الذكرى الثانية لتنصيب الغزواني تفتح مبكراً ملف الخلافة في صراع صامت وقلق متصاعد بشأن التناوب السلمي على السلطة



عبد الله مولود

نواكشوط –»القدس العربي»: بينما تستعد الأغلبية الحاكمة في موريتانيا لإحياء الذكرى الثانية لتنصيب الرئيس الغزواني في الأول من آب/أغسطس المقبل، يتقدم ملف خلافته في الرئاسة إلى واجهة المشهد، في وقت يرى فيه مراقبون أن موريتانيا تواجه اختبارا غير مسبوق يتعلق بترسيخ أول انتقال طوعي ومستقر للسلطة في ظل احترام صارم للدستور.
وقبل نحو عامين من نهاية المأمورية الثانية للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، بدأ النقاش السياسي يتحول تدريجيا من تقييم حصيلة الحكم إلى سؤال أكثر حساسية: من سيحكم موريتانيا بعد 2029؟
ولم يعد الحديث عن مرحلة ما بعد الغزواني مجرد تكهنات سياسية، بل أصبح موضوعا تتناوله قيادات الأغلبية والمعارضة والإعلام، وسط جدل يتجاوز أسماء المرشحين إلى طبيعة الدولة التي ستخرج من هذه المأمورية، وما إذا كان الرئيس سيجعل من سنواته الأخيرة معركة لاختيار خليفته، أم ورشة لترسيخ إرث سياسي وتنموي يكون الضامن الحقيقي لاستمرار مشروعه.
احتفال ورسائل
وتحل الذكرى الثانية لتنصيب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لولاية ثانية في الأول من آب/أغسطس المقبل، وسط استعدادات داخل حزب الإنصاف الحاكم لإحياء المناسبة باعتبارها محطة لتقديم حصيلة سبع سنوات من الحكم.
وتنظم الرئاسة الموريتانية، مساء اليوم الجمعة، مؤتمراً صحافياً للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وذلك في إطار الفعاليات المخلدة للذكرى الثانية لتنصيبه لولايته الرئاسية الحالة.
وأعلن مكتب الإعلام بالرئاسة أن الرئيس سيقدم خلال المؤتمر عرضاً حول أبرز المستجدات الوطنية، قبل أن يجيب عن أسئلة ممثلي الصحافة الوطنية والدولية، في خطوة يُنتظر أن تتناول عدداً من الملفات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية المطروحة على الساحة الوطنية.
وفي إطار الاحتفاء، كتب عضو المكتب السياسي للحزب سيدي ولد إبراهيم مقالا مطولا اعتبر فيه أن قيمة المناسبة لا تكمن في بعدها الزمني، وإنما فيما تحقق خلالها من «تحولات بارزة» مست مختلف قطاعات الدولة.
واستعرض الكاتب ما اعتبرها أبرز منجزات العهد، بدءا بتسوية ملفات اقتصادية عالقة وخفض أعباء المديونية، مرورا بسياسة التهدئة والحوار، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وإطلاق مشروع «المدرسة الجمهورية»، وتعزيز البنية التحتية، وصولا إلى دخول موريتانيا نادي الدول المصدرة للغاز، وارتفاع الإنتاج الزراعي والمعدني، فضلا عن تنامي الحضور الدبلوماسي للبلاد، والذي تُوج بانتخاب الغزواني رئيسا للاتحاد الإفريقي.
ويمثل هذا الخطاب، في نظر مراقبين، محاولة لترسيخ صورة المأمورية الثانية باعتبارها امتدادا لمسار إصلاحي وتنموي يستحق الاستمرار، في وقت بدأت فيه الأنظار تتجه إلى ما بعد نهاية الولاية الحالية.
الخلافة… نقاش معلن
لكن على هامش التحضير للاحتفال، برز ملف الخلافة السياسية بقوة، بعد أن نشر الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار، دراسة مطولة تناول فيها السيناريوهات المحتملة لمرحلة ما بعد الغزواني.
ويرى ولد بكار أن النقاش الدائر حول الحوار الوطني يرتبط، لدى بعض الأوساط بفرضية السعي إلى إيجاد مخرج يسمح بتمديد بقاء الرئيس في السلطة، قبل أن يرجح أن الدستور والظروف السياسية يجعلان هذا السيناريو أقل واقعية من البحث عن آليات أخرى لضمان انتقال السلطة.
ويقسم الكاتب الخيارات المطروحة إلى مسارين رئيسيين: الأول يقوم على اختيار شخصية بعينها لخلافة الرئيس، والثاني يركز على بناء إرث إصلاحي يجعل مستقبل التجربة أقل ارتباطا بالأشخاص وأكثر ارتباطا بالمؤسسات.
معضلة «الوريث»
وبحسب هذا الطرح، فإن خيار الاستخلاف الشخصي يبدو، نظريا، الأكثر تداولا داخل الأنظمة السياسية، لكنه في الحالة الموريتانية يواجه تعقيدات متعددة.
فالرئيس المقبل، وفق هذا التصور، ينبغي أن يحظى بثقة الغزواني، وأن يكون مقبولا لدى مختلف أجنحة النظام، وقادرا على إدارة توازناتها، ومطمئنا للمؤسسة العسكرية، وقادرا على الفوز في انتخابات تمنحه شرعية سياسية تحمي استقرار المرحلة.
إلا أن الدراسة ترى أن هذه المواصفات لا تتوافر حاليا بصورة كاملة في أي من الشخصيات البارزة داخل الأغلبية، وهو ما يجعل عملية اختيار الوريث محفوفة بالمخاطر.
وتضيف أن «شعبية السلطة» التي يستفيد منها أي رئيس أثناء وجوده في الحكم ليست بالضرورة قابلة للتحويل تلقائيا إلى شخص آخر، خصوصا في ظل تغير طبيعة المجتمع وتراجع تأثير البنى التقليدية.
مجتمع يتغير
ويعتبر الكاتب أن التحولات الديموغرافية تمثل أحد أكبر التحديات أمام أي مشروع استخلاف.
فالشباب أصبحوا يشكلون غالبية المجتمع والكتلة الناخبة، كما باتوا أكثر استقلالا عن تأثير القبيلة والإدارة التقليدية، وأكثر ارتباطا بوسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يجعل السلوك الانتخابي أقل قابلية للتوجيه وأكثر ميلا إلى الخيارات الفردية.
ويضاف إلى ذلك، بحسب الدراسة، تراجع تماسك القوى التقليدية الداعمة للسلطة، وتزايد المنافسة داخل مراكز النفوذ، فضلا عن ابتعاد عدد من الشخصيات الوطنية التي ساندت الرئيس في بداية مأموريته.
الإرث بدلا من الوريث
وفي مقابل هذا الخيار، يدعو ولد بكار إلى ما يسميه «الخيار الاستراتيجي»، والقائم على تحويل ما تبقى من المأمورية إلى مرحلة إصلاحات اقتصادية وإدارية عميقة، تجعل الإنجازات نفسها الضامن الحقيقي لاستمرار التجربة.
ويقترح في هذا الإطار التركيز على إطلاق مشاريع إنتاجية كبرى، وتعزيز التصنيع المحلي، وإعادة النظر في علاقة الدولة بالشركات الأجنبية، ونقل المعرفة إلى الكفاءات الوطنية، وتوسيع المحتوى المحلي، إلى جانب إنجاح الحوار الوطني وإسناده بخبرات قانونية واقتصادية تضمن تحويل مخرجاته إلى سياسات قابلة للتطبيق.
كما يدعو إلى مراجعة آليات التعيين في المناصب الفنية والاقتصادية، بحيث تقوم على الكفاءة والخبرة بدل الولاءات السياسية، مع استعادة الكفاءات الوطنية وإشراكها في رسم السياسات العامة.
إدارة الدولة وإدارة الخلافة
ويطرح هذا الجدل سؤالا أعمق يتعلق بكيفية استثمار السنوات المتبقية من المأمورية الثانية.
فكلما انخرطت السلطة مبكرا في معركة ترتيب الخلافة، تقلص الوقت المخصص للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، بينما يرى أنصار الخيار الآخر أن تعزيز التنمية وتحسين معيشة المواطنين سيمنح أي انتقال سياسي لاحق قاعدة أكثر استقرارا.
ويستحضر هذا النقاش تجربة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، التي انتهت بصدام سياسي وقضائي مع خلفه، وهو ما يجعل ملف الخروج الآمن من السلطة حاضرا بقوة في التفكير السياسي الموريتاني.
مرحلة بالغة الحساسية
وبين احتفالات الأغلبية بسبع سنوات من الإنجازات، وتصاعد النقاش حول مرحلة ما بعد 2029، تدخل موريتانيا واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية منذ أول انتقال سلمي للسلطة عام 2019.
فالمعادلة المطروحة اليوم لم تعد تقتصر على سؤال من سيخلف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بل أصبحت تتعلق بكيفية ترسيخ ثقافة التناوب الدستوري وبناء مؤسسات قادرة على ضمان الاستقرار بمعزل عن الأشخاص.
وستحدد الخيارات التي ستتخذ خلال ما تبقى من المأمورية الحالية ما إذا كانت انتخابات 2029 ستشكل مجرد انتقال للسلطة من رئيس منصرف لرئيس جديد، أم محطة تؤسس لمرحلة أكثر رسوخا في الممارسة الديمقراطية الموريتانية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *