الفصائل حصلت على عشرات المقاعد النيابية التي تؤهلها للمشاركة في الحكومة وإدارة وزارات سيادية، غير أن «الفيتو» الأمريكي على هذه المشاركة يضعها أمام خيارات محدودة.
بغداد ـ «القدس العربي»: بينما اختار سياسيون شيعة يمتلكون فصائل مسلحة منضوية في «الحشد»، وتمثيلاً سياسياً في مجلس النواب الاتحادي (البرلمان)، الانضمام للحكومة وطيّ صفحة السلاح، انصياعاً لرغبة أمريكية-عراقية تضمن عدم ملاحقتهم مستقبلاً، لا تزال الفصائل التي طالما عُرفت باستهداف المصالح الأمريكية، خصوصاً عقب أحداث «طوفان الأقصى» وما تبعه من حربٍ إسرائيلي-أمريكية ضد إيران، متمسكة بسلاحها.
في الأسبوع الماضي، أطلق وزير الصحة العراقي، القيادي في ائتلاف «الإطار التنسيقي» الشيعي، عبد الحسين الموسوي، تصريحات كشف فيها عن وصول رسائل أمريكية تفيد صراحة بوجود «فيتو» على مشاركة الفصائل في حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي.
ويقول أيضاً: «الفصائل يعرفون جيداً أن المقاومة حاجة وليست وضيفة. هم لا يعترضون على حصر السلاح بل إنهم ينظرون إلى أهمية وجود هذا السلاح ومبرراته. هم بحاجة إلى تطمينات وتأكيدات بأنهم لم يعودوا بحاجة لهذا السلاح».
ووفق الوزير العراقي فإن «كثيرا من الرسائل وصلت من الأمريكان بشأن عدم إشراك الفصائل في الحكومة، وبأسماء صريحة»، مبيناً أن «الطرح الأمريكي هو أنهم لن يتدخلوا بتشكيل الحكومة وأن العراقيين أحرار في اختيار من يريدون في حكومتهم، لكن الأمريكان أخيار في التعامل مع هذه الحكومة من عدمه».
ويشير إلى أن «سبعة فصائل شملها الفيتو الأمريكي ومنعها من المشاركة في الحكومة»، لافتاً إلى أن «5 من هذه الفصائل أعلنت استعدادها لتنظيم السلاح وحصره بيد الدولة مقابل شروط».
والفصائل التي قررت خوض الانتخابات التشريعية الأخيرة، حصلت على عشرات المقاعد النيابية التي تؤهلها للمشاركة في الحكومة، وإدارة وزارات «سيادية»، غير أن «الفيتو» الأمريكي على هذه المشاركة يضعها أمام خيارات محدودة، أبرزها إقناع واشنطن بجديتها في إلقاء السلاح، أو الالتفاف على «الفيتو» الأمريكي وتسليم حصّتها الوزارية لشخصيات لا ترتبط بها «في العلن» بأي علاقات.
وأبدى زعيم حركة «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، وهو أحد قادة ائتلاف «المقاومة الإسلامية»، أكثر مرونة بشأن التمسّك بـ«السلاح» كـ»خيار وحيد» لحركته التي حصدت ما لا يقل عن 25 مقعداً نيابياً في هذه الدورة الانتخابية.
وشدّد الخزعلي، خلال خطبة صلاة العيد في بغداد، على أن مشروعهم «مشروع دولة وسيادة واستقرار، لا مشروع سلطة وفوضى»، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب «الانتقال نحو ترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز دورها في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية».
وحسب رؤية الخزعلي فإن «كلاً من المقاومة والعمل السياسي يمثلان مسارين متكاملين يمكن الجمع بينهما بحسب متطلبات المصلحة الوطنية والتحديات القائمة»، حسب قوله.
وأوضح أن «مفهوم الدولة يقوم على ثلاثة عناصر أساسية: الأرض (الوطن)، والأفراد (الشعب)، والقانون (المؤسسات)»، مشدداً على ضرورة أن «تكون هذه العناصر محور أي مشروع وطني، ولا سيما لدى القوى السياسية».
وبيّن أن «تجربة (المقاومة) جاءت أساساً من أجل تحرير الوطن واستعادة السيادة»، لافتاً إلى أن «الانخراط في العمل السياسي والانتخابات والمشاركة في الحكومة كان يهدف إلى تقديم نماذج قادرة على الإصلاح والتأثير في بناء الدولة من داخل مؤسساتها».
ويرى الخزعلي اليوم أن «اختزال أي مشروع وطني في جانب واحد، سواء كان عسكرياً أو سياسياً، يمثل فهماً غير مكتمل لطبيعة المرحلة».
وأضاف أن «طبيعة المرحلة السابقة كانت تتطلب أولوية العمل العسكري الميداني، في حين أن المرحلة الحالية تفرض التركيز على بناء المؤسسات، ومحاربة الفساد، وتعزيز القرار الوطني، إلى جانب العمل السياسي والخدمي، ضمن المبادئ ذاتها التي انطلقت منها المقاومة».
ويتوافق طرح «العصائب» هذا مع مواقف مشابهة لفصائل أخرى منضوية في «الإطار» و«الحشد» و«المقاومة»، مثل منظمة «بدر» وكتائب «حزب الله» التي دخلت العمل السياسي رسمياً بكتلة «حقوق» النيابية، وكتائب «الإمام علي» وآخرين.
لكن في الطرف المقابل، لم تُبد فصائل أخرى أي مرونة في التخلي عن سلاحها، مثل كتائب «سيد الشهداء»، بزعامة أبو آلاء الولائي، رغم مشاركتها في الانتخابات الأخيرة أيضاً.
ويشير المتحدث باسم كتائب «سيد الشهداء»، كاظم الفرطوسي، في تصريحات صحافية محلية، أن «كتائب سيد الشهداء تنظر بإيجابية إلى دعم رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، فيما يتعلق بإدارة الدولة وتحقيق الاستقرار، لكنها في الوقت ذاته ترفض فكرة تسليم السلاح في المرحلة الحالية».
وأوضح أن «سلاح المقاومة ليس شخصياً، بل يرتبط بوجود تهديدات وخطر مستمر على العراق»، مضيفاً أن «الفصيل لن يسلّم سلاحه ما دام هناك احتلال وخروقات تمس السيادة العراقية».
كما انتقد الفرطوسي، فكرة «دمج جميع التشكيلات المسلحة ضمن الأجهزة الأمنية بشكل مباشر»، موضحاً أن «لكل جهة اختصاصها، وأن أي نقاش بشأن الانخراط الكامل في مؤسسات الدولة يرتبط بظروف أمنية وسياسية محددة»، على حد قوله.
وتُرهن الفصائل العراقية التخلي عن سلاحها مقابل نجاح الحكومة في تحقيق السيادة على كامل «أرض وسماء ومياه» البلاد، وعدم فسح المجال أمام التدخلات الخارجية-الغربية بشكل خاص- في القرار العراقي.
ومن بين الفصائل التي لا تزال تزال «قابضة على الزناد»، فصيل «سرايا أولياء الدم»، الذي اشترط خروج «المحتل» مقابل تسليم السلاح.
وذكر أبو مهدي الجعفري، الناطق العسكري باسم الفصيل في بيان: «لا تسليم للسلاح ولا حديث عن الطمأنينة، قبل أن يُرفع الظلم وينتهي الاحتلال عن العراق»، في إشارة إلى موقف الفصيل من وجود الجيش الأمريكي في البلاد.
وتابع الجعفري قائلاً: «في الحرب ينادوننا أبناء الأطايب، وفي السلم يتناسون أسماء الذين حموا الأرض».
ومع انشغال المسؤولين سواء في داخل العراق أو خارجه، بتسوية ملف «سلاح الفصائل»، أعلن تحالف «المحور المقاوم» الداعم لفصائل المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين واليمن، رفضه إلقاء السلاح لحين خروج القوات الأمريكية من الأراضي العراقية.
وفي بيان صحافي، ذكر التحالف «السياسي-العسكري» في العراق، أنه «تلقينا باهتمام بالغ البيانات الوطنية الدائرة حول مستجدات المشهد الأمني وما تضمنته من دعوات تتعلق بالفصائل وتسليم السلاح، وإننا إذ نستشعر ثقل المسؤولية التاريخية، نؤكد على حرصنا الثابت والمبدئي على المصلحة الوطنية العليا وسعينا الدؤوب لتعزيز أركان الدولة وهيبتها».
وأشار إلى أن «القراءة العميقة والموضوعية للواقع الإقليمي المعقد تفرض علينا استحضار طبيعة التحديات الوجودية والتهديدات المستمرة التي تستهدف سيادة العراق وأمنه»، مبيناً أن «أي تراجع في مستويات الجهوزية في لحظات الحشد والمواجهة قد يُفسر من قبل الأعداء على أنه ثغرة يُستغل فيها أمن الوطن ومستقبله».
وطبقاً للبيان فإن «سلاح المقاومة بتشكيلاتها العقائدية لم يكن يوماً منافساً للدولة أو بديلاً عنها بل كان وما يزال الظهير الاستراتيجي والسند الأساسي لقواتنا المسلحة البطلة. لقد أثبتت الميادين أن هذا السلاح هو صمام الأمان الذي ساند الدولة في أحلك الظروف وسيظل يداً ضاربة في وجه من يحاول المساس بسيادة العراق».
ولفت إلى أنه «في ظل استمرار التهديدات الخارجية وما يشهده المحيط الإقليمي من تحركات مريبة للقواعد الأجنبية فإن الحديث عن تفكيك قوى الردع في هذه المرحلة الحساسة يمثل مخاطرة استراتيجية كبرى»، منوهاً بأن «الانتهاكات المتكررة للسيادة العراقية واستهداف القادة والمقار العسكرية والأمنية يُعد دليلاً دامغاً على أن خطر التدخل الأجنبي ما زال جاثماً ما يحتم علينا الحفاظ على جهوزيتنا العالية كضرورة حتمية لحماية الدم العراقي والسيادة الوطنية».
ودعا التحالف في بيانه القوى الوطنية والفعاليات السياسية والشعبية وأعضاء مجلس النواب «للوقوف صفاً واحداً وتحمل المسؤولية التاريخية في هذا المنعطف الحاسم والتركيز على الهدف الأسمى المتمثل في إنهاء التواجد العسكري الأجنبي بشكل كامل وناجز وجدولة خروج القوات المحتلة حتى آخر جندي يطأ أرضنا».
وفيما أكد أن «السلاح الذي صان الأرض والعِرض سيبقى حاضراً كضمانة لردع أي عدوان، فلا تسليم للسلاح ما دام الخطر قائماً ولا تهاون في حماية سيادتنا ما دامت مخططات الاستكبار تحيك في الخفاء»، اعتبر أن «بقاء سلاحنا هو الضمانة الوحيدة لردع التحديات حتى يتحقق الجلاء الكامل وينعم عراقنا بسيادته المطلقة واستقلاله التام».