الزلازل تتحدّى الإنسان وتكشف حدوده


الكوارث الطبيعية تحدث باستمرار، فهي ظاهرة ملازمة للحركة الكونية من جهة والتغيرات الطبيعية، المناخية والجغرافية والبيئية من جهة اخرى. وقد اعتاد سكان هذا الكوكب على حدوث الزلازل والبراكين والفيضانات، واتضح من ذلك حدود القدرات البشرية في مقابل ما يختزنه الكون من قوى عملاقة لا تُقاس بها قوة الإنسان. فمثلا بلغت قوة «قنبلة هيروشيما» نحو 15 كيلو طن من مادة الـ TNT، وهو ما يعادل طاقة زلزال بقوة 5.6  درجة على مقياس ريختر. وبما أن مقياس ريختر لوغاريتمي، فإن زيادة درجة واحدة تعني مضاعفة الطاقة بنحو 32 ضعفاً، مما يجعل الزلازل الكبرى تفوق قوة القنبلة بآلاف المرات. ولذلك وقف الإنسان عاجزا أمام قوى الطبيعة التي تتحكم فيها القوانين الإلهية المتحكمة في الكون.
وقد سعى الإنسان كثيرا لمعرفة أسباب حدوث الكوارث الطبيعية لعلّه يستطيع استباق حدوثها بإجراءات تحدّ من أثارها المدمرة، سواء الزلازل أو البراكين أو الفيضانات. ولكن قوّة الإنسان وتقديراته لا تساوي شيئا إذا قورنت بقوة الظواهر الطبيعية. ولعلّ هطول الأمطار من أبسط الظواهر وأكثرها انتشارا. مع ذلك يقف الإنسان عاجزا أمامها، وما ينجم عنها من فيضانات تقتلع المنازل والأشجار بدون رحمة. وتحدث الكوارث الطبيعية نتيجة تفاعل معقد بين الظواهر الجيولوجية والمناخية والبيئية القوية التي تتجاوز قدرة النظم البيئية والمجتمعات على التكيف.  وتنشأ هذه الكوارث بفعل عوامل داخلية في باطن الأرض أو بفعل اضطرابات الغلاف الجوي ودورات المياه الطبيعية. وقد عجز الإنسان عن التصدّي لهذه الظواهر، برغم بذل جهوده للتعرف على أسبابها أو اكتشاف طرق التصدي لها أو التعاطي معها. ومن ذلك ارتفاع درجة حرارة الأرض وما ينجم عنها من ارتفاع منسوب المحيطات واختلال التوازن على سطح الأرض والتفاعلات التي تحدث في طبقات الجو القريبة منها. وها هي آثار ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض تعبّر عن نفسها بالتغير الكبير في الطقس.
وتشهد أوروبا هذه الأيام ارتفاعا غير مسبوق في درجات الحرارة. وفي الأسبوع الماضي قال علماء كبار  إن موجة الحر القياسية التي تجتاح أوروبا الغربية ما كانت لتحدث لولا تغير المناخ الناجم عن أنشطة البشر الذي زاد من احتمالات ارتفاع درجات الحرارة ليلاً هذا الأسبوع بمقدار 100 مرة مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقدين فقط. وذكرت مجموعة «ورلد ويذر أتربيوشن» التي تتألف من علماء مناخ: «في المنطقة محل الدراسة، فإن موجة الحر هذه هي الأكثر حدة على الإطلاق». وهذا يطرح تحدّيا كبيرا للبشرية التي يُفترض أنها قطعت أشواطا كبيرة في العلوم الطبيعية. ويكفي مشاهدة الفيضانات التي تجرف القرى والأرياف ليتضح مدى عجز الإنسان عن حماية بيئته في مقابل قوى الطبيعة العملاقة. ولذلك يشعر قادة العالم بضرورة تطوير الأداء ليس لمنع حدوث هذه الظواهر بل التخفيف من آثارها والتصدّي لما ينجم عنها. وأقيمت مؤتمرات عديدة حول المناخ صدر عنها قرارات عديدة لتنظيم مسار العمل البيئي العالمي. ومن ذلك التوافق اتفاقية باريس للمناخ (2015) التي تعد الإنجاز الأهم تاريخياً، حيث التزمت فيها 196 دولة بالعمل على حصر ارتفاع درجات الحرارة العالمية بأقل من درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية. كما صدر عنها صندوق «الخسائر والأضرار». وأرست هذه القمم نظاماً عالمياً يلزم الدول بإعلان حجم انبعاثاتها ومراجعة خططها الوطنية لخفضها كل 5 سنوات.
هذه المؤتمرات والاتفاقات وما نصّت عليه من إجراءات لا تبدو ذات قيمة لدى المواطن الفنزويلي وهو يئن تحت الأنقاض الناجمة عن الزلزال المدمّر الذي ضرب المنطقة الأسبوع الماضي، وأعقبه زلزال آخر في غضون يومين. هنا تبدو الطبيعة متفوقة بما لا يمكن تصوره على الإنسان. فقد حصد الزلزالان أرواح  مئات البشر في كارثة تُعدّ الأعنف التي تضرب البلاد منذ أكثر من قرن. ويُصنف الزلزال الأخير كأقوى زلزال يضرب فنزويلا منذ 126 عاماً، أي منذ تسجيل زلزال بقوة 7.7 درجة قبالة سواحل شمال شرق كاراكاس في 1900 تسبّب في أضرار جسيمة. وتقع السواحل الشمالية لفنزويلا بين صفيحتي الكاريبي وأمريكا الجنوبية، وهي المنطقة نفسها التي شهدت في العام 1812 زلزالاً هائلاً أودى بحياة نحو 30 ألف شخص.

 هذه المؤتمرات والاتفاقات وما نصّت عليه من إجراءات لا تبدو ذات قيمة لدى المواطن الفنزويلي وهو يئن تحت الأنقاض الناجمة عن الزلزال المدمّر

الزلزال الأخير يفتح مجالا للنقاش حول أمور عديدة: أولها الظواهر الطبيعية التي يعجز الإنسان عن منع حدوثها، ولكن بإمكانه التخطيط للتقليل من خسائرها البشرية والمادّيّة. نعم، ساهمت هندسة البناء بشكل جذري في تقليل أضرار الزلازل من خلال ابتكار تقنيات وتطوير معايير تجعل الهياكل قادرة على امتصاص الصدمات، وتشتيت القوى الزلزالية، ومنع الانهيار.
كبرى الزلازل المسجلة في التاريخ، زلزال تشيلي العظيم عام 1960 بقوة 9.5 درجة على مقياس درجة العزم، الذي أودى بحياة الآلاف وتسبب في موجات تسونامي عبر المحيط الهادئ. يليه زلزال مضيق الأمير ويليام في ألاسكا (1964) بقوة 9.2 درجة، ثم زلزال سومطرة في إندونيسيا (2004) بقوة 9.1 درجة. أما في المنطقة فقد كان زلزال جيلان في إيران من أقوى ما حدث. الزلزال الذي حدث في شمال غرب إيران في 21 1990 أحدث دمارا هائلا لما يقارب 700 قرية وتسبب في مقتل 40,000 إلى 50,000 وجرح 60,000 شخص وتشريد 400,000 شخص. وبعد أقل من ثلاثة شهور، حدث زلزال أغادير بالمغرب في 8 سبتمبر وكان بقوة 6.8 درجة البلاد، وكان الزلزال الأكثر دموية في المملكة، حيث أودى بحياة ما لا يقل عن 12 ألف شخص. لكن العمق الضحل لمركز الزلزال أدى إلى زلزال أشد قوة ودمر بالكامل تقريباً مدينة أغادير الساحلية المغربية.
الواضح أن هناك سجلًّا طويلا من الكوارث الطبيعية خصوصا الزلازل. وقد استطاع الإنسان تقليل حجم الدمار والخسائر البشرية الناجمة عن الزلازل بشكل كبير، على الرغم من عدم قدرته على منع حدوثها. يُعزى هذا التقدم إلى تطور تقنيات الهندسة الإنشائية وأنظمة الإنذار المبكر. وتطورت بذلك الهندسة المعمارية المقاومة للزلازل. فقد تم تصميم المباني باستخدام دعامات مرنة، وممتصات للصدمات، وقواعد عزل زلزالي تسمح للمبنى بالاهتزاز بدون الانهيار. كما استطاع اختراع أنظمة الإنذار المبكر وهي عبارة عن شبكات رصد متطورة تستشعر الموجات الزلزالية الأولية (غير المدمّرة) وترسل إشارات إنذار قبل ثوانٍ أو دقائق من وصول الموجات الرئيسية، مما يتيح إيقاف القطارات، وفصل شبكات الغاز، وتوجيه الناس للملاجئ. وهناك التخطيط العمراني الذي أدّى إلى تجنب البناء فوق الصدوع الجيولوجية النشطة وتحديث الخرائط لتحديد المناطق المعرضة للمخاطر لتطبيق قوانين بناء صارمة. يضاف إلى ذلك إجراء تدريبات الإخلاء العامة لزيادة استعداد الأفراد وتعليمهم كيفية التصرف الآمن أثناء وقوع الزلزال وبعده.
