الجزائر- “القدس العربي”: أجرت السلطات الجزائرية تقييما لظاهرة الهجرة غير النظامية، مع توجه نحو تشديد الرقابة الساحلية خلال فترة ما تبقى من فترة الصيف وتعزيز التنسيق الأمني لمواجهة شبكات تهريب المهاجرين، بالتوازي مع التعاون الدولي للحد من هذا النشاط.
ووفقا لبيان وزارة الداخلية، ترأس الوزير السعيد سعيود في قصر الحكومة بالعاصمة، اجتماعا تنسيقيا خُصص لمتابعة واقع مكافحة الهجرة غير النظامية، والوقوف على مختلف التدابير والإجراءات المتخذة للتعامل مع الظاهرة.
وخصص الاجتماع لتقييم الجهود المبذولة من طرف مختلف المصالح المعنية، في ظل استمرار محاولات تنظيم رحلات بحرية غير قانونية انطلاقا من السواحل الجزائرية، خاصة خلال فصل الصيف الذي يشهد عادة تكثيفا لمحاولات العبور باتجاه الضفة الشمالية للمتوسط.
وأعلن سعيود عن جملة من التعليمات والتوجيهات التي تركز على تعزيز التنسيق بين المصالح المعنية وتكثيف الجهود للتصدي للهجرة غير النظامية، مع إعطاء أهمية خاصة للمراقبة على طول الشريط الساحلي خلال فترة الصيف.
كما شملت التوجيهات محاصرة نشاط شبكات تهريب المهاجرين، ومواجهة مختلف أشكال تنظيم الرحلات غير القانونية، إلى جانب ضمان المتابعة المستمرة للملف واتخاذ الإجراءات اللازمة في ضوء تطورات الوضع.
ولا تقتصر معالجة الظاهرة على الإجراءات الداخلية، إذ أصبحت مكافحة شبكات تهريب المهاجرين جزءا من التعاون الأمني الذي تطوره الجزائر مع عدد من الدول الأوروبية، خصوصا إيطاليا وإسبانيا، بالنظر إلى ارتباط السواحل الجزائرية بمسارات بحرية تستخدم للوصول إلى الضفة الأوروبية.
وفي هذا السياق، شكل ملف الهجرة غير النظامية أحد محاور المحادثات التي أجراها وزير الداخلية الجزائري في روما مع نظيره الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي.
وأشاد الوزير الإيطالي، وفق ما أوردته وزارة الداخلية الجزائرية، بالجهود التي تبذلها الجزائر لمواجهة الظاهرة، كما ثمّن ما وصفه بالمقاربة الشاملة التي تعتمدها الجزائر، والتي تجمع بين الأبعاد الإنسانية والأمنية والتنموية المرتبطة بملف الهجرة في إفريقيا.
كما نوه بيانتيدوزي بالنتائج التي حققتها الجزائر في مواجهة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، معربا عن ارتياح بلاده لمستوى التعاون القائم بين المصالح المختصة في البلدين.
وتطرق الجانبان إلى سبل تعزيز التنسيق الأمني وتكثيف التعاون العملياتي، بهدف الحد من نشاط الشبكات الإجرامية التي تستفيد من طرق الهجرة غير النظامية، ولا سيما الشبكات التي تتحرك عبر الحدود وتربط بين دول المصدر والعبور والاستقبال.
ويأخذ التعاون مع إسبانيا من جهة أخرى، أهمية خاصة بالنسبة للجزائر بسبب نشاط المسار البحري الرابط بين السواحل الجزائرية وجنوب وشرق إسبانيا، وصولا إلى جزر البليار، والذي يشهد خلال السنوات الأخيرة كثافة في نشاط جماعات تهريب البشر.
وكان ملف الهجرة أحد أبرز محاور زيارة وزير الداخلية الإسباني إلى الجزائر في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وهي زيارة جاءت في سياق عودة تدريجية للعلاقات الثنائية إلى مسار التعاون بعد أزمة سياسية استمرت منذ 2022.
وأعلن الجانب الجزائري حينها عن برنامج تدريبي مشترك للفترة 2025-2026، يتضمن تعزيز قدرات عناصر الشرطة في مكافحة الهجرة عبر البحر، إلى جانب تكوين ضباط جزائريين في أكاديمية أفيلا الإسبانية.
وفي اجتماع اللجنة المشتركة للتعاون الأمني الذي انعقد في مدريد في أكتوبر 2025، بحث الطرفان تبادل الخبرات والحلول التقنية المتعلقة بكشف الوثائق المزورة، إلى جانب تطوير التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة.
كما شملت التفاهمات آليات لتبادل البصمات الجينية والمعطيات البيومترية المتعلقة بالمهاجرين المفقودين، وتسريع دراسة طلبات الإنابة القضائية المرتبطة باسترجاع الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة.
وفي الجانب المتعلق بإدارة الهجرة، قدمت الجزائر أرقاما عن الإجراءات التي اتخذتها خلال 2024 و2025، مشيرة إلى منع أكثر من 100 ألف مهاجر غير نظامي من العبور نحو شمال إفريقيا وأوروبا، وإعادة أكثر من 82 ألف مهاجر إلى بلدانهم.
ومن ثمار هذا التعاون، ما أعلنته السلطات الإسبانية في 7 آب/ أغسطس الجاري من تفكيك شبكة إجرامية كبيرة تنشط في تهريب المهاجرين والاتجار بالمخدرات والأسلحة عبر المتوسط، في عملية شاركت فيها الجزائر إلى جانب إسبانيا وفرنسا والبرتغال وبولندا، تحت تنسيق وكالة يوروبول.
وأسفرت العملية عن توقيف 78 شخصا، بينهم 77 في إسبانيا وشخص واحد في الجزائر، وتنفيذ 17 عملية تفتيش في مناطق بينها أليكانتي وألميريا ومورسيا وقرطاجنة وإيبيزا.
كما حجزت السلطات 18 قاربا سريعا، تُقدّر قيمتها بأكثر من خمسة ملايين يورو. وكشفت التحقيقات أن الشبكة كانت تستخدم القوارب في اتجاهين؛ إذ تنقل المخدرات والممنوعات من أوروبا نحو السواحل الجزائرية، ثم تعود محملة بمهاجرين يتم إدخالهم بصورة غير نظامية إلى إسبانيا.
وتقول التحقيقات إن الشبكة نفذت ما لا يقل عن 64 عملية عبور، مكنت من نقل أكثر من 2000 مهاجر إلى إسبانيا، مقابل مبالغ تصل إلى 12 ألف يورو للشخص الواحد، فيما تجاوزت عائداتها من تهريب المهاجرين 24 مليون يورو.
ووضع 27 من الموقوفين في إسبانيا رهن الحبس المؤقت، على خلفية اتهامات متعددة، بينها الانتماء إلى منظمة إجرامية وتهريب البشر والمخدرات والأسلحة والذخيرة والمتفجرات، إضافة إلى تبييض الأموال والابتزاز والاختطاف والتهديد.
وأظهرت التحقيقات امتدادات للشبكة في الأندلس ومورسيا ومنطقة فالنسيا وجزر البليار، فضلا عن صِلات في فرنسا والبرتغال وإيطاليا وبولندا، وعلاقات مع شبكات إجرامية دولية.
وبالتوازي مع الإجراءات الأمنية، تكشف حوادث الغرق والفقدان عن الجانب المأساوي من ظاهرة الهجرة البحرية بين الجزائر وإسبانيا.
وخلال الأسابيع الأخيرة، سجلت عدة حوادث لقوارب غادرت السواحل الجزائرية باتجاه جزر البليار، فقد فيها مهاجرون من بينها قارب انطلق من شواطئ بومرداس قرب العاصمة الجزائر كان على متنه 17 شخصا لم يظهر لهم أثر.
وتقدم هذه الوقائع صورة عن المخاطر التي ترافق المسار البحري، وفي تقاريرها تشير منظمة “كامينادو فرونتيراس” (Caminando Fronteras) الإسبانية المعنية بحقوق الإنسان ورصد الحدود، إلا أن طريق الهجرة البحري الرابط بين السواحل الجزائرية وشرق إسبانيا وصولا إلى أرخبيل جزر البليار، يعد من أكثر الطرق خطورة من حيث عدد الوفيات وحالات الفقدان، مع تسجيل ارتفاع لافت في أعداد الضحايا خلال الأشهر الأولى من عام 2026.
وبحسب البيانات التي تغطي الفترة إلى غاية منتصف العام، سجلت الأشهر الخمسة الأولى من 2026 أكثر من 507 قتلى ومفقودين على “الطريق الجزائري”، بزيادة تقارب 54 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتُظهر هذه الأرقام وفق المنظمة أن شخصا واحدا على الأقل يفقد حياته أو يسجل في عداد المفقودين كل نحو سبع ساعات أثناء محاولات العبور عبر هذا المسار.
وتأتي هذه الحصيلة بعد سنة 2025 التي وثقت فيها المنظمة مقتل أو فقدان 1037 شخصا على الأقل في 121 مأساة بحرية على الطريق نفسه، من بينها حالات اختفت فيها قوارب كاملة بمن عليها دون العثور على ناجين أو آثار واضحة لها.