الحكاية الفلسطينية ممتدة ومعذبة والكتابة فعل مقاومة ضد المحو



عبد العزيز بنعبو

الرباط ـ «القدس العربي»: لم يكن من قبيل الصدفة أن يستضيف المعرض الدولي للنشر والكتاب في العاصمة الرباط، في دورته الـ31، ضيفا خاصا ومميزا جدا، هو الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، في قاعة «ابن رشد». فكلاهما يحيلنا إلى نور الكلمة، وجرأة القول والطرح، ومقاومة النسيان، والبحث عن الحقيقة.
تلك القاعة غصّت بحضور كثيف ومتنوع، لم يقتصر على فئة المثقفين والأدباء والصحافيين فقط، بل تجاوزه إلى جمهور عام من عشاق الكلمة، وقبل ذلك من عشاق فلسطين. وإبراهيم نصر الله وجه من تلك الحميمية الفلسطينية التي تصر على النبض الإنساني، رغم الألم والمعاناة. فهذا المبدع، كما قدّمه كتيب المعرض، «هو كاتب الملهاة الفلسطينية ومآسيها ومسراتها، وصدى نشيدها وملحمتها الشعرية»، حيث «كتب سيرة المكان وسيرورة الزمن الفلسطيني أيضا، بينما لا يتوقف التاريخ عنده، وهو يكتب الواقع ويرسمه رسما روائيا مدهشا».
تلك الدهشة استبدّت بالحضور، وخيمت على أجواء اللقاء، تحت إضاءة تحيل إلى صالونات الأهل في بيوت عامرة بالحب والتقدير. فكان اللقاء قائما على صيغة السؤال والجواب، لكن ليس بالمعنى التقريري، لأنه سار في درب الإبداع، وحمل الجمهور إلى أقصى ربوع الألم والأمل. ولم تتوقف حرارة السؤال عند مسيّر اللقاء، الروائي والإعلامي المغربي ياسين عدنان، بل تجاوزته إلى الحضور الذي تدخل وعانق بالكلمة ضيف المعرض الخاص، الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله.


واختصر ياسين عدنان مسافة الحوار مع إبراهيم نصر الله، منطلقا من مخيم «الوحدات» في الأردن، حيث كانت الخيمة هي البيت والمدرسة والمستقبل، وحيث سرقت الطفولة قبل أوانها، ليصل إلى «الملهاة الفلسطينية» التي ولدت كفعل مقاومة ضد النسيان. كما فتح دفتر الذاكرة والإبداع مع كاتب استثنائي صاغ من شتات اللجوء وطنا من الكلمات. وتجوّل المحاور في حياة الضيف الخاص، من عمله مدرسا في المخيم، وصولا إلى ردهات الصحافة، وطرح سؤال الانتماء، كما توقف عند «القلق الجمالي» لديه، والتفرغ للكتابة، وختم بفتح أفق النقاش حول دور الروائي الفلسطيني اليوم، في ظل صراع السرديات المحتدم مع الاحتلال، وكيف يمكن للأدب أن يكون الأداة الأقوى لتثبيت الرواية الأصلية، وحماية الحقيقة التاريخية من التزييف.
الاستماع إلى صوت إبراهيم نصر الله يتطلب جهدا عاطفيا، فهو يتحدث من عمق تجربة لا يعرفها كثير من الحضور، خاصة طفولة المخيم، حيث عاش في «نقطة الصفر» بلا وطن أو حقل. ويختصر الصورة في مقارنة بين الأمس واليوم، ليقول: نعم، كل ما ترونه اليوم في غزة كنا نعيشه هناك في المخيم. وأضاف: «عندما قرأ أهل غزة روايتي «طفولتي حتى الآن» خلال الإبادة الحالية، كتبوا لي: كأنك تكتب عنا الآن». لذلك فإن «الحكاية الفلسطينية ممتدة ومعذبة»، يقول نصر الله بغصة، ويضيف: «ذكرياتي هي سكة القطار التي سار عليها قطاري الإبداعي».
وبالغصة نفسها يقول: «البيت كان خيمة، والمدرسة خيمة، وكل ذلك كان برعاية الأونروا». وهنا نبّه إلى الدور الحيوي لهذه الوكالة، مستشهدا بأن التكوين الذي تلقاه فيها هو ما أهّله للتدريس لاحقا. هذا الفلسطيني الأردني يتحدث عن عمّان، المدينة التي سكنته، ويعود إلى ديوانه «نعمان يسترد لونه» ليقتطع منه هذا السطر الشعري: «أعشق هذه البلاد وأفتقد الأرض فيها». ويقول: «علاقتي بعمّان استثنائية»، ويضيف موضحا: «كتبت عنها مقالا بعنوان: مدينة أحبها وأحلم بسواها».
كما احتلت المدينة، في مشروعه «الشرفات»، مكانة واسعة، خاصة في رواية «حارس المدينة الضائعة»، حيث يختفي سكان المدينة ويبقى شخص واحد. يقول نصر الله: «عمّان شكّلتني، وكنت دائما عندما أعود من السفر، أضع حقيبتي وأركب سيارتي لأدور دورة في شوارعها، كأنني حارسها أتفقدها قبل أن أنام».
زواج الأدب والصحافة معروف لدى فئة واسعة من الكتّاب والصحافيين، ولم يكن إبراهيم نصر الله استثناء، فقد قضى ثمانية عشر عاما في حضرة مهنة المتاعب. وأكد أنها علمته الكثير، وأرته زوايا في المجتمع لا تراها وأنت في بيتك. واستطرد قائلا: «لكنني كنت أدرك خطورتها، فهي تفسد لغة الأديب وتسرقه من إبداعه إذا استسلم لكتابة المقال اليومي». وأشار إلى أنه رفض المناصب الصحافية والسياسية ليحمي قصيدته. ووصف الصحافة بأنها بحر، وكان لزاما أن يبتل بمائه، ولكن من دون أن يغرق فيه.
وعن قرار التفرغ للكتابة، أكد نصر الله أنه كان قرارا صعبا لكنه ضروري، لأن مشروعه تطلّب وقتا هائلا. وذكر أنه منذ عام 1986 يذهب إلى مكتبه ثماني ساعات يوميا، كأنه في وظيفة. وبالنسبة إليه، فإن هذا التفرغ منحه الرضا والجدوى، وحسّن حياته ككاتب ماديا ومعنويا، مشددا على أن الكتابة أنقذته من «تنغيص» الوظائف وضغوطها الصحية. وعن ثنائية الشعر والسرد، أو ما يشبه النزوح من الشعر إلى الرواية، أكد إبراهيم نصر الله أنه لم يكن هناك انتقال، بل تلازم. موضحا أنه بدأ كتابة الشعر في المرحلة الإعدادية، والرواية في المرحلة الثانوية، كما أن السرد يخترق 90 في المئة من قصائده.
ويشير إلى روايته «براري الحمى» ليؤكد أن اللغة الشعرية كانت ضرورية. ويرى أن الحالة تفرض نفسها أحيانا، ويذكر سيرة أمه التي لم يكن ليعبّر عنها إلا عمل شعري هو «باسم الأم والابن»، بينما يحتاج التاريخ الفلسطيني المعقد إلى رحابة الرواية.


الوصول إلى «الملهاة الفلسطينية» هو وصول إلى سرد الوجع الممتد، وكان السؤال: لماذا عاد إلى ما قبل 1948؟ ليقول: «عدت لأنني كنت أبحث، كقارئ، عن فلسطين ما قبل النكبة فلم أجدها. أردت أن أعرف كيف كان يعيش أبي وأمي».
وزاد موضحا: «الرعيل الأول، مثل غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي، كان مشغولا بصدمة النكبة وبناء المقاومة. أما مشروعي فبدأ من المرحلة العثمانية وصولا إلى ظاهر العمر في القرن الثامن عشر. اليوم، الصغار يتذكرون بوعي، وليس فقط بحنين عاطفي. نحن نعيش مرحلة الحنين الواعي».
في الإعلام تجلّت حروب من نوع خاص، هي حروب السرديات، خاصة مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، ناهيك من الحوامل الإعلامية التقليدية من جرائد ومواقع إلكترونية. وفي الأدب برز السؤال: كيف يبني الأديب سردية تقنع العالم؟ وهنا توقف إبراهيم نصر الله، بامتنان، أمام قامة إبداعية من قبيل غسان كنفاني، وأكد أنه كتب روايات قصيرة، لأنه لم يملك رفاهية الوقت. بينما «نحن نمتلك سردية حقيقية مقابل خرافة صهيونية مخترعة».. وشدد على أن الكتابة فعل مقاومة ضد المحو، مستحضرا روايته «أعراس آمنة» التي جاء فيها: «الحكايات التي لا نكتبها تصبح ملكا لأعدائنا». وبالنسبة إليه، فإن هدفه أن يقرأه الأجنبي لأنه يقدم أدبا جيدا، لا بدافع الشفقة، وعندما يحب الأدب سيحب فلسطين بوعي.
بين الهوية والألم والأمل، وحرب السرديات، وترسيخ التاريخ الفلسطيني واستحضار حاضره، يبرز إبراهيم نصر الله ككاتب تجاوز الزاوية الضيقة للكتابة عن القضية الفلسطينية إلى حمولة واعية بقيمة معرفة الذات، ومقاومة النسيان والمحو بالحقيقة والكلمة النقية.
فهو، كما يقول في الختام، تشكّل من «لقاء الفنون»: السينما، والموسيقى، والتصوير، والرسم. لأن الكتابة بحيرة، إذا لم تغذها روافد متنوعة ستجف. ووجّه نصيحة لكل مبدع: «لا تكن نصف قلبك.. كن كله».
تبقى الإشارة إلى أن اللقاء الممتع مع الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله في معرض الرباط الدولي للكتاب، جاء في سياق فوزه بجائزة نيوستاد العالمية للآداب وجائزة الفونسو جاتو العالمية للشعر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *