الرواية الإسرائيلية طغت والإعلام الفرنسي واجه اختبار المصداقية


باريس – «القدس العربي»: أحدثت حرب الإبادة المستمرة التي أشعلتها إسرائيل على قطاع غزة، مباشرة بعد هجوم السابع من تشرين الأول / أكتوبر عام 2023، انقسامات سياسية واجتماعية كبيرة في فرنسا، حيث توجد أكبر جاليتين: يهودية ومسلمة في أوروبا.

وقد امتد التباين في المواقف إلى الساحة الإعلامية الفرنسية، ولا سيما في ما يتعلق بمساحة التغطية الممنوحة للضحايا المدنيين في غزة، مقارنة بالرهائن والهجمات والمواقف الرسمية الإسرائيلية.
ومع تفاقم الأزمة الإنسانية وسقوط آلاف الضحايا ونزوح أعداد كبيرة من السكان، برزت تساؤلات حول قدرة الإعلام على نقل حجم المأساة وتعقيدات الحرب، مع الحفاظ على الدقة والتوازن والاستقلالية المهنية.
واليوم، وبمناسبة مرور ثلاثة أعوام على اندلاع هذه الحرب، استقينا في «القدس العربي» آراء محللين وصحافيين فرنسيين مقيمين في باريس، حول طريقة تعاطي الإعلام الفرنسي مع حرب غزة… وهذه آراؤهم:

اختلال في الحضور الإعلامي بين الروايتين

وفي حديثه إلى «القدس العربي»، قال باسكال بونيفاس، وهو جيوسياسي فرنسي مشهور، ومؤسس «معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية» (IRIS)، والمعروف بأبحاثه وتحليلاته في مجال العلاقات الدولية، إن التغطية الإعلامية لحرب غزة في وسائل الإعلام الفرنسية مؤيدة لإسرائيل إلى حد كبير، وإنه لا يوجد فرق كبير بين وسائل الإعلام الخاصة ووسائل الإعلام العامة، مشيراً إلى أن السفير الإسرائيلي تتم دعوته بشكل متكرر جداً إلى وسائل الإعلام، حيث يعرض وجهة نظره من دون أن يعارضه الأشخاص الذين يحاورونه، فيما لم تتم دعوة السفيرة الفلسطينية في فرنسا منذ بداية الصراع، سواء من قبل وسائل الإعلام الخاصة أو العامة. ورأى باسكال بونيفاس أن التضامن الحضاري لدى البعض، بوصف إسرائيل نقطة متقدمة للغرب، إلى جانب الإسلاموفوبيا لدى كثيرين، والخوف من الاتهام بمعاداة السامية عند انتقاد أفعال حكومة نتنياهو، كلها عوامل تتضافر من أجل إخفاء ما يعانيه سكان غزة والفلسطينيون في الضفة الغربية.

«القدس العربي» ترصد مع صحافيين فرنسيين اختلال تغطية الحرب

وأشار بونيفاس إلى أن شخصيات مرتبطة بإسرائيل، لا تملك أي معرفة جيوسياسية، تتم دعوتها للتعليق على الوضع، بينما جرى تهميش خبراء حقيقيين كان بإمكانهم انتقاد نتنياهو أو مُنعوا من الظهور على الهواء. والنتيجة هي أن هؤلاء الخبراء يطورون تحليلاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي أو في وسائل الإعلام البديلة، وأن قسما كبيراً من الجمهور يفقد الثقة بشكل متزايد في وسائل الإعلام السائدة.
وأكد بونيفاس أن الرأي العام ليس غافلاً، بل يدرك جيداً مسؤولية القادة الإسرائيليين عن الكارثة الجارية وعن النقاش العام. ورأى أن مصطلح «الإبادة الجماعية» يُستخدم بشكل متزايد خارج وسائل الإعلام.

السياق التاريخي وتوازن عرض الروايات

أما حسان التليلي، الإعلامي والمحلل السياسي المقيم في فرنسا والمهتم بالشؤون الفرنسية والأوروبية، فرأى في حديثه لـ«القدس العربي» أن معالجة غالبية وسائل الإعلام الغربية لأحداث السابع من تشرين الأول / أكتوبر والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة كشفت، في نظره، عن انحياز واضح للرواية الإسرائيلية وتراجع عن بعض القواعد المهنية، وفي مقدمتها وضع الأحداث في سياقها التاريخي والتوازن في عرض وجهات النظر. وأضاف أن وسائل إعلام غربية سارعت إلى وصف عملية «طوفان الأقصى» بالإرهابية والمجزرة، مع التركيز على هجمات السابع من تشرين الأول / أكتوبر وتشبيهها بأحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر أو بالمحرقة، في حين جرى، بحسب رأيه، تهميش السياق المرتبط بالاحتلال والاستيطان والاضطهاد ومعاناة الفلسطينيين. وأضاف أن هذا الطرح ساهم في تبرير الحرب الإسرائيلية على غزة تحت عنوان «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، رغم ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتدمير المنشآت المدنية.
وأشار التليلي إلى أن الأصوات المتعاطفة مع القضية الفلسطينية واجهت في البداية تضييقاً، بسبب الخشية من اتهامات بمعاداة السامية، قبل أن تتغير التغطية تدريجياً مع تصاعد الانتقادات الدولية للحرب.
وأوضح التليلي أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة أساسية لـ»معركة السرديات»، إذ ساهم انتشار الصور ومقاطع الفيديو القادمة من غزة، بما فيها مواد نشرها جنود إسرائيليون، في تغيير مواقف قطاعات من الرأي العام الغربي، خصوصاً بين الشباب، وهو ما رآه عاملاً مهماً في مستقبل القضية الفلسطينية.

صور غزة واختبار المصداقية الإعلامية

وتحدثت «القدس العربي» إلى محمد كلش، وهو إعلامي ومحلل سياسي، فرأى أن التعاطي الإعلامي مع أحداث غزة لم يكن متوازناً، إذ طغت، في جانب منه، الرواية الإسرائيلية على حساب نقل معاناة الفلسطينيين وحجم الدمار والخسائر البشرية في القطاع. ورأى أن صور ومشاهد الحرب التي انتشرت عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت تدريجياً في تغيير الصورة لدى الرأي العام، بعدما أصبح حجم المأساة الإنسانية في غزة أكثر وضوحاً. كما أشار إلى أن التغطية الإعلامية أصبحت أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها، خاصة مع استمرار الحرب وتزايد الانتقادات الدولية للممارسات الإسرائيلية.

الوصول إلى المعلومات وتأثيره في التغطية

وفي مقاربته لطبيعة التغطية الفرنسية، قال رامي خليفة العلي، الباحث في الفلسفة السياسية المقيم في فرنسا، لـ»القدس العربي» إن الإعلام الفرنسي لا يمكن اختزاله في موقف واحد من الحرب، وإن الأدق هو الحديث عن تطور في طبيعة التغطية بمرور الوقت، موضحاً أن المرحلة الأولى شهدت تركيزاً كبيراً على هجمات السابع من تشرين الأول / أكتوبر والضحايا والرهائن الإسرائيليين، قبل أن يؤدي استمرار الحرب وتزايد الشهادات حول الوضع الإنساني في غزة، إلى جانب الدور المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى توسيع نطاق القضايا التي أصبحت حاضرة في التغطية الفرنسية.
ورأى الخليفة العلي أن التغطية الإعلامية الفرنسية للحرب في قطاع غزة لم تكن موحدة، مشيراً إلى أنه من الصعب القول إن الإعلام الفرنسي اتخذ موقفاً واحداً تجاه الحرب، إلا أن جزءًا مهماً من الإعلام التقليدي، ولا سيما خلال الأشهر الأولى التي أعقبت السابع من تشرين الأول / أكتوبر عام 2023، أظهر اختلالاً نسبياً في زاوية التغطية وحجم الاهتمام الممنوح للرواية الفلسطينية مقارنة بالرواية الإسرائيلية.

وأضاف الباحث أن التركيز في المرحلة الأولى كان بدرجة كبيرة على هجوم السابع من تشرين الأول / أكتوبر، والضحايا الإسرائيليين والرهائن، وهو أمر يمكن فهمه في سياق حجم الحدث وطبيعته، لكنه أشار إلى أن اتساع العمليات العسكرية في قطاع غزة وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين فرضا لاحقاً أسئلة حول مدى سرعة بعض وسائل الإعلام الفرنسية في عكس حجم الكارثة الإنسانية التي كانت تتكشف داخل القطاع.
وبخصوص العوامل التي أثرت في طبيعة التغطية، قال رامي خليفة العلي إن مسألة الوصول إلى المعلومات كانت عاملاً أساسياً، موضحاً أن الصحافيين الأجانب تمكنوا من العمل من داخل إسرائيل، في حين ظل دخول الصحافيين الأجانب إلى قطاع غزة لفترة طويلة مقيداً، ولم يكن بإمكانهم العمل هناك بصورة مستقلة ومنتظمة. وأضاف أن هذا التفاوت في الوصول إلى المصادر والصور والشهادات خلق اختلالاً حقيقياً في البيئة المعلوماتية التي تعمل فيها وسائل الإعلام.
وتابع الخليفة العلي موضحاً أن التغطية الإعلامية الفرنسية تطورت مع مرور الوقت، حيث وسّعت بعض المؤسسات الإعلامية مساحة تغطيتها للأوضاع الإنسانية في غزة، وأصبحت تقدم تحقيقات ووثائقيات وتقارير أكثر تفصيلاً حول حياة المدنيين والدمار الذي لحق بالقطاع وظروف عمل الصحافيين فيه، مشيراً إلى تغطيات وتحقيقات نشرتها مؤسسات «M6» و»Arte»، وكذلك صحيفة «لوموند».

حساسية الصراع وتحديات التغطية من بعيد

أما بنجامين بارت، أحد أبرز الصحافيين في «لوموند» الفرنسية، والذي عمل بين عامي 2021 و2026 نائباً لرئيس قسم الشؤون الدولية في الصحيفة، وكان مسؤولاً عن تغطية منطقة الشرق الأوسط، فقال لـ«القدس العربي» إن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني «ليس صراعاً مثل غيره» بالنسبة إلى الصحافة الفرنسية والمجتمع الفرنسي، موضحاً أنه موضوع «عاطفي وكهربائي»، ويؤدي إلى استقطاب وانقسام كبيرين داخل الرأي العام الفرنسي. فهناك عدة عوامل تفسر حساسية الموضوع في فرنسا. وأوضح أن فرنسا تضم أكبر جالية يهودية في أوروبا، إلى جانب وجود جالية عربية كبيرة، ما يجعل الصراع يحظى بصدى خاص داخل المجتمع الفرنسي. وهناك عامل آخر يتمثل في استمرار شعور فرنسا بنوع من المسؤولية تجاه إبادة اليهود التي ارتكبها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية. والعامل الثالث يتعلق بالتاريخ الاستعماري لفرنسا، ولا سيما في الجزائر، حيث إن آثار الماضي الاستعماري الفرنسي ما تزال حاضرة في العقليات والحياة السياسية، رغم مرور أكثر من ستين عاماً على استقلال الجزائر.


ورأى بنجامين بارت أن هذا السياق المعقد يدفع إدارات المؤسسات الإعلامية إلى التعامل بحذر شديد مع الموضوع، سواء على مستوى اختيار المصطلحات أو طريقة عرض الأحداث، بهدف تقديم رواية يراها أكثر توازناً وموضوعية. وفي هذا الصدد، أوضح بارت أنهم في صحيفة «لوموند» قدّموا، في ظل هذه الظروف، «أفضل تغطية كان يمكن تقديمها»، مضيفاً أنها، في رأيه، نقلت تفاصيل ما كان يحدث في غزة بصورة واسعة مقارنة بوسائل الإعلام الفرنسية الأخرى.
وأشار إلى أن عدم تمكن الصحافيين من دخول قطاع غزة دفع الصحيفة إلى الاعتماد على أسلوب التغطية عن بُعد، من خلال الاتصال بشكل يومي، وأحياناً عدة مرات في اليوم، بأشخاص داخل القطاع، مع البحث المستمر عن مصادر جديدة، لا سيما أن بعض الأشخاص الذين كانوا يتحدثون إليهم كانوا يُقتلون أو يُهجّرون أو يغادرون القطاع. واعتمدت التغطية أيضاً على شبكة من المصادر داخل القطاع، وعلى متعاونين فلسطينيين في غزة، بمن فيهم صحافيون قدّموا للصحيفة مواد ميدانية ومقابلات وشهادات حول ما شاهدوه.
كما أوضح بنجامين بارت أن تغطية أحداث السابع من تشرين الأول / أكتوبر كانت، من الناحية العملية، أسهل نسبياً لأن الصحافيين تمكنوا من الوصول إلى موقع الأحداث، لكنه أشار إلى أن المهمة كانت صعبة ومؤلمة أيضاً بسبب ضرورة نقل وقائع وصفها بأنها «أحداث مروعة»، بما في ذلك ما جرى في الكيبوتسات وفي موقع مهرجان نوفا.
وحول الجدل بشأن استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية» لوصف ما يحدث في غزة، قال بارت إن إدارة «لوموند» اختارت عدم تبني هذا المصطلح بنفسها. لكن الصحيفة منحت، في المقابل، في مقالاتها مساحة واسعة لخبراء ومنظمات غير حكومية وهيئات تابعة لـ»الأمم المتحدة» خلصت إلى أن ما يحدث في غزة إبادة جماعية.
وأشار، في هذا السياق، إلى أن الصحيفة نقلت مواقف خبراء وأكاديميين، من بينهم أستاذ جامعي إسرائيلي، إضافة إلى منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية وتقارير المقررة الخاصة لـ»الأمم المتحدة» فرانشيسكا ألبانيزي، والتي خلصت، بحسب ما أورده بارت، إلى وجود إبادة جماعية في غزة.
وبخصوص سبب عدم تبني إدارة «لوموند» للمصطلح، برر بنجامين بارت ذلك بالقول إنه يعود إلى أن إدارة الصحيفة «لم ترَ من المناسب تبني مصطلح الإبادة الجماعية»، قبل أن تنقطع شهادته عند هذه النقطة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *