الحرب على إيران وأزمة السردية العربية


ثمة ملاحظة تستدعي الانتباه عند تتبع الخطابات التي تصاغ حول تفسير الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وشكل تعاطي العالم العربي معها، فالسردية الإسرائيلية والأمريكية واضحة، فواشنطن وتل أبيب تعتبران أن إيران ومحاورها في المنطقة تمثل تهديدا لأمن إسرائيل، وعائقا أمام تحقيق حلم الدولة العبرية في التوسع، وتعتبر أن الأولوية ينبغي أن تتجه إلى إنهاء برنامجها النووي وبرنامجها الباليستي والقضاء على محاورها في المنطقة، ولذلك تخاض الحرب ضد إيران على واجهتين، واجهة طهران عبر حصار بحري تقدر واشنطن وتل أبيب أن الضرر الاقتصادي سيلجئ طهران للتفاوض والتخلي عن برنامجها النووي ولم لا الباليستي، وواجهة المحاور، بالضغط في غزة ولبنان بنزع سلاح المقاومة، واعتبار ذلك شرطا التسوية.
السردية الإيرانية على خلاف ذلك، ترى أن مسعاها إلى امتلاك القوة وتوسيع جدار أمنها القومي بدعم المحاور هو جواب عن اقتراب التهديد الأمريكي منها من خلال كثافة العسكرية إحساسا منها بالخطر الوجودي الذي يستهدف نظامها السياسي، فتستعمل ورقة هرمز لإجبار واشنطن للتفاوض على قاعدة حل وسط في موضوع البرنامج النووي لا يلغي حقها في استعماله في الأهداف السلمية، ويضمن استقلال قرارها السيادي، وفي الآن ذاته، يفتح أفقها على العالم من خلال رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
مقابل هاتين السرديتين، لا ينتج العالم العربي أي منطق خطابي متماسك. فباستثناء عدم الانجرار إلى الحرب والذي يندرج ضمن الذكاء الاستراتيجي العربي، لم تستطع العواصم العربية أن تعلن رفضها وتنديدها بالهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ولم تنتج خطابا مضادا لإيران في موضوع خوض الحرب من القواعد الأمريكية في أراضيها، ولم تستطع أن تنتج أي جواب بخصوص حصارها الاقتصادي من لدن إيران وواشنطن على السواء، وبقيت مشدودة إلى فكرة الدعوة إلى خفض التصعيد والرهان على التفاوض لإنهاء الحرب، وحتى التلويح بفكرة إعادة النظر في منظومة الأمن العربي، بقيت ضامرة إلا ما كان من تحركات فردية في اتجاه تركيا وباكستان قرئت من مراقبين على أنها بوادر إعادة صياغة منظومة الأمن العربية وربما إمكان تعديل في خارطة الفاعلين فيها.
الثغرة الكبيرة في السردية العربية المفقودة هي المشروع التوسعي الإسرائيلي في المنطقة، فبينما تتجه تل أبيب إلى تثبيت واقع هيمنتها على غزة وجنوب لبنان، وتضغط لجر حكومة لبنان إلى نزع سلاح حزب الله، وجر القوى العربية والدولية المنضوية في مجلس السلام لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية في غزة، تبالغ بعض السرديات العربية في التركيز على أن فصائل المقاومة هي التي أنتجت هذا الواقع، وأن البديل هو صياغة الدولة الوطنية التي تضمن حصر السلاح بيدها، دون إنتاج أي خطاب ضد التوسع الإسرائيلي، وتكتيكها في خلق الحروب الأهلية واستثمار الخلاف الداخلي لاستدامة الصراع وتقويض عناصر ضعف استراتيجية مواجهتها.
طهران، بسبب من ضعف السردية العربية في الجواب عن سؤال لبنان، وغزة، ثم بعدها بدون شك العراق، ترمم سرديتها وتضيف لها نقاط قوة من خلال التفاوض في المسارات كلها لجهة «فرض» وقف الحرب في لبنان، بعد أن كانت في السابق، تمانع بشكل مطلق في موضوع توحيد المسارات، وتعتبر أن قضية سلاح المقاومة خط أحمر، وأنه يهم الداخل اللبناني والفلسطيني في غزة، وترفض أن يكون موضوعا للتفاوض مع إسرائيل حتى تحت وقع هيمنتها العسكرية على غزة وجنوب لبنان.

 الثغرة الكبيرة في السردية العربية المفقودة هي المشروع التوسعي الإسرائيلي في المنطقة

لا يصعب أن نجد المبررات التي تفسر عجز العالم العربي عن إنتاج سرديته الخاصة، فقد حصلت الحرب على إيران ضمن معادلة وجود عسكري أمريكي في المنطقة وتغول إسرائيلي في كل من غزة ولبنان نتيجة تداعيات السابع من أكتوبر، فلم تتوفر المساحة الكافية لدول المنطقة لكي تعيد ترتيب أوراقها بما يسمح بهامش ولو صغير للمناورة، والتحركات المحدودة التي اتجهت صوب تركيا أو باكستان، اندرجت في سياقات ثنائية أكثر منها بحثا جماعيا عن استراتيجية أمنية موحدة في المنطقة، ولذلك، كان أقصى جواب تم إعداده، هو ما حصل بالفعل، أي رفض الانجرار إلى الحرب مع إيران، حتى وهي تستهدف أمن واستقرار دول المنطقة برمتها، والبقاء في مربع الدعوة إلى خفض التصعيد وتشجيع الوساطة الباكستانية القائمة للتوصل إلى وقف الحرب، مع ملاحظة تفاوت في خطاب دول الخليج بخصوص طهران، ولوحظ توجه محدود من بعض دولها إلى خطاب عدائي قريب من المنطق الإسرائيلي، وهذا ما جعل السردية العربية، غير قادرة على الجواب عن التحديات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، وفي الأقصى، بدا واقع هذه السردية الضعيفة يستحث الداخل العربي، والخليجي على وجه خاص، إلى التقاط الدروس لتنفيذ المشاريع المؤجلة المرتبطة بتنويع البدائل لمواجهة الحصار الاقتصادي الواقع والمحتمل في المدى القادم، والبحث عن منظومة أمن جماعي في المنطقة، تقلل من الارتهان إلى واشنطن التي لا تستشير أحدا في خوض الحروب واستحقاقات التفاوض حول إنهائها، وترسيم رؤية للتعاطي مع إيران، قائمة على تأمين المصالح الاستراتيجية في المنطقة، ثم إعداد جواب استراتيجي جماعي حول كيفية مواجهة التهديدات الإسرائيلية في المنطقة.
من المؤكد أنه سيكون على السردية العربية أن تطرح رؤيتها لمحاور إيران في المنطقة، وسياستها في تفكيك الدولة العربية (نموذج لبنان، والعراق واليمن) وإمكان أن تتوسع لتطال دولا أخرى، لكن ذلك ينبغي أن يصاغ في سياق الرد على الاستراتيجية الإسرائيلية لا بتواؤم معها، فمطلوب من الدول العربية اليوم، أن تشجع في لبنان مثلا الحوار الداخلي، بهدف إدماج القوة العسكرية لحزب الله في سياق الاستراتيجية الدفاعية للدولة اللبنانية، بدلا من تحويل الصراع بين الطرفين إلى رأسمال تستثمره إسرائيل، كما يمكن لهذه السردية أن تغير استراتيجيتها السابقة في دعم التقاطب الإقليمي في عدد من المناطق، فمتطلبات الأمن القومي العربي، في المرحلة القادمة، لا تتطلب – كما يفترض البعض- إضعاف إيران أو التحرر من الارتهان لها- بل تتطلب من باب أولى، نهج سياسة حوارية، تساعد على استعادة الدولة في لبنان والعراق واليمن من غير كلفة نزاعات أهلية، ولا فقدان مقدرات قوة عسكرية في مواجهة إسرائيل.
طهران لا تملك ورقة أخرى سوى تقوية محاورها في المنطقة، وبشكل خاص العراق، اليمن، ولبنان، وواشنطن وتل أبيب لا تملكان خيارا آخر، سوى جر الدول العربية برمتها باسم حصرية السلاح بيد الدولة إلى مربع الصراع مع محاور إيران، بما ينتهي في المحصلة إلى إحلال الفوضى في المنطقة العربية، وخلق مساحة أكبر للتوسع الإسرائيلي بها.
الجواب الأمثل في المرحلة القادمة، بعد البدء بأولوية استراتيجية أمن قومي عربي جماعي، أن يتم إنهاء موضوع المحاور الإقليمية لإيران، وذلك بتشجيع الحوار الداخلي في كل من لبنان والعراق واليمن، ورعايته برؤية توحيدية، تشاركية، تحافظ من جهة على اللحمة الوطنية، وتصهر المقدرات العسكرية كلها في بوتقة استراتيجية الدفاع الوطني، وتجعل من سلاح التمويل أداة لتحقيق هذه الأجندة القومية المناهضة للسياسة الإسرائيلية في المنطقة.

٭ كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *