غزة- “القدس العربي”: بشكل يخالف كل القوانين الدولية ذات الصلة، ويعمق جراح الأسر الفلسطينية، تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثامين 1700 شهيد، بينهم المئات المعلومة هوياتهم، في واحدة من أكثر صور القسوة، إذ ينقل الاحتلال العقاب من حياة الفلسطيني إلى ما بعد موته، ويجعل من الجسد نفسه وسيلة لإبقاء أثر الجريمة قائمًا.
وذكرت مؤسسات الأسرى، في “اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء”، الذي يصادف 27 أغسطس من كل عام، أن هذه الجريمة لا تتوقف عند قتل الفلسطيني، وإنما تمتد إلى حرمان عائلته من جثمانه، ومن حقها في وداعه ودفنه وفق معتقداتها، وتحويل لحظة الموت التي يفترض أن تكون نهاية للألم إلى بداية لمرحلة أخرى من الانتظار والقلق والحرمان.
وأشارت في تقرير شامل تناول المأساة الناجمة عن احتجاز جثامين الشهداء، إلى أن الجثمان، الذي يفترض أن يكون حقًا مصانًا لعائلته، “يتحول في هذه الحالة إلى أداة إضافية للعقاب والإذلال والمساومة، فيما تبقى عائلات الشهداء عالقة في انتظار لا ينتهي، بين غياب اليقين وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية في معرفة مصير أبنائها ووداعهم ودفنهم”.
وذكرت أنه في ضوء ما كشفته وسائل إعلام إسرائيلية عن احتجاز جثامين نحو 1700 شهيد، تشير إلى أن عدد الشهداء المعلومة هوياتهم لدى الحملة والمؤسسات يبلغ 799 شهيدًا، كان آخرهم الشهيد فتحي خازم من جنين، الذي أُعدم داخل منزله، ولاحقًا احتُجز جثمانه. وقالت إن من بين الـ799 شهيدًا معلومة هوياتهم، يوجد 256 شهيدًا محتجزًا في مقابر الأرقام، و99 شهيدًا من الأسرى، و81 طفلًا تقل أعمارهم عن 18 عامًا، إضافة إلى 10 شهيدات.
تطرقت مؤسسات الأسرى إلى ما أثارته قضية جثامين شهداء قطاع غزة التي جرى تسليمها، والبالغ عددها 930 جثمانًا وفق توثيق الحملة، من أسئلة خطيرة حول ظروف احتجاز الجثامين والتعامل معها، وما إذا كانت قد تعرضت لانتهاكات تمس حرمة الموتى وكرامتهم
وتكشف هذه الأرقام، بما تحمله من أسماء وأعمار وبيانات، عن اتساع نطاق سياسة احتجاز الجثامين، وعن كونها ليست ممارسة عرضية أو مرتبطة بحالات محددة، وإنما سياسة متواصلة استُخدمت على مدار عقود، وتفاقمت بصورة خطيرة في سياق جريمة الإبادة الجماعية وما رافقها من عمليات قتل واسعة، واختفاء قسري، واحتجاز للجثامين.
وتؤكد مؤسسات الأسرى أنه لا يمكن التعامل مع هذه الأرقام بوصفها أرقامًا نهائية، إذ إن حجم الجريمة، ولا سيما في قطاع غزة، لا يزال غير مكتمل التوثيق، وقالت: “استمرار العدوان، ووجود آلاف المفقودين، وصعوبة الوصول إلى أماكن الضحايا، فضلًا عن استمرار سياسة الإخفاء القسري، تجعل من أعداد الجثامين المحتجزة والمفقودين أرقامًا قابلة للارتفاع، وتضع أمام الجهات الفلسطينية والدولية مهمة عاجلة تتمثل في الكشف عن مصير جميع الضحايا، وتحديد هوياتهم، وتوثيق ظروف وفاتهم ومكان احتجاز جثامينهم”.
وتطرقت مؤسسات الأسرى إلى ما أثارته قضية جثامين شهداء قطاع غزة التي جرى تسليمها، والبالغ عددها 930 جثمانًا وفق توثيق الحملة، من أسئلة خطيرة حول ظروف احتجاز الجثامين والتعامل معها، وما إذا كانت قد تعرضت لانتهاكات تمس حرمة الموتى وكرامتهم، بما في ذلك ما أُثير حول احتمال سرقة الأعضاء، وما تستوجبه هذه القضية من ضرورة فتح تحقيق مستقل وشفاف، وضمان الوصول إلى الأدلة والبيانات الطبية والجنائية ذات الصلة، وعدم السماح بإغلاق هذا الملف قبل كشف الحقيقة كاملة.
وتطرقت إلى الألم الذي تعاني منه عائلات الشهداء المحتجزة جثامينهم، وقالت إنه “لا يمكن قياس آثار احتجاز الجثامين بالأيام أو السنوات التي يقضيها الجثمان بعيدًا عن عائلته فقط، لأن هذه السياسة تنتج شكلًا ممتدًا من الفقد، تُجبر خلاله العائلة على العيش في حالة من الحداد المعلّق، فلا هي قادرة على توديع ابنها ودفنه، ولا هي قادرة على إغلاق دائرة الفقد والبدء بمسار الحزن الطبيعي”.
وأكدت أن احتجاز جثامين الشهداء وإخفاء مصيرهم يمس بصورة مباشرة مبدأ الكرامة الإنسانية، ويثير انتهاكات متعددة في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، مشددة على أن استمرار احتجاز أعداد كبيرة من الجثامين، بالتزامن مع آلاف المفقودين في قطاع غزة، يفرض مسؤولية مضاعفة على المجتمع الدولي، ليس فقط في المطالبة بالكشف عن الأرقام، وإنما في ضمان آليات مستقلة للتحقيق والتوثيق والتعرف على الضحايا، والكشف عن أماكن الجثامين، وضمان استردادها وتسليمها إلى عائلاتها.
وجاء في التقرير أن الـ1700 جثمان لا يمثل رقمًا مجردًا، وأن خلف كل جثمان عائلة تنتظر، واسمًا ينتظر أن يُستعاد، وقصة حياة توقفت، وحقًا إنسانيًا ما زال معلقًا، وأن كل جثمان مجهول المصير “يعني أن الجريمة لم تُغلق، وأن آثارها لا تزال ممتدة في حياة عائلة تنتظر الحقيقة والعدالة”.