الحب الأخير في حياة تشيخوف


لم يكن أنطون تشيخوف يحلم بزواج تقليدي يعيش فيه الزوجان تحت سقف واحد، ويتقاسمان تفاصيل الحياة اليومية. فقد كان يؤمن بأن الحب لا يشترط بالضرورة أن يلغي المسافة بين شخصين، وأن القرب الروحي قد يكون أعمق من العيش المشترك. ولعل هذا ما جعل علاقته بالممثلة أولغا كنيبر مختلفة منذ بدايتها؛ فقد جمعتهما محبة عميقة، لكن ظروف حياتهما أبقتهما في مدينتين مختلفتين، بين موسكو ويالطا، وبين عالم المسرح ومرض الكاتب، حتى غدا الحضور والغياب جزءا من طبيعة علاقتهما.
التقى تشيخوف بأولغا كنيبر في أواخر سنوات حياته، حين كان مرض السل قد أنهك جسده، وأصبح يعرف أن الوقت المتبقي أمامه ليس طويلا. كان قد شاهدها للمرة الأولى عام 1898 على خشبة مسرح موسكو للفنون، وهي تؤدي دور القيصرة إيرينا في مسرحية «القيصر فيودور إيفانوفيتش» لألكسي تولستوي. وقد تركت فيه انطباعا عميقا، فكتب عنها بإعجاب واضح، مشيدا بصوتها ونبلها وصدق أدائها، وأضاف، في ما يشبه الاعتراف العاطفي المبكر: «لو بقيت في موسكو، لأحببت تلك الإيرينا». لكن تشيخوف لم يكن يستطيع البقاء في موسكو. فقد استقر، بناء على نصيحة الأطباء، في يالطا، على ساحل البحر الأسود في شبه جزيرة القرم، بحثا عن مناخ أنسب لرئتيه المريضتين. أما أولغا، فكانت حياتها في موسكو؛ هناك المسرح، والعروض، والجمهور، والعمل الذي أحبته وأرادت أن تحقق ذاتها من خلاله. وهكذا بدأت قصة حب غريبة في ظاهرها، لكنها كانت عميقة في جوهرها: كاتب مريض يقيم في يالطا، وممثلة شابة تعيش وتعمل في موسكو، وبينهما مئات الكيلومترات وآلاف الكلمات.

كانت الرسائل الجسر الذي حافظ على قربهما رغم المسافات، ومن خلالها تكشفت طبيعة علاقتهما بصدق وعفوية؛ ففيها كان تشيخوف يقول ما قد يعجز عن قوله وجها لوجه، ويمزج، بأسلوبه الساخر والمحبب، بين الدعابة والحنان والقلق، بينما كان الخوف من الفراق يختبئ أحيانا خلف كلماته المرحة. في البداية كانا يتنزهـان في يالطا ويتحدثان طويلا، ثم يصمتان طويلا أيضا؛ وكأن علاقتهما كانت بالفعل مشهدا من إحدى مسرحيات تشيخوف: كلمات قليلة، نظرات كثيرة، وصمت يقول أحيانا أكثر مما تقوله الكلمات. ثم عادا إلى موسكو وقضيا أياما معا، قبل أن يرجع تشيخوف إلى يالطا، هناك بدأت المسافة تتحول إلى شوق. كتب إليها: «لقد اعتدت عليكِ، والآن أفتقدكِ، ولا أستطيع بأي حال أن أتصالح مع فكرة أنني لن أراكِ حتى الربيع». وبعد ذلك أصبح التواصل بينهما أكثر انتظاما، وتحوّل الخطاب من الرسمي إلى الحميمي، وبدأ كل منهما يخاطب الآخر بصيغة «أنت» التي تحمل في الروسية قربا خاصا. كانا يحاولان إخفاء علاقتهما، لكن المحيطين بهما كانوا يعرفون، أو يتكهنون، أن شيئا عميقا يتشكل بينهما. وكانت أولغا أكثر حسما في رغبتها بالزواج، بينما ظل تشيخوف مترددا. ولم يكن تردده مجرد نزوة. كان يعرف مرضه جيدا؛ فقد كان طبيبا قبل أن يكون كاتبا، وكان أكثر الناس إدراكا لحقيقة جسده وما يفعله السل بالرئتين. وكان يعرف أن حياته قد تكون أقصر مما يتمنى، ومع ذلك، ظل يدعو أولغا إلى يالطا، وظلت هي تعود إليه.
وفي لحظة من لحظات الضيق، ضاقت أولغا بهذا الغموض، وكتبت إليه محتجة على اضطرارها إلى إخفاء العلاقة، وعلى صمت تشيخوف الدائم، وعلى قلق والدته وشقيقته ماريا مما يجري. في النهاية استسلم تشيخوف.

وفي مايو/أيار 1901 تزوج أنطون تشيخوف وأولغا كنيبر في موسكو، في مراسم خاصة وبعيدة عن الضجيج، إذ لم يرغبا في تحويل الزواج إلى حدث اجتماعي. لكن المفارقة أن زواجهما لم يُغيّر كثيرا من نمط حياتهما. ظل تشيخوف في يالطا، وظلت أولغا في موسكو مرتبطة بالمسرح. كان زواجهما من نوع نادر: زوجان متحابان، لكنهما لا يعيشان معا بصورة دائمة.. كان تشيخوف يعرف أن المسرح بالنسبة إلى أولغا ليس مجرد مهنة، كان جزءا من شخصيتها، ولذلك لم يطلب منها أن تتخلى عنه من أجله. كتب إليها بحنان: «مهما حدث، حتى لو تحولتِ فجأة إلى عجوز، فسأظل أحبكِ على أي حال، من أجل روحكِ وطباعكِ. اكتبي إليّ، يا كلبتي الصغيرة! اعتني بصحتكِ. وإذا مرضتِ، فاتركي كل شيء وتعالي إلى يالطا، وسأعتني بكِ هنا»..
وكانت أولغا، من جهتها، تعاني أحيانا من تأنيب الضمير. كانت تعرف أن زوجها مريض ويعيش وحيدا، بينما هي منهمكة في البروفات والعروض والسفر، كتبت إليه ذات مرة، وهي تتألم من هذا التمزق:

«أريد أن أكون إلى جانبك، وألوم نفسي لأنني لم أترك المسرح… يؤلمني أن أفكر في أنك هناك وحيدا، تعاني الشوق والوحشة، بينما أنا هنا منشغلة بعمل زائل، بدلا من أن أكرّس نفسي بكل جوارحي لهذا الشعور». لكن تشيخوف لم يكن يريد منها أن تتحول إلى ممرضة أو زوجة تعيش في ظله. كان يريدها أن تكون أولغا، الممثلة التي أحبها، فأجابها بما يشبه فلسفته الخاصة في الزواج:
«أنتِ لستِ مذنبة على الإطلاق لأنك لا تعيشين معي في الشتاء، بل على العكس، نحن زوجان صالحان جدا إذا كنا لا نمنع أحدنا الآخر من الانشغال بعمله. فأنتِ تحبين المسرح، أليس كذلك؟ لو لم تكوني تحبينه، لكان الأمر مختلفا».
كان يحترم استقلالها، بل كان يعجبه أن تكون امرأة تعتمد على نفسها وتكسب مالها من عملها. وكان ذلك مهما بالنسبة إلى تشيخوف الذي كان يتحمل مسؤوليات عائلية كثيرة، ويعرف قيمة الاستقلال المادي، لكن الحب، حتى عندما يكون عميقا، لا يمنع الغيرة ولا الألم.
انتشرت في الوسط المسرحي والموسكوفي، شائعات كثيرة عن أولغا. قيل إنها استفادت من زواجها بتشيخوف في الحصول على أدوار في مسرحياته، وقيل إن علاقتها بفلاديمير نيميروفيتش-دانشينكو، أحد مؤسسي مسرح موسكو للفنون، كانت تتجاوز حدود الصداقة، كما نسج البعض حكايات أخرى حول نفوذها في المسرح. غير أن كثيرا من هذه الروايات بقي في نطاق الشائعات، وينبغي عدم التعامل معها كلها بوصفها حقائق تاريخية مؤكدة. أما المؤكد فهو أن حياة أولغا العاطفية لم تكن خالية من التعقيد، وأن تشيخوف نفسه كان يدرك ذلك. وقد عرف بعض الأمور التي كان يمكن أن تثير غيرة أي زوج، لكنه لم يتعامل معها بالطريقة التقليدية. كان تشيخوف، حتى في لحظات الألم، يختار السخرية. كتب إليها مرة: «لا بأس في أنكِ واقعة في حب رجل آخر، وأنكِ قد خنتِني بالفعل. أنا أطلب منكِ شيئا واحدا فقط: تعالي، أرجوكِ. أتسمعين، أيتها الكلبة؟ إنني أحبكِ، فاعلمي ذلك. لقد أصبح من الصعب عليّ أن أعيش من دونكِ».

هذه الكلمات تكشف شيئا أساسيا في شخصية تشيخوف: كان يستطيع أن يشعر بالغيرة والألم، لكنه كان يرفض أن يحوّل الحب إلى سجن. ولعل هذا هو أحد أكثر جوانب علاقته بأولغا إثارة للاهتمام. فقد كان يحبها، لكنه لم يرد امتلاكها. وكانت أولغا، رغم علاقاتها وارتباكاتها، تعود دائما إلى تشيخوف بوصفه مركز حياتها العاطفية. وربما كانت المسافة بينهما تزيد الحب بدل أن تستهلكه في تفاصيل الحياة اليومية.
كان تشيخوف يعرف أن وقته ينفد، ولذلك حاول أن يكرّس ما تبقى له للكتابة. وكان يرى أن العمل الفني ليس عدوا للحب، بل جزء من هوية الإنسان نفسه. كتب إليها في عبارة عميقة الدلالة: «إذا لم نكن معا الآن، فليس الذنب ذنبي ولا ذنبك، وإنما ذنب الشيطان الذي ألقى في جسدي عصيات المرض، وفي قلبك حب الفن».
تلك العبارة تلخص مأساة زواجهما كله، فلم يكن الفراق ناتجا عن انعدام الحب، بل عن قوتين أكبر منهما: مرض تشيخوف وفن أولغا..
وفي ربيع وصيف عام 1904 اشتد مرض تشيخوف، كانت أولغا إلى جانبه في أيامه الأخيرة، وفي يوليو/تموز 1904 سافر معها إلى منتجع بادن فايلر في ألمانيا بحثا عن العلاج، وهناك توفي في الرابع عشر من يوليو عن أربعة وأربعين عاما. كانت أولغا معه في اللحظات الأخيرة. وبعد وفاته كرست جزءا كبيرا من حياتها لإرثه الأدبي والمسرحي، وواصلت العمل على خشبة المسرح، ولم تتزوج بعده مرة أخرى.

لقد عاشت أولغا سنوات طويلة بعد تشيخوف، لكنها لم تجد، على ما يبدو، سببا يدفعها إلى محو ذلك الزواج من حياتها، أو استبداله بزواج آخر. كانت تعرف أنها عاشت إلى جانب رجل استثنائي؛ رجل لم يكن زوجا تقليديا، ولم يكن يريد أن يحبس المرأة التي يحبها في إطار الحياة المنزلية، لكنه كان يريد منها أن تبقى قريبة منه بالقلب، حتى عندما تفصل بينهما المسافات. ولهذا تبدو قصة تشيخوف وأولغا كنيبر، بعد أكثر من قرن، أقل شبها بقصة زواج تقليدي، وأكثر شبها بقصة حب قاوم المرض والمسافة والغياب. لم يعيشا معا إلا قليلا، لكنهما عاشا طويلا في حياة بعضهما بعضا. وربما لهذا كانت كلمات أولغا بعد سنوات من وفاته تختصر كل شيء: «لقد بقيت هذه السنوات الست المؤلمة بالنسبة إليّ نورا وحقيقة وجمالا للحياة».
حقا إن بعض السنوات لا تُقاس بعدد أيامها، وإنما بما تتركه في القلب بعد أن تنتهي.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *