السعودية أمام تحدي الرد بعد الهجوم الحوثي الأكثر دموية منذ عقد  


باريس- “القدس العربي”: اعتبرت صحيفة لوموند الفرنسية، في تقرير لها، أن الهجوم الصاروخي الذي شنّه الحوثيون على مطار الملك خالد في الرياض، وأسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة 309 آخرين؛ يضع السعودية أمام تحدي اختيار الرد المناسب.

فمنذ أن أعلن التحالف الذي تقوده الرياض، في 5 أكتوبر الجاري، تقديم الدعم الجوي لعملية “فجر اليمن”، التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية ضد الحوثيين المدعومين من إيران، أصبحت المطارات السعودية مهددة أو مستهدفة بصورة شبه يومية بصواريخ وطائرات مسيّرة تُطلق من الجانب الآخر للحدود الجنوبية للمملكة.

يتبع الحوثيون استراتيجية واضحة: إذا لم يكن بإمكان أي طائرة الهبوط في مطار صنعاء، فلن يكون ذلك ممكناً أيضاً في المملكة العربية السعودية. إنه مبدأ “الحصار مقابل الحصار”. وقُتل عدد من الأشخاص خلال الأيام الأخيرة، من بينهم قائد طائرة في شركة الخطوط الجوية السعودية، كما تعرضت مطارات عدة، مثل مطارات أبها وجازان ونجران، لأضرار، في حين شهدت حركة الملاحة الجوية اضطراباً شديداً.

هذه الهجمات ليست جديدة. فمنذ أن بدأت السعودية دعم القوات الحكومية اليمنية في مواجهة الحوثيين، تتعرض المملكة بانتظام للاستهداف، الأمر الذي يكشف في كل مرة، وبصورة متزايدة، الصعوبات التي تواجهها في الدفاع عن أراضيها التي تزيد مساحتها على مليوني كيلومتر مربع. غير أن شدة هذه الضربات وتواترها شهدا مؤخراً تصعيداً ملحوظاً.

فمنذ الصيف، يشن الحوثيون هجمات منتظمة على المنشآت النفطية التابعة لمجموعة “أرامكو”، وعلى البنية التحتية المدنية والاستراتيجية، بما في ذلك الموانئ الحيوية، مثل ينبع. ومكّن الهجوم الخاطف الذي شنته الجماعة على الساحل الغربي لليمن من السيطرة على مضيق باب المندب، الواقع عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر.

 ومنذ ذلك الحين، لم تعد السعودية، ثاني أكبر مُصدّر للنفط في العالم، تواجه عراقيل من الإيرانيين أمام مرور ناقلاتها النفطية عبر مضيق هرمز فحسب، بل بات الحوثيون أيضاً يعرقلونها من الجانب الآخر لشبه الجزيرة العربية.

يقول توماس جونو، المتخصص في الشأن اليمني والأستاذ في كلية الدراسات العليا للشؤون العامة والدولية بجامعة أوتاوا في كندا: “تعيش البلاد أسوأ السيناريوهات في الوقت نفسه. فالضغط السياسي والنفسي هائل، ولا يوجد خيار واضح لحل هذه المشكلات”.

ويوضح جول غرانج غاستينيل، الباحث في مرحلة الدكتوراة بجامعة إيكس مرسيليا والمتخصص في حوكمة الحوثيين: “إن رغبة الحوثيين في التصعيد، وهذا الهجوم الجديد واسع النطاق على مطار الرياض، يهدفان إلى إخبار السعوديين أن العمليات العسكرية التي يشنونها في اليمن لا يمكن أن تمر من دون عواقب داخل أراضيهم”.

ولطالما حاولت المملكة إعطاء الأولوية للمسار الدبلوماسي، لتجنب الانزلاق بأي ثمن إلى حرب جديدة، على غرار الحرب التي غرقت فيها طوال عشر سنوات، وتكبدت خلالها تكاليف بشرية واقتصادية باهظة، من دون أن تتمكن من هزيمة الحوثيين.

ويتابع الباحث: “اليوم، لا يترك الهجوم على مطار الرياض أمام السعوديين خيارات كثيرة. لقد تم تجاوز مرحلة جديدة، وسيتعين على المملكة تقديم رد واسع النطاق”. وقد دان التحالف العسكري بقيادة السعودية، الذي يدعم القوات الحكومية اليمنية، الهجوم واصفاً إياه بأنه “جريمة حرب”، مؤكداً في الوقت نفسه أنه سيرد “بحزم”.

بدأت التكاليف الاقتصادية والعسكرية والنفسية التي يفرضها الحوثيون على السعودية تظهر بالفعل، أما التكلفة السياسية فستأتي لاحقاً. فهجوم بهذا الحجم، وما يترتب عليه من شلل في حركة الملاحة الجوية، لا يتوافق بسهولة مع مشروع “رؤية 2030″، الذي يحظى بأهمية كبيرة لدى ولي العهد محمد بن سلمان، والذي يتعين عليه، لجذب الاستثمارات الأجنبية وجعل بلاده أقل اعتماداً على العائدات النفطية، أن يتمكن من الاعتماد على حد أدنى من الاستقرار.

وقررت وزارة الطاقة السعودية الإبقاء على انعقاد المؤتمر العالمي الخامس والعشرين للطاقة (WPC Energy Congress)، الذي بدأت أعماله يوم الأحد، مع تأكيد مشاركة أكثر من 70 وزيراً، و300 من قادة الشركات، وممثلين عن أكثر من 25 منظمة دولية عاملة في قطاع الطاقة، وفقاً للتلفزيون الرسمي.

 

تحد دولي أمام الرياض

صباح الأحد، ظلت الأنشطة في مطار الملك خالد معلّقة. وطلبت سفارات من رعاياها تجنب التوجه إلى العاصمة السعودية وإلى المطارات. ويقول جول غرانج غاستينيل: “يتلقى السعوديون ضربة كبيرة. إنهم يفقدون مصداقيتهم؛ فالجيش الأقوى في المنطقة لا يستطيع القضاء على هذه الجماعة، وهناك رغبة واضحة لدى الحوثيين في إذلال السعودية”.

ويزداد الأمر صعوبة لأن الولايات المتحدة، حليف المملكة الأهم، تتردد في مساعدتها. فقد طلب محمد بن سلمان مراراً، خلال الأسابيع الأخيرة، من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الالتزام بالوقوف إلى جانب السعودية في مواجهة الحوثيين. لكن الولايات المتحدة تكتفي، حتى الآن، بتقديم الدعم عبر أجهزتها الاستخباراتية.

وتبذل السعودية جهوداً حثيثة لجعل مكافحة الحوثيين قضية دولية.

وفي هذا الإطار، حصلت على دعم دفاعي من فرنسا وبريطانيا، كما جرى تفعيل اتفاق مكة، الموقّع في 7 أغسطس مع باكستان وتركيا، ما أدى إلى “انتشار سريع” للقوات الباكستانية داخل المملكة.

ودان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، يوم الأحد، بشدة الهجوم “الشنيع” الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي، مؤكداً مجدداً “التزام باكستان الراسخ بسيادة المملكة العربية السعودية وسلامة أراضيها”.

وبعد أن جرى تجاوز جميع الخطوط الحمر، أعلنت الولايات المتحدة أنها تدرس إمكانية التدخل. وقال دونالد ترامب، رداً على سؤال بشأن الموضوع يوم السبت: “سوف ندرس المسألة”، قبل أن يضيف: “إننا نتحرك بسرعة كبيرة”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *