الحرب في السودان… واشنطن بين نارين


باريس- “القدس العربي”: قالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية، إن الولايات المتحدة الأمريكية تجد نفسها أمام ضغوط متعارضة بشأن الحرب في السودان. فمن جهة، يرفض الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والمدعوم بانتصارات ميدانية حديثة، الدخول في مفاوضات بشأن وقف إطلاق النار الذي تدعو إليه واشنطن؛ ومن جهة أخرى، تدفع الائتلافات المدنية، وفي مقدمتها تحالف “صمود” بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، الإدارة الأمريكية إلى ممارسة مزيد من الضغوط من أجل فرض هدنة وإطلاق حوار سوداني- سوداني يضع حداً لمعاناة السكان.

فالحكومة السودانية التي يقودها الجيش، برئاسة عبد الفتاح البرهان، تسعى إلى تعزيز شرعيتها بعد الانتصارات التي حققتها على أرض المعركة، ولذلك لا تخفي رفضها للمقترح الأمريكي الداعي إلى وقف إطلاق النار، والذي طرحه مسعد بولس، كبير مستشاري ترامب للشؤون العربية والأفريقية.

توتر متزايد بين واشنطن والجيش السوداني

اعتبرت “جون أفريك” أن العلاقات بين القوات المسلحة السودانية والولايات المتحدة وصلت إلى مستوى جديد من التوتر، بعدما دعا مسعد بولس، في نهاية شهر أغسطس الماضي، أمام الأمم المتحدة، إلى فرض حظر على الأسلحة، قبل أن ينتقد عبر منصة “إكس” الغارات الجوية المنسوبة إلى القوات المسلحة السودانية والتي استهدفت قوات الدعم السريع داخل الأراضي التشادية.

ونقلت المجلة عن عمار محمد محمود، مستشار بعثة السودان لدى الأمم المتحدة في نيويورك، قوله عبر منصة “إكس” إن ذلك المنشور “المتسرع والمنحاز بشكل واضح” أظهر أن صاحبه “أضر بشكل خطير بمصداقيته”، ولم يعد بإمكانه، بحسب قوله، أن يدعي بصورة معقولة أنه وسيط محايد.

في المقابل، تنفي الولايات المتحدة انحيازها إلى أي طرف في النزاع، وتؤكد أن هدفها الوحيد هو المساهمة في وضع حد لحرب، تقول واشنطن إنه لا يمكن حسمها عسكرياً.

مصر.. حليف رئيسي للقوات المسلحة السودانية

في هذا السياق، نقلت “جون أفريك” عن متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تأكيده أن “المسؤولية تقع على قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية للتوصل إلى هدنة إنسانية والالتزام بها، من أجل وضع حد للفظائع المرتكبة بحق المدنيين والتخفيف من المعاناة الهائلة التي يعيشها الشعب السوداني”.

وأضاف المتحدث أن الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع شركائها وأطراف أخرى لضمان احترام الهدنة الإنسانية ومواصلة المحادثات الرامية إلى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، من خلال حوار تقوده أطراف مدنية. وأوضح أن هذا الحوار سيشمل مختلف الأصوات السودانية، بما في ذلك الأشخاص الذين اضطروا إلى النزوح داخل البلاد أو خارجها.

وأشارت “جون أفريك” لقاء مسعد بولس، يوم الـ30 من شهر أغسطس، بوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في ظل الدور الذي تؤديه القاهرة بوصفها حليفاً رئيسياً للقوات المسلحة السودانية. وقال بولس إن الجانبين بحثا المبادرات الرامية، من جهة، إلى التوصل إلى هدنة تتيح وصول المساعدات إلى السكان من دون عوائق، ومن جهة أخرى، إلى إطلاق حوار سوداني- سوداني شامل. وأضاف أنهما أكدا مجدداً عدم وجود حل عسكري للنزاع، وضرورة العمل على قيام سلطة مدنية في سودان موحد.

أنصار الجيش يضغطون على واشنطن

وبعد عودة المبعوث الأمريكي إلى واشنطن، شن مؤيدو القوات المسلحة السودانية حملة واسعة للضغط على الإدارة الأمريكية من أجل زيادة الضغوط على قوات الدعم السريع وعلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعتبر الداعم الرئيسي لهذه القوات.

وفي رسائل وجهتها مجموعة من منظمات المجتمع المدني الأمريكية إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزارة الخزانة الأمريكية، ولجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، وحصلت “جون أفريك” على نسخ منها، دعت هذه المنظمات الحكومة الأمريكية إلى فرض عقوبات على الجهات الإماراتية الداعمة للمرتزقة الكولومبيين الذين يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع. كما طالبت بمراقبة تدفقات الأسلحة الأجنبية، ولا سيما الأسلحة الصينية، التي تمر عبر الإمارات العربية المتحدة.

وأضافت هذه المنظمات، ومن بينها “سودان أكشن هَب” و“جينوسايد ووتش” وحركة “باكس كريستي” الكاثوليكية للسلام في الولايات المتحدة، أن قوات الدعم السريع ارتكبت وما تزال ترتكب العديد من الانتهاكات بحق دور العبادة المسيحية، بما في ذلك أعمال النهب والتخريب وإحراق الكنائس وقصفها.

صموديدعو واشنطن إلى لعب دور أكبر

في المقابل، اختار الائتلاف المدني الرئيسي في السودان، “التحالف المدني الديمقراطي للقوى الثورية” المعروف باسم “صمود”، والذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، استراتيجية مختلفة تماماً؛ إذ يرى هذا الأخير (حمدوك) أن استمرار القتال لن يؤدي إلا إلى مزيد من تفكك السودان وإقحام القوى الإقليمية بصورة أعمق في النزاع.

وتابعت “جون أفريك” أن حمدوك يعتزم التوجه إلى واشنطن بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف شهر سبتمبر، بهدف مطالبة وزارة الخارجية والكونغرس الأمريكيين بممارسة ضغوط أكبر على أطراف النزاع لدفع المفاوضات قدماً.

وقال المتحدث باسم “صمود” بكري الجاك: “لا أرى أي مخرج من الأزمة ما لم تلعب الولايات المتحدة دوراً أكبر”. وأضاف أن استمرار الحرب سيجعل الوضع “أكثر تعقيداً”، مع زيادة عدد الأطراف المنخرطة في الصراع، ما سيجعل الوصول إلى حل أكثر صعوبة. واعتبر أن زيادة الانخراط الدبلوماسي الأمريكي ورفع مستوى الوعي بإلحاح الأزمة يمكن أن يسهما، في المقابل، في ممارسة ضغوط للتوصل إلى هدنة، بل وربما إلى تسوية سياسية فورية.

انتقادات لدور الاتحاد الأفريقي

وفي وقت ما يزال فيه الموعد الدقيق لزيارة حمدوك إلى الولايات المتحدة غير واضح، من المقرر عقد اجتماع مخصص لبحث الوضع في السودان في نيويورك في الـ21 سبتمبر، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وأشارت “جون أفريك” إلى أن فرنسا، التي تتولى رئاسة مجلس الأمن الدولي خلال شهر سبتمبر، استضافت في 5 سبتمبر عدداً من القيادات المدنية السودانية، في إطار الاجتماع السنوي لوزير الخارجية الفرنسي المخصص لقضايا الأمن في أفريقيا.

وبحسب معلومات “جون أفريك”، كان من المقرر أن يشارك حمدوك في الاجتماع، لكنه عدل عن ذلك في نهاية المطاف. وتأتي هذه المبادرة في وقت يعمل فيه الائتلاف المدني السوداني على الحفاظ على تماسكه في مواجهة القوات المسلحة السودانية، التي حققت في الآونة الأخيرة مكاسب عسكرية ودبلوماسية.

وفي 31 أغسطس، أثار دعم الاتحاد الأفريقي لمبادرة جديدة للحوار تساؤلات وانتقادات. وأكدت قيادة مفوضية الاتحاد الأفريقي، في بيان، أنها دعت بصورة مستمرة إلى الحفاظ على وحدة المؤسسات الوطنية السودانية وتعزيز قيام دولة ديمقراطية، مرحبة بإطلاق مبادرة تهدف إلى تسهيل حوار سوداني- سوداني تحت إشراف لجنة مستقلة تضم شخصيات من ذوي الخبرة.

لكن تحالف “صمود” سارع إلى انتقاد هذه المبادرة، معتبراً أنها تمثل مناورة جديدة من جانب القوات المسلحة السودانية بهدف إضفاء الشرعية على سلطتها، بعد استعادتها السيطرة على الخرطوم عام 2025. وكتب التحالف على صفحته في “فيسبوك” أن جميع القوى المدنية المعارضة للحرب حذرت باستمرار من محاولات أطراف معينة استغلال كلمة “الحوار” لتثبيت مواقع اكتسبتها بالقوة العسكرية. واعتبر “صمود” أن الموقف الذي عبرت عنه مفوضية الاتحاد الأفريقي “يقوض موقعها كوسيط محايد وذي مصداقية”.

إيطاليا تعود إلى الخرطوم

وفي موازاة ذلك، بدأت دول ثالثة في استعادة حضورها في الخرطوم، وكانت إيطاليا آخر هذه الدول، مع تقديم سفيرها الجديد سيلفيو ميغنانو أوراق اعتماده إلى وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم في 26 أغسطس.

ونقلت “جون أفريك” عن السفارة الإيطالية في الخرطوم قولها عبر منصة “إكس” إن اللقاء أكد “تميز العلاقات الثنائية”، التي استمرت رغم مرور السودان “بواحدة من أصعب الفترات في تاريخه”. أما واشنطن، فلا تزال حتى الآن ترفض الاعتراف رسمياً بحكومة القوات المسلحة السودانية، تاركة لوزارة الخارجية إدارة الملف السوداني من السفارة الأمريكية في إثيوبيا.

دبلوماسي أمريكي جديد للملف السوداني

وفي ظل انشغال مسعد بولس بعدد كبير من الملفات في أفريقيا والشرق الأوسط، عينت إدارة ترامب في أغسطس جوناثان هاورد قائماً بالأعمال المكلف بملف الشؤون السودانية في أديس أبابا. وأشارت المجلة إلى أن هاورد يمتلك خبرة واسعة في القارة الأفريقية، بعدما سبق أن عمل دبلوماسياً في تنزانيا والصومال وإثيوبيا وكينيا ورواندا.

ونقلت “جون أفريك” عن بكري الجاك، المتحدث باسم “صمود” ، تحذيره من أن الوقت لا يعمل لصالح أي طرف، مؤكداً أن هذه هي الرسالة التي يريد التحالف المدني إيصالها إلى واشنطن.

وعليه، رأت “جون أفريك” أن الولايات المتحدة تبدو أمام مهمة شديدة التعقيد: فهي مطالبة من جانب أنصار الجيش بزيادة الضغط على قوات الدعم السريع وداعميها الإقليميين، فيما تدفعها القوى المدنية السودانية إلى لعب دور دبلوماسي أكبر للضغط على طرفي النزاع من أجل وقف إطلاق النار وفتح مسار سياسي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *