باريس- “القدس العربي”: قالت مجلة “ماريان” الفرنسية إن الجزائر تعتمد على وتر الحميمية والذاكرة، بينما تعتمد تركيا على المؤسسة الدينية والشبكات الجمعوية. لكن كليهما يتشاركان قناعة واحدة: أن جزءًا من السكان في فرنسا يخضع لنفوذهما ويمكن استخدامه كأداة تأثير حتى في صناديق الاقتراع.
واعتبرت المجلة أنه سيكون من الخطأ التقليل من نشاط الأجهزة الجزائرية والتركية في فرنسا. فقد غضت باريس الطرف لفترة طويلة، حيث يقول مسؤول سابق في الاستخبارات الداخلية الفرنسية (DGSI): “كانت هناك تعليمات غير مكتوبة بالتسامح مع بعض التجاوزات، حفاظًا على علاقات إستراتيجية في مجالات أخرى”.
منذ الولاية الأولى للرئيس إيمانويل ماكرون، حذّرت تقارير من التدخل التركي. أحد هذه التقارير صادر عن الاستخبارات الداخلية الفرنسية ومصنف بأنه “سري.. دفاع”، يصف إستراتيجية تعتمد على المدارس، الجمعيات، الاقتصاد، القومية المتطرفة، وفوق كل شيء الدين.
الجالية التركية هي ثالث أكبر جالية أجنبية في فرنسا: 500 ألف وفق باريس، وأكثر من 650 ألفًا وفق أنقرة، بينهم 320 ألفا من مزدوجي الجنسية. وهي الهدف الرئيسي لهذا النفوذ، ليس لمساعدتها بل للسيطرة عليها.
في قلب المنظومة، توجد منظمة “ديتيب” (DITIB)، المرتبطة بإدارة الشؤون الدينية التركية (ديانت). يُقال إن الخطب الدينية تُعد في تركيا. وتدير المنظمة نحو 270 مسجدًا، أي نصف المساجد التركية في فرنسا، كما كانت الدولة التركية تدفع رواتب 151 إمامًا من أصل 300.
وترى الاستخبارات الفرنسية أنها “أداة قوية لجمع المعلومات”، مع وجود صلات محتملة ببعض عناصر الاستخبارات التركية. حول هذا المحور تدور شبكة واسعة، بمن فيهم مدرسون يُرسلون لتعليم اللغة التركية، وجمعيات مثل COJEP وUID، وهيئة YTB المكلفة بشؤون الأتراك في الخارج.
يتمثل الهدف في الدفاع عن صورة تركيا، وتنظيم التصويت، والعمل كقنوات تأثير. كما تلعب جماعة “الذئاب الرمادية” دورًا قوميًا متشددًا، وقد تورطت في أحداث عنف في فرنسا عام 2020.
ومضت “ماريان” معتبرة أن تركيا تسعى إلى خلق “كتلة انتخابية تركية”، مشيرة إلى أنه في انتخابات عامي 2020 و2026، تم دعم مرشحين من أصول تركية في عدة قوائم لضمان وجود موالين لأنقرة داخل المجالس المحلية.
كما يعتمد النظام التركي على حزب “المساواة والعدالة” (PEJ)، الذي يُعد واجهة لحزب العدالة والتنمية التركي في فرنسا، تضيف المجلة الفرنسية، أن بعض المنتخبين المحليين على صلة مباشرة أو غير مباشرة بتركيا، بينما يتعاون آخرون معهم دون أن يكونوا تابعين لها بشكل رسمي.
الجزائر: أسلوب مختلف وأكثر مباشرة
وتابعت مجلة “ماريان” القول إنه مع الجزائر، تختلف الآلية، فهي أقل تنظيمًا مؤسسيًا وأكثر مباشرة. حيث إن العلاقة مع فرنسا ليست فقط سياسية بل عاطفية وتاريخية، وهو ما يستخدمه النظام الجزائري.
بينما تملك فرنسا عددًا محدودًا من القنصليات في الجزائر، تمتلك الجزائر نحو 20 قنصلية في فرنسا، تُستخدم ليس فقط للخدمات بل أيضًا للمراقبة والتأثير. وتشير تقارير استخباراتية إلى “نشاط متزايد وعدائي” منذ عام 2021، خاصة في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، تضيف المجلة.
تعتمد الجزائر على خطاب يذكّر بالماضي الاستعماري، ويتم الترويج له عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل. بعض المؤثرين يدعون الجالية إلى أن تصبح “مجاهدين 2.0”. لكن الميزة الأساسية للنموذج الجزائري هي أنه لا يصنع سياسيين، بل يتقرب من الموجودين بالفعل. ويتم تصنيف شخصيات فرنسية على أنها “صديقة للجزائر”، بمن فيهم مؤرخون، وسياسيون سابقون، وشخصيات إعلامية؛ كما تلعب مجموعات الصداقة البرلمانية دورًا في هذا السياق.
وتشير مصادر استخباراتية إلى أن بعض الأفراد يتحركون بدافع القناعة، بينما قد يكون آخرون مرتبطين بمصالح مباشرة أو حتى تمويل من جهات جزائرية.
وخلصت “ماريان” إلى أن الفرق الجوهري بين النموذجين التركي والجزائري، يتمثل في كون تركيا تصنع شبكاتها وتبني نفوذها من الصفر، بينما تستغل الجزائر شبكات قائمة وتؤثر عليها.
لكن الهدف واحد وهو استخدام جزء من المواطنين الفرنسيين من أصول تركية أو جزائرية كوسيلة نفوذ داخل فرنسا. مع التأكيد على أن الأصل أو الانتماء لا يعني بالضرورة الولاء، وأن الدعوة للتقارب تبقى موقفًا مشروعًا، لكن بعض الحالات قد تتجاوز ذلك إلى علاقات أكثر تعقيدًا.