الجزائر- “القدس العربي”: تنتهي الحملة الانتخابية في الجزائر منتصف ليل الأحد لتدخل البلاد مرحلة ما يعرف بالصمت الانتخابي استعدادا للانتخابات التشريعية التي ستجرى يوم 2 تموز/ يوليو المقبل، في محطة فاصلة تفتح المجال أمام الناخبين لاتخاذ قرارهم بعيدا عن الدعاية الانتخابية.
ويفرض الصمت الانتخابي، وفقا لأحكام القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، التوقف الكامل عن كل أشكال الدعاية الانتخابية، بما في ذلك التجمعات الشعبية واللقاءات الجوارية والإعلانات والمنشورات، كما يمنع أي محاولة للتأثير على إرادة الناخبين خلال الأيام الثلاثة السابقة للاقتراع.
وفي السياق ذاته، ذكّرت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بمنع نشر أو بث سبر الآراء واستطلاعات نوايا الناخبين ابتداء من السبت بالنسبة للدائرة الانتخابية الخاصة بالجالية الوطنية المقيمة بالخارج، وابتداء من الاثنين بالنسبة للدوائر الانتخابية داخل الوطن، على أن يستمر هذا الحظر إلى غاية اختتام عملية الاقتراع، وذلك تطبيقا لأحكام المادة 81 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات.
وبالتزامن مع دخول البلاد مرحلة الصمت الانتخابي، انطلقت عملية التصويت بالنسبة للجالية الوطنية المقيمة بالخارج، حيث فتحت مكاتب الاقتراع عبر السفارات والقنصليات الجزائرية أبوابها أمام أكثر من 854 ألف ناخب مسجل، لاختيار 12 نائبا يمثلون الجالية في المجلس الشعبي الوطني.
وفي جنوب البلاد، باشرت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إرسال قوافل المكاتب المتنقلة نحو المناطق الصحراوية المعزولة، حتى يتمكن سكانها والبدو الرحل من ممارسة حقهم الانتخابي. وقد تم تخصيص 134 مكتبا متنقلا موزعة عبر 15 ولاية، فيما انطلقت بعض القوافل مبكرا بسبب المسافات الشاسعة التي تفصلها عن المناطق المستهدفة، كما هو الحال بالنسبة لبعض مناطق ولايات تندوف وأدرار وتمنراست، حيث تستغرق الرحلات مئات الكيلومترات للوصول إلى التجمعات السكانية المتناثرة.
ويعكس هذا التنظيم خصوصية الانتخابات في الجزائر، بالنظر إلى اتساع الرقعة الجغرافية للبلاد، وما يفرضه ذلك من ترتيبات استثنائية لضمان شمول العملية الانتخابية لجميع المواطنين، مهما كانت أماكن إقامتهم.
وقبل ساعات من إسدال الستار على الحملة الانتخابية، عقدت الأحزاب السياسية آخر تجمعاتها الشعبية، خاصة بالعاصمة، في محاولة أخيرة لإقناع الناخبين ببرامجها واستمالة المترددين.
وفي هذا الإطار، اختارت الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة حنون، اختتام حملتها الانتخابية في العاصمة، حيث جددت دفاعها عن الطابع الاجتماعي للدولة، ودعت الناخبين إلى التصويت لصالح برنامج حزبها الذي يركز على حماية القدرة الشرائية، وتحسين أوضاع العمال والمتقاعدين، وتعزيز الخدمات العمومية، معتبرة أن البرلمان المقبل مطالب بالدفاع عن المكاسب الاجتماعية والسيادة الاقتصادية.
أما الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، عبد الكريم بن مبارك، فقد اختتم بدوره الحملة بتجمع جماهيري في العاصمة، دعا خلاله إلى مشاركة واسعة في الانتخابات، معتبرا أن ارتفاع نسبة التصويت يمثل دعما للمؤسسات المنتخبة وتعزيزا للاستقرار السياسي، ومشددا على أن حزبه يسعى للحفاظ على موقعه الريادي داخل المجلس الشعبي الوطني.
من جهته، أنهى الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، منذر بوذن، الحملة الانتخابية بتجمع مماثل، دعا خلاله المواطنين إلى التوجه بقوة إلى صناديق الاقتراع، مؤكدا أن حزبه يراهن على تجديد حضوره البرلماني والمساهمة في مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية.
ولم تقتصر دعوات المشاركة على أحزاب الموالاة، بل تحولت إلى قاسم مشترك بين مختلف التشكيلات السياسية، بما فيها أحزاب المعارضة، التي اعتبرت أن المشاركة الواسعة هي السبيل لإحداث التغيير من داخل المؤسسات المنتخبة.
فقد ركزت أغلب خطابات قادة الأحزاب، سواء جبهة التحرير الوطني أو التجمع الوطني الديمقراطي أو حزب العمال أو حركة مجتمع السلم أو جبهة المستقبل أو جبهة القوى الاشتراكية أو حركة النهضة وغيرها، على ضرورة التوجه إلى صناديق الاقتراع، أكثر من تركيزها على مهاجمة الخصوم السياسيين.
ويأتي هذا الإجماع على الدعوة إلى التصويت في ظل استمرار التخوف من ظاهرة العزوف الانتخابي التي طبعت أغلب الاستحقاقات الوطنية خلال السنوات الأخيرة، حيث ظلت نسب المشاركة تشكل أحد أبرز مؤشرات النقاش السياسي في البلاد.
ويرى متابعون أن نسبة المشاركة المرتقبة ستشكل أحد أهم المؤشرات التي سيتم على أساسها تقييم هذه الانتخابات، خاصة بعد تسجيل نسب مشاركة متواضعة في عدد من المواعيد الانتخابية السابقة، وهو ما جعل الأحزاب تعتبر رفع نسبة الإقبال هدفا مشتركا يتجاوز المنافسة الحزبية التقليدية.
غير أن الحملة الانتخابية لم تخل من تطورات أثارت جدلا واسعا، في مقدمتها استمرار الإقصاءات حتى بعد انطلاق النشاط الميداني، نتيجة تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، التي تشترط ألا يكون المترشح معروفا لدى العامة بصلته بأوساط المال والأعمال المشبوهة أو بتأثيره على حرية اختيار الناخبين.
وأدى تطبيق هذه المادة إلى إسقاط عدد من المترشحين، قبل أن تتسبب قرارات الرفض في إلغاء قوائم كاملة بعد تعذر تعويض الأسماء المقصاة ضمن الآجال القانونية، وهو ما مس أحزابا من الموالاة والمعارضة على حد سواء.
ومن أبرز الحالات التي أثارت الانتباه سقوط قائمة حركة البناء الوطني في العاصمة، بعد إلغاء ترشح عدد من أعضائها، فضلا عن إقصاء قائمة حزب جيل جديد في إحدى دوائر الجالية بفرنسا، وإقصاء قائمة حركة مجتمع السلم بولاية سطيف، إلى جانب إلغاء قائمة جبهة التحرير الوطني بولاية غليزان.
وأثارت هذه التطورات ردود فعل متباينة داخل الأحزاب المعنية، التي اعتبرت أن استمرار الإقصاءات خلال الحملة الانتخابية أثر على سير المنافسة، وأربك حساباتها التنظيمية، خاصة في الولايات التي كانت تعول على مترشحين يتمتعون بحضور محلي وقواعد انتخابية واسعة.
وفي المقابل، تؤكد السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن جميع القرارات جاءت تطبيقا للقانون، وبعد دراسة الملفات والفصل في الطعون أمام الجهات القضائية المختصة، مشددة على أن احترام شروط الترشح يمثل ضمانة لنزاهة العملية الانتخابية.
وعلى امتداد ثلاثة أسابيع، اتسمت الحملة الانتخابية بهدوء نسبي مقارنة بمحطات انتخابية سابقة، مع حضور متزايد لوسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى فضاء رئيسي للتواصل مع الناخبين، خصوصا لدى فئة الشباب، مقابل تراجع نسبي للتجمعات الجماهيرية الضخمة في عدد من الولايات.
كما ركزت برامج الأحزاب على ملفات القدرة الشرائية، والتشغيل، والاستثمار، والسكن، وتحسين الخدمات العمومية، إلى جانب قضايا التنمية المحلية، فيما تباينت الرؤى بشأن الإصلاحات السياسية والاقتصادية، مع احتفاظ كل حزب بخطابه التقليدي وهويته السياسية.
ومع اقتراب الموعد الانتخابي، تتجه الأنظار إلى يوم الاقتراع الذي سيحدد تركيبة المجلس الشعبي الوطني الجديد والأغلبية التي سيفرزها، وهو البرلمان الذي سيستمر مع البلاد إلى غاية سنة 2030.