الحروفية محاولة زخرفية لانتحال هوية فنية


بدأت الحروفية العربية من فكرة تقع خارج منطقة الرسم. استلهام الحرف العربي جماليا. أليس هذا ما يقوم به الخطاطون؟ ربما فكر رواد تلك الفكرة التي تحولت إلى تيار فني بالفصل بين جماليتي الحرف والنص المقدس. ذلك ما أوهم خطاطين بإمكانية التحرر من القواعد التي يكتسب منها الخط العربي قوته التي تؤهله للانتقال بالنص إلى مساحة بصرية متخيلة. هناك تجارب لخطاطين عرب كبار مشت في ذلك المنحى، أذكر منهم العراقيين محمد سعيد الصكار وعبد الغني العاني وحسن المسعودي والتونسي نجا المهداوي، وبدرجة أقل من جهة الانتماء إلى الخط باعتباره صنعة، اللبناني وجيه نحله والسوداني أحمد شبرين.
تلك محاولات وقعت في وقت متأخر.
يتنافس على ريادة ذلك التيار الفني، اثنان لا ثالث لهما هما مديحة عمر وجميل حمودي. مديحة عمر التي عرضت عام 1949 في معرض جماعي في واشنطن لوحة بعنوان (صور تجريدية للحروف العربية) كما أنها عرضت في معرضها الاستعادي في بغداد عام 1981 رسوما مؤرخة بعام 1946. ربما فعلت ذلك من باب التنافس على الريادة، ذلك لأن جميل حمودي كان قد أنجز عام 1947 أول لوحاته الحروفية في باريس. السؤال الذي يقع خارج تقارير الدرس الأكاديمي هو «هل كانت تجربتا عمر وحمودي تنطويان على قيمة جمالية عالية، بحيث تشكلان منعطفا مهما في التاريخ الفني؟».
كانت رسوم مديحة عمر توضيحية وساذجة في رمزيتها، أما رسوم جميل حمودي فقد كانت تفتقر إلى قوتي الإداء والإلهام، على الرغم من أن الفنان نفسه كان عميقا في ثقافته الفنية الحديثة، وقد نجح في إقامة علاقات متينة مع عدد من فناني الحداثة أثناء إقامته الطويلة في باريس وفي مقدمتهم بيكابيا ودوشامب.
المحرج في تجربتي عمر وحمودي، أنهما بُنيتا على قاعدة غير صحيحة. ذلك لأنهما اعتبرا استعمال الحرف العربي على سطح اللوحة علامة تميز، تمكنهما من خلق هوية عربية لفنهما متحررين من تبعيتهما للفن الغربي.

«البعد الواحد» زاد المسألة غموضا

منذ خمسينيات القرن الماضي كثرت تجارب الفنانين العرب الذين وجدوا في الحرف العربي مفردة إغواء جمالي. غير أن هناك مسافة كبيرة تفصل، بين أن تصنع لوحة تجريدية جميلة تزينها الحروف العربية، وأن تزعم أنك من خلال تلك الحروف قد نجحت في إنهاء تبعيتك للفن الغربي، مبشرا بولادة «فن عربي خالص».
تلك مشكلة واجهتها أجيال من الرسامين. روضة شقير وسعيد أ. عقل من لبنان، محمود حماد وأدهم إسماعيل من سوريا، حامد عبد الله وعمر النجدي من مصر، رشيد القريشي من الجزائر، غير أن العراقي شاكر حسن آل سعيد (1925 ــ 2004) كان أهمهم على الإطلاق لسببين، أولهما أنه أخرج الظاهرة من كونها مجرد استعمال حرف عربي على لوحة تجريدية وثانيهما أنه ألحق المعالجة الأسلوبية بنظرية استمدت أصولها من التصوف الإسلامي.
عام 1972 أسس آل سعيد تجمع البعد الواحد الذي أقام معرضا ضم تجارب فنانين صاروا في ما بعد مهمين على مستوى تكريس الرسم الحديث في العراق في مقدمتهم يقف رافع الناصري. لم يستمر ذلك التجمع طويلا إذ انسحب الكثيرون منه وصار آل سعيد يلجأ إلى الزج بالخطاطين من أجل إقامة معارض جماعته التي فشلت في إنجاز رسالتها النظرية واقعيا. وإذا ما عدت إلى تجربة شاكر حسن آل سعيد الغنية بالإمتاع البصري النضر، فإن مصادرها الغربية تمتد من الفرنسي فوترييه إلى الإسباني تابيس. وهو ما اعترف به الفنان نفسه في أكثر من مقال كتبه بإخلاص ونزاهة ووفاء للتاريخ. وبغض النظر عما كتبه نقاد الفن العرب معبرين عن إعجابهم بفلسفته في التفكير الفني، فإنني في حقيقة الأمر لم أجد في كل ما كتبه دليلا مرشدا واحدا يطمئنني إلى أن الحرف العربي في استعماله على سطح اللوحة كان قد شكل اختراعا ممهدا لولادة فن عربي. أعرف أن هناك كثيرا من الفنانين العرب قد تأثروا بأسلوب شاكر حسن آل سعيد في الكتابة الصوفية، غير أنهم كتبوا ما لا يُفهم في حين لم تفك رسومهم ارتباطها بمصادرها الأوروبية.

شيخ الحروفيين لم يكن حروفيا جاهزا

أسوأ ما فعله عدد من الحروفيين العرب، أنهم لجأوأ إلى استنساخ نماذج من فن الخط العربي ليضموها إلى رسومهم، باعتبارها صنيعا شخصيا. تلك خطيئة لا تغتفر. ذلك لأنها تعبر عن استعارة، الغرض منها التملك المخادع وهو ما يذكر بما فعله أندي وارهول في تجارب الطبع على الشاشة الحريرية (سلك سكرين) حين حول الصور الفوتوغرافية إلى لوحات مهرها بتوقيعه. آل سعيد الذي أعاد تعريف الحروفية ثم تخلى عنها في العشرين سنة الأخيرة من حياته لم يفعل ذلك، لا لشيء إلا لأنه لم يفكر بطريقة زخرفية.
على الرغم من غزارة تنظيراته للحروفية وتبنيه لشعار استلهام الحرف العربي جماليا غير أن آل سعيد لم يحول لوحاته إلى حدائق تزهر فيها الحروف. كانت عملية الخلق لديه تنبعث من الداخل، داخل السطح التصويري مع احتفاظ الرسام بحقه في التنقيب في ذلك السطح، كما لو أنه كان أرضاً لكوكب لا تزال ثرواته كامنة في أعماقه، ولم يتم الكشف عنها. صحيح أن فكرة الزعامة الفنية التي فاتته في خمسينيات القرن الماضي قد أغرته بمحاولة الإيحاء بأن تجمعه يشكل بداية الطريق التي تصل بسالكيها إلى العثور على الهوية الفنية الضائعة، غير أن الصحيح أيضا أن سوء الفهم يبلغ ذروته حين تتم مقارنة علاقة آل سعيد بالحرف بعلاقة أتباعه بمفهوم جماليات الحرف. تلك مسافة لا يمكن اختزالها بسوء الفهم وحده بقدر ما تعبر عن واحدة من أهم العثرات التي لم يتمكن الفنان العربي من تخطيها، بل التبس عليه الكثير من الأمور بسببها.
شاكر حسن آل سعيد كان ماهرا في التقاط لحظته الشخصية بمعنى الوقع المادي لأصالته الروحية. في مرحلته الحروفية كان الحرف ينفجر على سطح لوحاته ولم يكن هو العنصر الوحيد في بنائها. ذلك ينفي بشكل مطلق أنه كان يبحث عما يؤكد نظرياته في استلهام الحرف العربي جماليا. ومن المؤسف أن عددا من نقاد الفن العرب، وقعوا في الكمين الذي نصبه آل سعيد فصاروا كلما كتبوا عليه قدموه باعتباره شيخ الحروفيين العرب.

الحروفية نزهة رسامين فاشلين

«هل ضللت الحروفية أتباعها بوهم أصالتها؟» ذلك استنتاج ظالم ينفي النية الطيبة التي تقف وراء المشروع. ولأن النية الطيبة لا تكفي في مشاريع البحث عن الذات فإن كل ما يُقال عن ضعف الجانب المعرفي في الحداثة الفنية العربية صحيح ولا يمكن دحضه عن طريق الآلية الإعلامية التي تتبنى عاطفيا مبدأ الدعاية لـ»فن عربي» مشكوك في وجوده.
سيُقال إن الموضوع يتعلق بواحدة من ظواهر الفن الحديث في العالم العربي التي صارت جزءا من التاريخ. ذلك قول خطير من شأنه أن يهب الشرعية لمحاولات لا علاقة لها بالفن الحديث لكي تندمج في سياق طبيعي. من وجهة نظري كانت الحروفية نزهة خطاطين ورسامين فاشلين، على الرغم من أن هناك رسامين مهمين قد تورطوا فيها من غير أن يكونوا مسؤولين عما انتهت إليه من مفاهيم سطحية وقيم جمالية شعبوية.
المشكلة أن الحروفية لم تنته في العالم العربي. لا يزال هناك مَن يزعم أن استعمال الحرف العربي في اللوحة هو الطريقة المثالية لخلق فن عربي. تلك الطريقة الرجعية في التفكير لا تزال تتحكم بذائقة الجمهور في ظل احتكار المزادات للسوق الفنية. خلال السنوات الماضية بُيعت أعمال لخطاطين إيرانيين وباكستانيين بملايين الدولارات. ولكن الفرق يظل واضحا بين أن ترسم وأن تخط. كان شاكر حسن آل سعيد رساما عظيما فيما جنح المعجبون بنظريته إلى الحلول الجاهزة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *