الرواية العربية… المتخيل وسرديات الجنس


يظل موضوع الجنس من أكثر موضوعات التابو إثارة للجدل، وأكثر تمثيلا لأزمات الجسد والسلطة والدين، فبقدر ما يرتبط الجنس بـ»المسكوت عنه والمقموع» فإنه يرتبط بسؤال الحرية، بوصفه سؤالا وجوديا، يخص المراقبة والقمع، والهيمنة، إذ يدخل في مجال المتخيل، وفي مجال العلاقة الأبوية والنظام الاجتماعي، وفي مواجهة تاريخ الممنوعات التي تخص السلطة والمقدس، وعلى النحو الذي يجعل من الإشهار الجنسي وكأنه نوع من الانتهاك ورفع الحجب..
الرواية العربية ومتخيلها السردي لم يغفلا التمثيل الجنسي، فالتمرد على المُحرَّم يدخل في سياق خرق الواقع لصالح تمثيل حرية الجسد، عبر المجاهرة بحضوره واعترافه، في استدعاء تمثيل الحرية بوصفها وجودا موازيا، وفي تحويل الجنس إلى مجال رمزي، وفي التحقق الإشهاري للجسد، عبر ما هو حسي، وعبر خرق المألوف، وعبر الشغف بالآخر، وحتى عبر الممنوع ذاته، حيث ثنائية الكبت الشبق، وحيث إشباع الرغبات الممنوعة والمكبوتة، وحيث التجربة الصوفية التي تدخل الجسد في لحظة الإشراق و»العشق الإلهي» كتمثيل لفكرة «وحدة الوجود»، وهذا ما جعل الجسد قرينا باستدعاء تاريخ طويل من المدونات، التي حفل بها التراث العربي الإسلامي، كما عند الجاحظ والنفزاوي وابن الجوزي وابن حزم الأندلسي وأحمد بن سليمان بن كمال والسيوطي والتيفاشي والتجاني وغيرهم، وبما حفلت به بعض حكايات ألف ليلة وليلة، إذ بدت حكايات الجنس وكأنها كناية عن لمكبوت الاجتماعي والسياسي، مثلما بدت وكأنها تصوير للترف الاجتماعي والثقافي، وكلا الأمرين يؤديان غرضا واحدا يقلل من علاقة الجنس بالدنس والمحرم، ومن هيمنة «الخطيئة المقدسة» واستباحة الجسد..

الجنس وتمثيلات السرد

قد يكون الانتهاك الجنسي قناعا للقمع السياسي، والتمثيل الرمزي لهذا القمع، وتغويل التحويل الجنسي بوصفه خرقا للآخر، وتمثيلا للسلطة، بإحالاتها السياسية، أو إحالاتها الأبوية والفحولية، وحتى في تمثيلها لسرديات المكبوت، وفي التمثيل السري لـ»بيت الحريم» وللسلطة في رمزيتها العائلية، أو الطبقية، وأحسب أن ثلاثية نجيب محفوظ «بين قصرين، قصر الشوق، السكرية» تعد من أكثر السرديات تمثيلا للفحولة وللتمثيل مفارقة الجنس في سياقها الطبقي والاجتماعي والرمزي، كما حملت رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح بعدا يتجاوز فحولة «الذكورة» وعقدة الدونية إلى التعويض الأنثربولوجي، والى تمثيل علاقة الجنس بالهوية «المضطهدة» وبحساسية الوعي إزاء الآخر، وبصدمة الهامش والدونية الطبقية والاجتماعية، فيجعل «الرغبة الجنسية والسلوك الجنسي مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالبعد السياسي وآثاره النفسية، فمصطفى سعيد في مغامراته النسائية لا يبحث عن الجنس الحافي، عن الجنس المجرد فحسب، وإنما عن غزو مضاد لما حلّ به وبقومه».

سرديات الجنس ليست بعيدة في رمزيتها عن سرديات السياسة، حيث يكون الجنس تمثيلا لوجود الهيمنة، وتفريغا للمكبوت، وحيث يكون تجاوزا على الآخر، عبر اغتصابه، أو عبر انتهاكه الوجودي، فيكون خطاب الجنس موازيا لتمثيل أزمة الوجود في الواقع، وما يمور فيه من تناقضات ومن مفارقات، تقوم سردياتها على أساس ربط الجنس بالصراع الاجتماعي والطبقي، وهو ما ورد في بعض روايات نجيب محفوظ الأخرى، حيث تكشف ثيمة الجنس عن متغيرات الواقع، وعن التحولات السياسية، وعن علاقة السلطة بالجنس، فضلا عن تمثيل الانهيار الاجتماعي من خلال رمزية الجسد المخذول، إذ تصطدم الرغبة بالسلطة، والامتلاك، والإحساس بالدونية، فرواية «زقاق المدق» تكشف عن التشظي الاجتماعي، وعن علاقة الدونية الطبقية بالجنس الممنوع، وبهوية الفحولة التي تتحول إلى سلطة جشعة في الجنس، وفي خذلان الآخر، حيث تصطدم الرغبات بالقيم الصلبة، والحلم بالواقع، والعاطفة بالخيانة والشذوذ، وكلها تجد في مساحة الجسد رمزيتها النفسية والاجتماعية، وحتى السياسية، حيث الانكشاف المفارق على تحولات المجتمع المصري، وعلى انكسار الطبقة الوسطى، عبر رمزية الانكسار الوجودي والجنسي لشخصياتها.

في رواية «الخبز الحافي» لمحمد شكري يتحول الجنس إلى علامة لإدانة الواقع، والكشف عن هشاشة الطفولة في عالم غرائبي، فما عمد إليه محمد شكري لا ينفصل عن واقع الحياة الصعب الذي عاشه، والذي جعل من سيرته أنموذجا للكائن الذي يعيش «نكوصات» الطفولة وكأنها جحيم وجودي، وأن تعرضه للاغتصاب يتحول إلى مفارقة تتعرى فيها أزمة طفولته، في العائلة وفي الواقع، وحتى في تدوين السيرة، فجعل من «تأوهات والديه وهما يتضاجعان» دافعا نفسيا لتمثيل «القتل الفرويدي» وللإيهام بأن الجنس هو الفاعل في هذا القتل الرمزي، حيث يعيش هوسه الجنسي مع الصبيان القريبين منه، والذي تحول إلى عدوى تدفعه إلى السقوط النفسي والاجتماعي والأخلاقي، حيث «العلاقات المثلية» وحيث العلاقات الجنسية مع البغايا والحيوانات. تعرية الجسد في سيرة «الخبز الحافي» تتحول إلى ثيمة تجعل من الاعتراف نوعا من التطهير، ومن الجنس خضوعا للقوة، وللكشف عن أزمة الهامش الاجتماعي والطبقي، الذي يُخفي كثيرا من الممنوع و»المسكوت عنه»، رغم أن نجيب محفوظ قد وظّف هذه الثيمة في روايتيه « قصر الشوق» و»السكرية»، بوصفها دالا رمزيا على صدمة التحول الاجتماعي، وحتى السياسي، وعلى تشوهات الطبقة الوسطى، التي تواجه رهابات المجتمع الأبوي/ السياسي، وعلاقته بتشوهات الهوية والسلطة والجنس..

انفتحت رواية «حبات النفثالين» للروائية عالية ممدوح على ما هو سري، وغامض في المخفي من علاقات المرأة الجنسية، حيث «العلاقة المثلية والسحاقية» بوصفها خرقا للمألوف، وتعرية للواقع، ولأزمة المتن الاجتماعي للبورجوازية البغدادية»، وعلى النحو الذي يجعل من العنوان «حبات النفثالين» وكأنه استدعاء رمزي لفكرة التطهير، ولتوليد رمز مضاد لعفونة الواقع، وعبر رمزيات تحضر فيها العلامات الطبقية والاجتماعية، «تعود الخالة نجية للصراخ. صار صوتها ناضجاً إلى حد أنك لن تسمعي مثله طوال حياتك: أريد بهيجة خان، كانوا يطلقون لقب ـ خان- على النسوة المحتشمات اللاتي مررن بين الزمن البغدادي والوقت العثماني، فرماهن الأب أو الجد أو الأخ للعزلة والهوان. فأخذن اللقب والهجران معاً. بهيجة كانت أخت جدتك الصغرى عن الأم الثانية.. حلوة مثلها وتحبينها أيضاً. جميلة، ريانة، طويلة، عريضة، متكبرة، مترفعة. تقف على أعتاب الثلاثين. جميع النسوة اللاتي تعرفين كن يتآمرن عليها. فإذا دخلت في فخ الخالة نجية فلأنها تشبهها. وإذا ما راحت لغيرها فلأن هذا طبعها. كنت لا تدركين هذه الأمور.. وما كان يحدث أمامك كان يسجل خطوة. هي الخطوة التي لا تعرفين إلى أين ستقودك. فكل تلك الشبكة من الأذرع والأفخاذ كانت تلتقي بعهود غير مكتوبة، ومواثيق غير مرئية.. وما يطلع من هذه إلى تلك كان يربط على هذا النحو كنوع من الغرام، الذي لا مهرب من العيش في كنفه».

تتجاوز عالية ممدوح في روايتها موضوعة «الرغبة المقيدة» إلى تمثيل سردي يقوم على فعل الخرق الاجتماعي والنفسي، حيث تبرز الدوافع وكأنها مكبوتات تتفجر، كاشفة عن تناقضات الذات والمكان والهوية والاحساس بالحرية، ليس بوصفها مصيرا، بل رغبة لمواجهة التابو والذكورة والحرمات والسلطة، في تمثلها النخبوي والأيديولوجي، فالجسد المخذول والمتمرد والمنحرف هو كناية عن تشوهات الواقع، وعن رمزية الصراع الشائه الذي ينخرط فيه اليساري والقومي والثوري، بحثا عن أوهام إشباعية، وتمثيلا لموت المدينة التي فقدت سحرها القديم، وأن ما يغمرها هو اجترار الحكايات، التي ترويها شخصيات تعيش أوهام الجسد وعطبه الجنسي والأبوي.
تكشف رواية «مسك الغزال» للروائية اللبنانية حنان الشيخ عن أزمة الجسد، بوصفها عقدا نفسية، حيث الإحساس بالذنب الجنسي الذي يضطرب داخلها وهي تعيش رغباتها النكوصية المثلية، حتى تبدو وكأنها تجد في هذه العلاقة الفارقة نوعا من «الإشباع الواهم» الذي ارتبط بغربتها عن المكان، حيث البلد الصحراوي، وحيث يتحول الجنس إلى نداء داخلي، فيه من التعويض، ما فيه من الإحساس بالنقص والعزل، حتى بدت هذه العلاقة أكثر رمزية في بناء أحداثها، وفي تمثيل صراعها الداخلي، وكذلك في تمثيل التناقضات التي تحملها هويات الأمكنة، حيث تحمل سهى اللبنانية هواجس المدينة الكوزموبوليتية إزاء نور الخليجية، وحيث يتحول التلاقح الحسي بينهما إلى رابط تعسفي يقوم على الإغواء والاحتواء، وعلى الانتهاك بمعناه الأنثروبولوجي أو الرمزي.

أزمة المثقف وأوهام الجنس

في رواية «المسرات والأوجاع» للروائي فؤاد التكرلي، نجد عالما آخر للتمثيل السردي، حيث يمور المكان بتفاصيل علاقاتٍ مريبة، يغمرها الجنس بوصفه تقويضا للرتابة، وتفريغا لأوهام المثقف الاغترابي، وتمثيلا لمشاعر الخواء واللاجدوى التي يعيشها، فتتحول مشاعر العجز والعطب إلى شراهة جنسية، توهمه بالتعويض، فنجد في سيرته التي يكتبها راوٍ عليم عالما موازٍ، تتبدى فيه حياته الجنسية، ومشاعره المضطربة، وكأنها حياةٌ ضد، حيث مواجهة الفراغ والعقم، وحيث يتحول وعيه «الشقي» إلى مأزق وجودي.. شخصية «توفيق» البطل الرئيس في الرواية تبدو الأقرب إلى شخصية إشكالية، حيث تعيش أزمتها الوجودية، واغترابها الداخلي، بموازاة ما تحفل به الحياة من إغواءات وإحباطات بين أربع نساء – الزوجة كميلة، العشيقة أديل، المشتهاة أنوار، الغاوية فتحية بلذائذ جسدها- فوسط هذه الحياة الضاجة والرمادية يكشف لنا الروائي عن المخفي من أزمة بطله «الشرقي» الذي يجد في عجزه عن الإنجاب موته الرمزي، فيتحول هذا الإحساس بالموت إلى اندفاع هوسي نحو «القراءة والقمار والشرب والجنس» وهي إلماحات إشباعية للتعويض عن فشله، مثلما يتحول إحساسه الرومانسي والعدمي إلى مركب نفسي، يحمل بعدا رمزيا عن عجز الطبقة الوسطى من أن تواجه تحولات الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي، الذي جعله صورة لمأزق شخصياته في رواية «الرجع البعيد»، إذ تحولت ثيمة «زنا المحارم» إلى موضوع رمزي لفساد السلطة ولخطيئة الحزبي في الحرس القومي، الذي يقوم باغتصاب خالته وهو يرافقها في رحلتها من بعقوبة إلى بغداد.
نساء التكرلي يعشنّ رهاب المكان، وعقدة البطل العاجز والمخذول والأضحوي، فبقدر ما يعانين من أزمات معقدة، فإنهن يعشن نوعا من «الرومانسية السوداء»، حيث الفشل العاطفي، وحيث الإحساس بالفقد، وحيث السقوط في عالم غرائبي، مسكون بأشباح البطل الثقافي، الذي يجعله الروائي بطلا عاجزا، ومعزولا، في المدينة الدوستوبية والضالة، ووسط عالم يفقد رهاناته الواقعية على المواجهة، وعلى التناقض الذي تعيشه شخصياته التي تعيش أزمات وجودية تتوزعه مشاعر الدونية والرثاثة والفقد والبحث عن الامتلاء..
في رواية «دنيا» للروائية علوية صبح تبدو شخصية المثقف أكثر تمثيلا للوهم الجنسي، ولسلطة الفحولة، وللتناقض الذي تحمل أعراضه النفسية والسلوكية، حيث يلبس هذا المثقف التقدمي قناع الحزبي والثوري، ليمنح ذكورته نوعا من التعالي، والإحساس برومانسية البطل الإيجابي، لكنه يتعرى، كاشفا عن شخصية ضدية، يتحول فيها الانجذاب إلى نفور، والجنس الإشباعي إلى احتواء، والإحساس باللذة إلى خضوع وتواطؤ، إذ تتحول مشاعر الامتلاء والهوس الجنسي في التفاصيل التي تستغرقها الرواية كثيرا إلى مفارقة ساخرة، وإلى صدمة نفسية، حيث يُقدم خالد/ بطل الرواية وأنموذجها الثقافي على هجر فريال/ بطلة الرواية ليتزوج من «فتاة شابة وعذراء» وكأنه يُكرّس من خلالها صورة الرجل الشرقي الذي تتقشر ثقافته وتقدميته عن صحراوية بليدة، نازعا إلى تمثيل تقاليد السلطة الاجتماعية، التي تكشف عن رثاثته، وعن تناقضاته، وعن الأوهام التي يتقاطع فيها الوعي بالحرية مع مشاعر الخوف واللذة والخيانة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *