الحداثة العربية… الحق في الاختلاف لا الاستنساخ


ليس سؤال الحداثة في الثقافة العربية سؤالاً جديداً، كما أنه ليس سؤالاً يمكن اختزاله في ثنائية جاهزة من قبيل تراث وحداثة، أصالة ومعاصرة، ماضٍ وحاضر، أو شرق وغرب. لقد استُهلكت هذه الثنائيات زمناً طويلاً في الخطاب الثقافي العربي، حتى تحولت في كثير من الأحيان من أدوات لتحليل الظاهرة إلى قوالب تحاصرها، ومن أسئلة مفتوحة على إمكانات التفكير إلى إجابات مسبقة تحدد للباحث ما ينبغي أن يراه قبل أن يبدأ النظر. ولذلك فإن المشكلة التي يطرحها هذا المقال لا تتعلق بالحداثة في ذاتها، ولا بالرغبة في العودة إلى الماضي أو رفض المنجز الغربي، وإنما تتعلق بالطريقة التي تلقينا بها الحداثة، وبالشروط المعرفية والثقافية التي جعلت جزءاً من خطابنا الحداثي يتعامل معها باعتبارها نموذجاً مكتمل البناء ينبغي استنساخه، لا باعتبارها سؤالاً تاريخياً مفتوحاً على إمكانات متعددة.
وبناء عليه فإن السؤال الذي يحاول المقال أن يضعه في مركز النقاش هو كيف نستطيع أن نكون حداثيين من غير أن نتحول إلى نسخ من حداثة أخرى؟ وكيف يمكن للثقافة العربية أن تدخل أفق الحداثة من موقع الفاعل لا من موقع المتلقي، ومن موقع المنتج للمفاهيم لا من موقع المستهلك لها؟ وهل تقتضي الحداثة، بالضرورة، أن ندير ظهورنا إلى التراث، أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في طريقة تعاملنا معه؟ ثم هل يمكن أن تكون القطيعة مع الماضي شرطاً للإبداع، أم أن الإبداع الحقيقي قد يبدأ، على العكس من ذلك، حين يتحول الماضي من عبء ثقيل إلى مادة لإعادة السؤال وإنتاج المعنى؟

إن هذه الأسئلة لا تنطلق من موقف دفاعي عن التراث، ولا من رغبة في بناء خطاب مضاد للغرب، وإنما من ضرورة إعادة النظر في الكيفية التي تشكل بها مفهوم الحداثة في الوعي العربي الحديث. ذلك أن الحداثة، حين تنتقل من سياق إلى سياق آخر، لا تنتقل بوصفها مجموعة من الأفكار المجردة المنفصلة عن شروط إنتاجها، وإنما تنتقل محمولة بتاريخها وأسئلتها وصراعاتها ومفاهيمها وشروطها الاجتماعية والفلسفية. وإذا أُخذت هذه الأفكار كما لو كانت قوانين عامة صالحة لكل الأزمنة والثقافات، فإنها قد تتحول من أداة للتحرر إلى أداة لإعادة إنتاج التبعية. فالفكرة التي وُلدت استجابة لمشكلة معينة داخل مجتمع معين قد لا تؤدي النتيجة نفسها حين تُنقل إلى مجتمع آخر يختلف عنه في التاريخ والدين واللغة وبنية الثقافة وتكوين الذاكرة الجماعية. ولعل الصورة الأكثر دلالة على هذه المفارقة هي تلك الاستعارة التي يمكن أن تختصر جانباً كبيراً من مأزق الحداثة العربية، وتتمثل في ذلك الرجل الذي أخذ السمك من البحر ورمى به في النهر، ثم انتظر منه أن يعيش بالطريقة نفسها التي كان يعيش بها في البحر. ليست المشكلة هنا في السمك، ولا في النهر، ولا في البحر، وإنما في تجاهل اختلاف الشروط التي تجعل الحياة ممكنة. وكذلك الأفكار؛ فإنها لا تعيش خارج تربتها التاريخية والمعرفية، فإذا نقلنا مثلا فكرة من سياقها، من دون أن نفهم شروط نشأتها، فقد نحتفظ بشكلها ونفقد وظيفتها، أو نحتفظ بمصطلحها ونفقد دلالته، أو نستورد نتيجتها من غير أن نستحضر المقدمات التي أفضت إليها. والقاعدة المنطقية البسيطة تقول إن اختلاف المقدمات قد يؤدي إلى اختلاف النتائج، بل قد يؤدي أحياناً إلى نتائج متعارضة تماماً.

ومن هذه الحافة تحديداً يصبح التعامل مع بعض مشاريع الحداثة العربية بحاجة إلى قراءة نقدية لا تكتفي بترديد شعاراتها، أو رفضها، وإنما تسائل بنيتها الداخلية ومقدماتها ونتائجها. ويأتي مشروع أدونيس في مقدمة المشاريع التي تستحق هذه القراءة، لا لأنه يمثل الحداثة العربية كلها، ولا لأنه يمكن اختزاله في موقف واحد، وإنما لأن القطيعة مع الموروث احتلت موقعاً بارزاً في جانب أساسي من مشروعه الشعري والنقدي. فقد ارتبط مشروعه بالدعوة إلى تجاوز الأشكال الموروثة وإعادة بناء الحساسية الشعرية والفكرية على أسس جديدة، كما ارتبط بنقد البنى الثقافية التي رأى أنها تعيق التحول. ومن ثم لا تكمن أهمية استحضار أدونيس في الاتفاق معه أو الاختلاف عنه، بقدر ما تكمن في أن مشروعه يضعنا أمام سؤال أعمق يتمثل في هل لا يمكن أن تصبح الثقافة حديثة، إلا إذا قطعت صلتها بما أنتجته في الماضي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التمييز بين نقد التراث والقطيعة معه. فالنقد ضرورة، والذاكرة ليست معصومة، والموروث ليس كتلة واحدة متجانسة ينبغي أن تُحاط بالتقديس، لكن النقد شيء، وتحويل التراث كله إلى كتلة تاريخية ينبغي تجاوزها شيء آخر. وإذا كان أدونيس قد جعل القطيعة مع الموروث أحد مداخل مشروعه، فإن كمال أبو ديب قدم صياغة أكثر وضوحاً لمنطق الانقطاع حين تحدث عن الحداثة باعتبارها «انقطاعاً معرفياً»، وربطها بمصادر معرفية مختلفة عن مصادر التراث، من قبيل اللغة البكر والفكر العلماني ومركزية الإنسان ومصادر أخرى للمعرفة. وفي هذا الإطار تنتقل المسألة من مجرد اختلاف في الموقف من التراث إلى سؤال إبستيمي أكثر عمقاً يتمثل في هل يمكن بناء معرفة جديدة من خلال إلغاء الذاكرة المعرفية السابقة؟ وهل تحتاج الحداثة إلى أن تبدأ دائماً من الصفر؟
إن الخطر في منطق البداية من الصفر لا يكمن فقط في إقصاء التراث، وإنما في أنه قد يقود، من حيث لا يريد صاحبه، إلى تبعية جديدة. فالقطيعة المطلقة قد تبدو في ظاهرها تحرراً من الماضي، لكنها قد تجعل الذات أكثر استعداداً لقبول النموذج الخارجي كما هو، لأن الذات تكون قد جردت نفسها من مواردها الداخلية التي تمكنها من الحوار والنقد وإعادة البناء. وحين تصبح المعرفة الغربية المرجع الوحيد لإنتاج المفاهيم، فإن الذات التي قطعت علاقتها بماضيها لا تجد أمامها إلا أن تعيش داخل مفاهيم الآخر. وهكذا يمكن أن تتحول القطيعة التي أُريد لها أن تكون طريقاً إلى الاستقلال إلى شكل آخر من أشكال التبعية.

في هذا المنعطف تحديدا تكتسب تجربة عبد العزيز حمودة أهميتها وقيمتها من حيث طرحها الجاد، فقد جاء كتابه «المرايا المقعّرة» ليطرح سؤالاً مختلفاً حول الطريقة التي نظر بها النقد العربي الحديث إلى التراث والنظرية الغربية. فالمرآة المقعرة لا تعكس الأشياء كما هي؛ إنها تغير أبعاد الصورة، فتصغر بعضها وتضخم بعضها الآخر، وتجعل الصورة التي ترى الذات نفسها من خلالها مختلفة عن حقيقتها. وقد تحولت هذه الاستعارة عند حمودة إلى مدخل لنقد الطريقة التي تلقى بها النقد العربي الحديث بعض المفاهيم والمناهج والنظريات الوافدة، ولا سيما حين تصبح المرجعيات الخارجية معياراً مسبقاً لرؤية التراث وتقييمه.
ومن ثم فإن استعارة «المرايا المقعّرة» تتجاوز بعدها البلاغي لتصبح أداة نقدية لفهم علاقة الثقافة العربية الحديثة بتراثها وبالآخر الغربي. فالمشكلة ليست في أن ننظر في مرآة الآخر، وإنما في أن تصبح المرآة الوحيدة التي نرى أنفسنا من خلالها، وأن نصدق الصورة المشوهة التي تنتجها تلك المرآة. وليس المقصود، بطبيعة الحال، رفض النظريات الغربية أو الانغلاق أمامها؛ فالثقافة لا تتقدم بالانغلاق، والنظرية لا تصبح أقل قيمة لأنها جاءت من ثقافة أخرى. المشكلة تبدأ حين يتحول الحوار إلى استنساخ، وحين يصبح النقل بديلاً عن التفكير، وحين يصبح المصطلح أكثر حضوراً من الظاهرة التي يفترض أن يصفها.

إن المعرفة الحقيقية لا تُبنى بالاستيراد وحده، كما لا تُبنى بالرفض وحده. إنها تُبنى في المنطقة الواقعة بين التأثر والتأثير، بين الأخذ والرد، بين الانفتاح والنقد، بين التعلم وإعادة الإنتاج. وتقدم بعض تجارب التحديث في آسيا مثالاً على إمكان الإفادة من المنجز الغربي مع إعادة صياغته داخل شروط تاريخية وثقافية محلية. والمغزى من استحضار هذه التجارب هنا، ليس عقد مقارنة شاملة بين اليابان والصين والهند والعالم العربي، وإنما التنبيه إلى أن انتقال الأفكار بين الثقافات لا يلزم أن يكون نقلاً حرفياً، وأن الإفادة من الآخر يمكن أن تتحول إلى مادة لإعادة البناء والإبداع. وهذا هو جوهر الحداثة الحقة، أي أن نأخذ من الآخر ما يساعدنا على أن نكون» نحن»، لا ما يحولنا إلى «هو».

إن الحداثة، بهذا المعنى، ليست ملكاً حضارياً مغلقاً، ولا وصفة جاهزة يمكن نقلها من مجتمع إلى آخر. إنها قدرة على إعادة بناء العلاقة بالزمن، وعلى مراجعة المسلمات، وعلى إنتاج أسئلة جديدة، وعلى امتلاك الشجاعة الفكرية التي تجعل الإنسان قادراً على التفكير بنفس، ولذلك فإن الحداثة التي لا تنتج أسئلتها الخاصة تظل حداثة مستعارة، والحداثة التي لا تستطيع إعادة قراءة ماضيها تظل أسيرة لغيرها، والحداثة التي لا تنتج مفاهيمها الخاصة، تظل في نهاية الأمر مستهلكة لمفاهيم الآخرين. ولا يعني ذلك الدعوة إلى «أصالة» مغلقة أو إلى العودة إلى الماضي بحثاً عن إجابات جاهزة، فالماضي نفسه يحتاج إلى القراءة والنقد وإعادة التأويل. التراث ليس مستودعاً للأجوبة، وإنما هو أيضاً مجال للأسئلة، وفيه إمكانات متعددة لم تُستنفد، كما أن فيه حدوداً وتناقضات ينبغي عدم تجاهلها. ومن ثم فإن العلاقة الصحيحة بالتراث ليست علاقة التقديس ولا علاقة الإلغاء، وإنما علاقة نقدية حوارية تعيد اكتشاف ما يمكن أن يصبح منتجاً داخل الحاضر. فالتراث الذي لا نعيد قراءته يتحول إلى متحف، والحداثة التي لا تقرأ تراثها تتحول إلى قطيعة عقيمة.

إن الحداثة الحقة، في نظري، تغييرٌ في طريقة التعامل مع التراث لا مجرد رفض له، وهي لا تعني أن نطرح الماضي خارج التاريخ، وإنما أن نرفع علاقتنا به إلى مستوى جديد من الوعي؛ أن نعيد مساءلته، وأن نكشف ما فيه من إمكانات وما فيه من حدود، وأن نحوله من سلطة ماضوية إلى مادة معرفية قابلة لإعادة البناء.
إن نقدي في هذا المقال، وهو المطلوب، ليس نقداً للحداثة في ذاتها، وإنما نقد لبعض أشكال تلقيها وتمثلها داخل الثقافة العربية. وهو، في الوقت نفسه، ليس دفاعاً عن التراث في مواجهة الحداثة، لأن وضع التراث والحداثة في طرفي مواجهة دائمة هو جزء من المشكلة نفسها. إن الرهان الحقيقي هو تجاوز هذه الثنائية إلى علاقة أكثر تركيباً تتمثل في التراث والحداثة، لا التراث أو الحداثة؛ الحوار مع الآخر، لا الخضوع له ولا الانغلاق دونه؛ الإبداع، لا الاستنساخ؛ إنتاج المفهوم، لا استهلاكه.
وعلى هذا الأساس، ينبغي أن لا ينظر إلى الحداثة باعتبارها مركزاً واحداً تدور حوله الثقافات الأخرى، وإنما باعتبارها إمكاناً إنسانياً متعدد المراكز والتجارب. فالحداثة ليست نموذجاً واحداً، بل حداثات متعددة؛ وليس المطلوب أن نصبح نسخة من الحداثة الغربية، كما ليس المطلوب أن نبحث عن حداثة عربية منغلقة على ذاتها، وإنما أن ننتج حداثة قادرة على الحوار مع الحداثات الأخرى من موقع الندية، فالعالم لا يتقدم حين تتشابه ثقافاته، وإنما حين تتفاعل اختلافاتها وتنتج من هذا التفاعل إمكانات جديدة.

شاعر وناقد مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *