الجزائر تطالب فرنسا بتحمل مسؤوليتها التاريخية حول التجارب النووية…وباريس تتحدث عن تسليم خرائط التفجيرات


الجزائر ـ “القدس العربي”: لا تزال التجارب النووية التي أجرتها السلطات الاستعمارية الفرنسية في الصحراء الجزائرية تسمم أجواء العلاقات بين البلدين، بعد أكثر من ستة عقود على هذه التفجيرات التي تركت مخلفات إشعاعية وآثارا بيئية وصحية ما تزال حاضرة، في وقت لا تزال فرنسا تمتنع عن المشاركة في جهود تنظيف هذه المواقع.

وتجدد النقاش مؤخرا حول هذه القضية، بعد مطالبة الجزائر على لسان وزير الطاقة مراد عجال فرنسا بتحمل مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية والقانونية عن تلك التجارب، بينما تؤكد حكومة باريس في ردها على سؤال برلماني أنها سلمت للجزائر ما بحوزتها من خرائط وبيانات حول المواقع الملوثة والنفايات المدفونة.

وفي كلمة خلال أشغال المؤتمر العام السبعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية المنعقد في العاصمة النمساوية فيينا، جدد وزير الطاقة والطاقات المتجددة، مراد عجال، دعوة الجزائر للدول التي قامت بتجارب نووية خلال الفترة الاستعمارية إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية والقانونية عن مخلفات هذه التجارب.

وقال عجال، في إن الجزائر “لن تدخر أي جهد لمعالجة المواقع الملوثة وتعزيز حماية السكان والبيئة”، لكنه شدد في المقابل على “المسؤولية التاريخية والأخلاقية والقانونية المترتبة على الطرف الذي أجرى هذه التجارب”.

ذكر الوزير بأن الجزائر كانت مسرحا لـ”57 تجربة وتفجير نووي”، مؤكدا أن تبعاتها المدمرة على البيئة والصحة لا تزال قائمة وتمتد عبر أجيال متعاقبة

وذكر الوزير بأن الجزائر كانت مسرحا لـ”57 تجربة وتفجير نووي”، مؤكدا أن تبعاتها المدمرة على البيئة والصحة لا تزال قائمة وتمتد عبر أجيال متعاقبة. كما جدد تأكيد الجزائر دعم الجهود الدولية الرامية إلى نزع السلاح النووي، وأبرز أهمية الآليات القانونية الخاصة بالمناطق الخالية من الأسلحة النووية، مجددا تأييد بلاده إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.

ويأتي هذا الموقف الجزائري في وقت أثير فيه ملف التجارب النووية الفرنسية من جديد في فرنسا، عقب رد رسمي على سؤال وجهته النائبة الفرنسية من أصول جزائرية، صبايحي، إلى وزيرة الدولة لدى وزير القوات المسلحة والمحاربين القدامى، أليس روفو، بشأن الخرائط والبيانات المتعلقة بالنفايات والمناطق التي تعرضت للتلوث الإشعاعي.

وقالت صبايحي إن القوات الفرنسية تركت بعد التجارب معدات مختلفة ونفايات مدفونة، بينها مواد ملوثة إشعاعيا، واستندت في سؤالها إلى حادثة التفجير الجوفي “بيريل” في منطقة تاوريرت تان أفلا يوم 1 مايو 1962. وكان ذلك التفجير قد تسبب في انفجار غير متحكم فيه أدى إلى انتشار تلوث إشعاعي طال عسكريين فرنسيين ومسؤولين كانوا في الموقع، إضافة إلى السكان المقيمين في المنطقة.

وطالبت النائبة بتقديم الخرائط والمخططات الهندسية التي تحدد أماكن النفايات المدفونة ومحيط المناطق الملوثة، معتبرة أن هذه المعطيات ضرورية لعمليات التطهير وتأمين المواقع وحماية السكان والبيئة. كما تساءلت عن سبب عدم تسليم باريس هذه البيانات للسلطات الجزائرية، وما إذا كانت الحكومة الفرنسية تعتزم نقل الخرائط إلى الجزائر.

وفي ردها، استندت وزيرة الدولة الفرنسية إلى الرواية الرسمية بشأن تفكيك المنشآت العسكرية الفرنسية وإعادة الأراضي إلى الجزائر، وفق الإطار الذي حددته اتفاقيات إيفيان.

وأشارت روفو إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أجرت، بناء على طلب الجزائر، خبرة إشعاعية للمواقع النووية الصحراوية عام 1999، وقالت إن باريس سلمت الوكالة آنذاك تقييما تقنيا يتضمن خرائط التجارب والبيانات التي جرى تسجيلها خلال عامي 1966 و1967، إضافة إلى إسقاطات لتلك البيانات حتى سنة 1999.

وبحسب الرد الفرنسي، نشر تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية سنة 2005 بموافقة الجزائر وبعد إدخال بعض التعديلات. كما أشارت الوزيرة إلى دراسة برلمانية فرنسية تعود إلى سنة 2001 تناولت الآثار الصحية والبيئية للتجارب التي أجريت في الصحراء الجزائرية، وقارنتها بآثار التجارب النووية التي أجرتها قوى نووية أخرى.

وأضافت أن مجموعة عمل من الخبراء الفرنسيين والجزائريين أنشئت سنة 2008 لدراسة إعادة تأهيل المواقع الصحراوية، مع إعطاء الأولوية لأمن السكان وحماية البيئة.

وفي النقطة التي أثارت النقاش مجددا، أكدت الوزيرة أن ملف التجارب النووية تتكفل به السلطات العليا في البلدين، وقالت إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سلم، خلال زيارته الرسمية إلى الجزائر سنة 2022، الرئيس عبد المجيد تبون “مجمل الخرائط والبيانات التي بحوزة باريس” بشأن أماكن النفايات المدفونة ومحيطات المناطق الملوثة.

ويأتي الرد الفرنسي بعد نحو 6 أشهر من إعلان الجزائر عن شروعها في تنفيذ عملية تطهير جزئي لأحد مواقع التجارب النووية الفرنسية، بعد عقود من الدراسات والتخطيط وتنسيق الجهود بين القطاعات الوزارية، وعلى رأسها وزارة الدفاع الوطني، وبإشراف خبراء جزائريين وبإمكانات وطنية.

واختير موقع تاوريرت تان أفلا في إن إكر بولاية تمنراست لهذه العملية بالنظر إلى رمزيته، إذ شهد تفجير “بيريل” الجوفي الذي صنف من أخطر التفجيرات النووية الفرنسية. وبلغت قوة الانفجار نحو 150 ألف طن من مادة “تي.أن.تي”، وتسبب في تصدعات بحجرة التجارب وتسرب غازات وتشكّل سحابة مشعة وتدفق حمم، ما أدى إلى تلوث واسع للمنظومة البيئية في المنطقة.

وبحسب المعطيات الواردة في وثائقي لوزارة الدفاع الوطني، لا تزال المنطقة تعرف تدفق إشعاعات مرتبطة بالسيزيوم-137 والبلوتونيوم. وشملت عملية التطهير الجزئي إنشاء مخيم خاص لجمع النفايات وتخزينها في حاويات خرسانية معدة لهذا الغرض، مع تطبيق إجراءات الأمن والسلامة، على أن يشكل الموقع نموذجا لإعادة تأهيل مستقبلية لمواقع أخرى.

وأشارت وزارة الدفاع إلى أن غياب الخرائط والأرشيف الفرنسي الخاص بهذه العملية عقّد مهمة تحديد المناطق المشعة، غير أنه لم يمنع الجزائر من مواصلة عملية التطهير.

وتعود التجارب النووية الفرنسية في الجزائر إلى الفترة الممتدة بين 1960 و1966، عندما أجرت فرنسا 17 تجربة في منطقتي رقان وإن إكر. وشملت أربع تجارب جوية بالقرب من رقان و13 تجربة تحت الأرض في جبال الهقار بالقرب من إن إكر، وكانت تلك التجارب جزءا من المسار الذي مكن فرنسا من دخول نادي القوى النووية.

ولم يتوقف الجدل حول هذا الإرث داخل الجزائر، بل انتقل خلال السنوات الأخيرة إلى البرلمان الفرنسي، حيث طرحت في الجمعية الوطنية مبادرتان تتعلقان بإرث التجارب النووية الفرنسية في الجزائر وبولينيزيا.

وتناولت إحدى المبادرتين قانون “موران” الصادر في 5 يناير 2010، والذي أنشأ آلية رسمية لتعويض ضحايا التجارب النووية. وينص النظام المعمول به على شروط للحصول على التعويض، من بينها إثبات الوجود في منطقة تعرضت للإشعاع خلال فترة محددة، والإصابة بأحد الأمراض الـ23 المدرجة في قائمة رسمية، وإثبات وجود علاقة سببية مباشرة بين المرض والتعرض للإشعاع.

واقترحت المبادرة مراجعة هذه الآلية من خلال اعتماد مبدأ “المسؤولية عن المخاطر”، بحيث يصبح إثبات الإصابة بمرض مدرج في القائمة، إلى جانب الإقامة أو العمل في المناطق المعنية، أساسا للحصول على التعويض دون اشتراط إثبات العلاقة السببية المباشرة. كما دعت إلى توسيع دائرة المستفيدين لتشمل الضحايا غير المباشرين من أفراد الأسرة.

وتضمن المقترح كذلك توسيع صلاحيات لجنة متابعة آثار التجارب النووية، وفتح الأرشيف العسكري والعلمي، وتشجيع الدراسات حول آثار التجارب، وإدراج هذا الفصل من التاريخ في المناهج التعليمية، إضافة إلى تخصيص الثاني من يوليو يوما وطنيا لإحياء ذكرى ضحايا التجارب النووية.

تعود التجارب النووية الفرنسية في الجزائر إلى الفترة الممتدة بين 1960 و1966، عندما أجرت فرنسا 17 تجربة.. وتقديرات تتحدث عن تضرر أكثر من 150 ألف شخص منها

أما المبادرة الثانية، فقد تقدمت بها النائبة دومينيك فوانيه وعدد من النواب من كتل سياسية مختلفة، واقترحت إنشاء لجنة تحقيق برلمانية خاصة بالتجارب النووية الفرنسية في الجزائر، تتولى بحث ظروف إجراء التجارب وآثارها الصحية والبيئية والإنسانية، إلى جانب تقييم آلية التعويض المعتمدة بموجب قانون موران.

وتشير المبادرة إلى تقديرات تتحدث عن مشاركة أو تضرر أكثر من 150 ألف شخص من التجارب النووية، بينهم آلاف الجزائريين، كما تورد أن حجم النفايات التي خلفتها التجارب لم يكن محددا بشكل دقيق. وتتحدث أيضا عن معدات ملوثة ورمال زجاجية وعربات استخدمت في عمليات التفجير، قالت إن بعضها لا يزال في العراء ومعرضا للرياح والرمال بالقرب من مناطق مأهولة.

كما تطرقت المبادرة إلى محدودية ملفات التعويض المقدمة من الجزائر، مشيرة إلى أنه لم يتم الاعتراف سوى بملفين من الملفات التي قدمت، وإلى أن اللجنة الجزائرية-الفرنسية المشتركة التي أنشئت سنة 2012 لم تجتمع سوى مرة واحدة دون نتائج ملموسة، بحسب ما ورد في النص البرلماني.

ويتقاطع هذا النقاش مع مطالب دولية متكررة بشأن إرث التجارب النووية الفرنسية في الجزائر. فقد دعت 22 منظمة دولية شهر شباط/فبراير الماضي إلى كشف الحقيقة الكاملة حول هذه التجارب بمناسبة مرور 66 عاما على أول تفجير نووي في رقان سنة 1960، مطالبة فرنسا بالاعتراف بمسؤوليتها ورفع السرية عن الأرشيف وتحديد مواقع النفايات المشعة وتعويض الضحايا وإصلاح آلية التعويض.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *