة لسياسات العقاب الجماعي، أو أن تمر معاناة المدنيين دون مساءلة أو محاسبة.
فصائل فلسطينية: لا رهان على نتائج الانتخابات
وفي السياق، أكدت “لجان المقاومة في فلسطين” أن الانتخابات الإسرائيلية هي “شأن داخلي للاحتلال، ولا تعني الشعب الفلسطيني نتائجها”.
وأكدت، في تصريح صحافي، أن الأحزاب الإسرائيلية بمختلف توجهاتها “تمثل منظومة احتلال واحدة تتكامل أدوارها في مواصلة العدوان والاستيطان والتهجير بحق الشعب الفلسطيني”.
وأشارت إلى أن تبدل الحكومات وتغير الوجوه وصعود الأحزاب “لن يغير جوهر المشروع الصهيوني القائم على اغتصاب الأرض وتهويد المقدسات وطمس الهوية الوطنية الفلسطينية ونهب مقدرات الشعب الفلسطيني”.
وأكدت أن الشعب الفلسطيني لا يراهن على صناديق اقتراع الاحتلال، ولا يستجدي حقوقه من أحزابه، مشيرة إلى أن الحقوق الوطنية والتاريخية الفلسطينية ثابتة، وأن مصير الشعب الفلسطيني “لن يقرره الناخب الإسرائيلي، بل إرادة الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه وحقوقه المشروعة”.
وأكدت كذلك تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه في الحرية والعودة والتحرير، ومواصلة مقاومته حتى انتزاع حقوقه وإنهاء الاحتلال.
وقالت: “الرهان الحقيقي يكمن في صمود الشعب الفلسطيني وثباته ووحدته، وليس في هوية الفائز في الانتخابات الإسرائيلية”، مشددة أيضاً على أن “الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن إرادة الشعب الفلسطيني ستظل حاضرة في مواجهة محاولات تصفية قضيته واقتلاعه وتهجيره”.