الحقيقة الأكيدة أن حياة الإنسان محدودة، بينما الظواهر الطبيعية محكومة بالقوانين الكونية التي تتجاوز الإنسان ومصالحه. ويمكن القول إن هذه الظواهر جزء من منظومة الخلق التي تديرها القوّة الإلهية من خلال القوانين الطبيعية التي يعتبر نفاذها محتوما ولا يمكن إيقافه. فكما أن الموت حقيقة ملازمة للبشر، فإن الظواهر الطبيعية أداة أخرى لتطويع المخلوقات للخالق، وتأكيد حدود العقل البشري في مقابل القوّة المطلقة للخالق. ونظرا لحرص الإنسان على الحياة، فإنه يتمتع بعقل براغماتي، يسعى لاكتشاف وسائل الحياة وأساليب البقاء. وما العلم إلا أداة أخرى لتطوير مستوى حياة الإنسان من جهة والمساهمة في التصدّي لما يعكر صفو تلك الحياة من أمراض ومناخ وظواهر طبيعية أخرى. وفي العقود الأخيرة أدرك هذا الكائن أنه مسؤول بدرجة ما عمّا لحق بهذا الكوكب من أضرار نتيجة سياساته وتصرفاته مع الطبيعة من حوله، فاتجه لشيء من التقنين خصوصا في مجال الانبعاث الحراري الذي أحدث ثقبا في طبقة الأوزون. مع ذلك فإن قوانين الطبيعة تفوق في قوتها قدرات الإنسان، ولذلك فسوف تحدث الظواهر الطبيعية بسبب قانون التوازن الذي يساهم في الحفاظ على العلاقة بين السبب والنتيجة اللذين يساهمان في تحديد مصير هذا الكوكب.
لا شكّ أن للإنسان دورا في حدوث الزلازل، وبالإمكان تخفيف اثر هذا الدور بمراعاة الموازين المهنيّة والأخلاقية في التعاطي مع البيئة المحيطة بالإنسان. ومن أساليب ذلك إيقاف أو تقليل العمليات والأنشطة التي تسبب ضغطاً على الصدوع الأرضية. ونظرا لعدم إمكان وقف الكثير من المشاريع الكبيرة ذات الصلة المباشرة بميكانيكية الكوكب، فمن الضرورة بمكان دراسة طبيعة الأرض بدقة قبل تنفيذ مشاريع البناء الضخمة أو حفر الآبار. وهذا يتطلّب استعدادا نفسيا وأخلاقيا للتوقف عما يساهم في تصدّع الطبقات الأرضية الباطنية، وكذلك ما يتصل بالجبال بمنع تدميرها بالمتفجرات ذات القدرة التفجيرية العالية. مطلوب وقف التصرفات المدمّرة للأرض وطبقاتها، وتقليص سياسات استكشاف الطبقات الباطنية التي تتطلب تدميرا هائلا لطبقات الأرض السفلى. وبدون ذلك فسوف يبقى خطر تصدع الأرض من داخلها في شكل زلازل وبراكين قائما، وهذا لا يخدم الأمن البيئة أو الحفاظ على التوازن في العلاقة مع الطبيعة من جهة أخرى. إن التعاطي مع زلزال فنزويلا يجب ان يتجاوز الدعم المادّي للضحايا، وأن يتم توجيهه لإعادة قراءة العلاقة بين الإنسان والكوكب الذي يعيش فيه، بلحاظ وقف سياسات تدمير طبقات الأرض خصوصا بالتفجيرات النووية العملاقة وعمليات الاستكشاف العميقة والحفر العميق في باطن الأرض.

٭ كاتب بحريني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *