متابعة/المدى
تحوّل مضيق باب المندب إلى بؤرة جديدة للقلق في حركة التجارة البحرية، بعد تصاعد المواجهات العسكرية على الساحل الغربي لليمن، واقتراب الحوثيين من مواقع تمنحهم قدرة أكبر على التأثير في أحد أبرز الممرات المؤدية إلى البحر الأحمر.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ما يضع صادرات النفط وسلاسل الإمداد العالمية أمام ضغوط متزامنة في ممرين استراتيجيين يربطان الخليج والمحيط الهندي بالبحر الأحمر والأسواق الدولية.
ممر يحمل النفط والحاويات
ينقسم باب المندب إلى قناتين تفصل بينهما جزيرة ميون، فيما يبلغ عرض الممر الملاحي المستخدم للدخول والخروج نحو 18 ميلاً.
وتشير التقديرات الواردة في المادة إلى عبور نحو ستة ملايين برميل من النفط يومياً عبر المضيق، فضلاً عن قرابة 12% من التجارة العالمية المنقولة بحراً ونحو 25% من تجارة الحاويات.
وتعني هذه الأرقام أن أي اضطراب طويل في حركة السفن قد يرفع كلف الشحن والتأمين، ويؤخر وصول البضائع، ويدفع شركات الملاحة إلى استخدام طرق أطول وأكثر كلفة.
ويتمثل البديل الأبرز للسفن المتجهة بين آسيا وأوروبا في الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من عبور باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، وهو مسار يضيف مسافات وأياماً جديدة إلى الرحلات البحرية.
معارك المخا تتجاوز اليمن
ترتبط المخا وذو باب بموقعهما القريب من المضيق، ولذلك لم تعد المعارك الدائرة حولهما محصورة في صراع داخلي على النفوذ، بل اكتسبت أبعاداً تتصل بأمن الملاحة والطاقة.
وبحسب المعلومات الواردة، يمتلك الحوثيون على امتداد الساحل الغربي قدرات تشمل صواريخ مضادة للسفن وطائرات مسيّرة هجومية وزوارق سريعة، إلى جانب مواقع وقواعد إطلاق في مناطق من بينها الحديدة.
وعادت الجبهات اليمنية إلى التصعيد خلال الأسبوع الأول من أيلول، بعد فترة من الجمود النسبي بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية.
وتزايدت المخاوف بعدما نقلت وكالة «فرانس برس» أن الحوثيين سيطروا على جزيرة ميون، الواقعة في قلب باب المندب. ويمنح موقع الجزيرة أهمية عسكرية كبيرة لأي طرف يسيطر عليها، لكن مدى قدرة الحوثيين على فرض سيطرة فعلية على حركة الملاحة أو إغلاق المضيق يبقى مرتبطاً بالتطورات الميدانية والردود الإقليمية والدولية.
جزر صغيرة وتأثير استراتيجي
تبلغ مساحة جزيرة ميون نحو 13 كيلومتراً مربعاً، وتقع بين القناتين اللتين تشكلان المضيق. وإلى الشمال منها تقع جزر أخرى مهمة، بينها أرخبيل حنيش وجزيرة زقر، وسط معلومات عن خضوع بعضها لسيطرة الحوثيين أو حصارهم الجزئي.
ولا تنبع أهمية هذه الجزر من مساحتها، وإنما من مواقعها القريبة من خطوط سير السفن، وإمكان استخدامها لأغراض الرصد أو نشر القدرات العسكرية وتهديد حركة الملاحة.
وعلى الضفة الأفريقية، تطل جيبوتي وإريتريا على المنطقة المقابلة للمضيق. وتضم جيبوتي قواعد عسكرية تابعة لدول عدة، بينها الولايات المتحدة وفرنسا والصين واليابان وإيطاليا، فيما توجد في إريتريا منشآت ومواقع عسكرية، ولا سيما قرب عصب.
ويعكس هذا الانتشار العسكري حجم الاهتمام الدولي بأمن الممر، لكنه يفتح في الوقت نفسه الباب أمام تداخل حسابات دولية وإقليمية متعددة إذا اتسعت المواجهة.
الخليج بين مضيقين
لا تنفصل أزمة باب المندب عن التطورات في مضيق هرمز، إذ يمثل الممران نقطتي عبور أساسيتين لصادرات النفط والتجارة البحرية في المنطقة.
وفي ظل ارتباط الحوثيين بإيران، يثير التصعيد احتمال تحوّل باب المندب إلى ورقة ضغط موازية لما يمثله مضيق هرمز في الحسابات الإيرانية. غير أن حجم التنسيق بين طهران والحوثيين بشأن التطورات الحالية لا يمكن حسمه من دون معلومات موثقة أو إعلان رسمي.
وحذر أستاذ تسوية النزاعات الدولية محمد الشرقاوي، في مقابلة تابعتها (المدى)، من أن تزامن أزمتي هرمز وباب المندب قد يضع الخليج «بين فكي كماشة»، ويضاعف الضغوط على إمدادات الطاقة وأسعار النفط.
وانتقد الشرقاوي إدارة واشنطن للصراع مع إيران، معتبراً أنها لا تراعي بما يكفي المصالح الأمنية لدول الخليج التي تتحمل تداعيات جانبية. وحذر من أن استمرار التصعيد على جبهات متعددة قد يضر بالمصالح الأميركية على المديين المتوسط والبعيد.
التجارة أمام طريق أطول
يمتد تأثير أي اضطراب في باب المندب إلى ما وراء اليمن والبحر الأحمر، إذ يهدد تدفق النفط والبضائع وحركة الحاويات بين آسيا وأوروبا، ويرفع الضغوط على شركات النقل والتأمين والموانئ.
وإذا تزامن تقييد الملاحة فيه مع استمرار أزمة هرمز، فقد تواجه الأسواق العالمية صدمة مزدوجة: تراجع مرونة تصدير الطاقة من الخليج، وصعوبة استخدام طريق البحر الأحمر للوصول إلى قناة السويس.
المصدر: وكالات