شيريت افيتان كوهن
“تركيا ليست دولة عدو”، شدد نتنياهو الأسبوع الماضي في مقابلة صحفية منحها لوسائل الإعلام الأجنبية.
فما هي إذن؟ تعنى إسرائيل كثيراً بالتنظيم الجديد للكتلة السُنية في المجال الإقليمي بقيادة تركيا وبتعزيز قطري، على خلفية ضعف المحور الإيراني. اردوغان، الذي يشخص إسرائيل كقوة عظمى إقليمية يعمل كثيراً ليمنعها من أن تصبح دولة تجارة في المسار الذي يمر من الشرق إلى الغرب ويبذل في ذلك جهوداً عظيمة. ويطلق أذرع التدخل إلى مناطق نزاع فاعلة في الشرق الأوسط، ويقدم رعاية لقيادة حماس ويرغب بالتمترس في سوريا.
هذه بالفعل ليست حرباً بالمعنى الذي اعتدنا عليه في الشرق الأوسط. لكن تطلعات الرئيس التركي وخطابه وأعماله الأخيرة لا تمنح الراحة لإسرائيل، التي تشخص إلى جانب ضعف المحور الإيراني صعود قوة جديدة – قديمة في المجال: الكتلة السُنية. أحد التخوفات أنه في ضوء خيبة أمل السعودية من النشاط المحدود لأمريكا تجاه إيران، ستصبح لاعبة قوية ومهمة في الكتلة السُنية. بهذا الشكل، يدق أردوغان إسفيناً عميقاً في إمكانية تقدم إسرائيل والسعودية نحو اتفاق سلام، بل وسحب التقدم الذي تم، إلى الخلف.
الاستعداد لمواصلة المواجهة
يتمتع أردوغان بسبب ضعف إيران ومحورها، وبالمقابل يحاول أن يلعب دور الوسيط النشط ضد استمرار الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على الدولة. من الجهة الأخرى، إيران لم ترفع الأيدي، وإسرائيل تستعد لمواصلة المواجهة بهدف إضعاف النظام وإسقاطه. ورغم الوضع الصعب للنظام، لا يزال معنياً بتجديد طوق النار حول إسرائيل بواسطة حزب الله وحماس (المضعفة) والحوثيين أيضاً الذين يحوزون 200 ألف جندي مدرب ومسلح جيداً.
البروفيسور كوبي ميخائيل، باحث كبير في معهد “مسغاف” ومعهد الأمن القومي، يقول لـ “إسرائيل اليوم” إن إسرائيل في “متاهة استراتيجية”. على حد قوله، “علقت في واقع لا يمكنها فيه ترجمة إنجازاتها العسكرية إلى منفعة استراتيجية، معناها إعادة تصميم مبنى إقليمي جديد. ونشأت المتاهة نتيجة دخول الأمريكيين إلى مفاوضات مع الإيرانيين انطلاقاً جهله للإيرانيين. كان واضحاً بأنه لا يوجد احتمال لجسر الفجوات بين الطرفين، وأن الإيرانيين يستغلون الوقت لإعادة بناء قدراتهم لأنهم لا يتنازلون عن فكرة المحور الاستراتيجية بتصفية إسرائيل”.
كما يقول البروفيسور ميخائيل: “حزب الله هو درة تاج هذا المحور، ولهذا طالب الإيرانيون بربط وقف النار مع الولايات المتحدة بوقف النار في لبنان، حفاظاً على حزب الله كذخر استراتيجي هو الأهم لهم. كما أن هذه إشارة لكل الوكلاء الآخرين الذين ضعفوا جداً في سوريا والعراق وغزة والحوثيين، لأنهم سيهرعون إلى نجدتهم مثلما يفعلون لحزب الله. وعليه، يمكن الإشارة بوضوح إلى رغبتهم في تجديد طوق النار حولنا. لذا، ما دام هذا النظام قائماً، فلا احتمال أن تغير إيران طريقها”.
هل سيدخل الناتو إلى الصورة؟
بهذا المفهوم، يعتقد البروفيسور ميخائيل بأن على إسرائيل أن تكون جاهزة ليوم الأمر، والمواصلة مباشرة إلى حملة “زئير الأسد” التي لم تنته رسمياً. “على إسرائيل الآن أن تسمح للأمريكيين بإدارة الأمر حيال إيران، لكن عليها الاستعداد للرد بشكل حاد جداً إذا ما أدخلنا النظام الإيراني إلى المواجهة وهاجمنا هنا. ربما يحاول ترامب أن يبني تحالفاً مع دول الخليج وربما الناتو حيال إيران، ويطلب من إسرائيل احتواء هجوم مستقبلي عليها، مثلما طلب بوش الأب من شامير؛ ففي حينه، وافق شامير على ألا يهاجم العراق حين أطلقت صواريخ “سكاد” على إسرائيل. أما اليوم برأيي، على إسرائيل أن ترد بحدة إذا ما هوجمت، حتى ولو بثمن الصدام مع ترامب وأزمة في العلاقات مع الولايات المتحدة”.
العقيد احتياط البروفيسور غابي سيبوني، مدير معهد القدس للاستراتيجية والأمن، يشرح الصلة بين ضعف المحور الإيراني ونمو تركيا في المجال. “من المناسب لتركيا أن تكون إيران ضعيفة، لكن ليس إيران جديدة. لذا، فقد منع الأتراك محاولة لإدخال قوات كردية إلى إيران، وليس فقط لأن هناك حساباً معهم”، يشرح البروفيسور سيبوني.
وعلى حد قوله، فإن “ضعف إيران” واضح، والنظام في وقت مستقطع. استمرار هذا الميل متعلق بالأعمال التي يتخذها الأمريكيون. إذا ما وسع الهجوم ليشمل المنظومة الاقتصادية الإيرانيين كلها، فسينشغلون بإعادة الإعمار على مدى عقود. يجدر بالذكر أن إيران يمكنها العيش على الخبز لمئة سنة أخرى، وأن تبقي هدف تدمير دولة اليهود قائماً. وسيفعلون كل ما يستطيعون لترميم طوق النار. الإرادة موجودة، والسؤال: هل ستكون لهم القدرة على ذلك”.
بالمقابل، يقول البروفيسور سيبوني عن صعود أردوغان كقوة إقليمية: المحور السُني الراديكالي بقيادة تركيا وقطر يصعد. فكرة أردوغان إعادة الإمبراطورية العثمانية في أرجاء الشرق الأوسط؛ فهو يملك قاعدة عسكرية كبرى في الصومال، ويحاول تحدي مشروع التجارة من الهند عبر إسرائيل إلى العالم، ويخلق بدلاً منه محوراً بديلاً عبر تركيا وباكستان وسوريا. كما تحاول تركيا العمل داخل إسرائيل، بمناسبة الانتخابات، من خلال حملات تأثير، وكذا من خلال أعمال في الحوض المقدس في القدس، بتمويل مساجد وإقامتها لتحدي الوجود الإسرائيلي.
الانتقال إلى الاستقلالية التسليحية
أمام هذه التحديات – إيران وتركيا ومتطلبات نفوذهما، بما في ذلك حيال الإدارة الأمريكية – على إسرائيل أن تستعد كنموذج جديد، كما يوضح الباحثون. ليس بتعلق مطلق بالولايات المتحدة بعد اليوم، بل الانتقال إلى الاستقلالية التسليحية قدر الإمكان، وخلق تحالفات أخرى في المنطقة. “اقترح مؤخراً فك الارتباط عن المساعدات الأمريكية، ورئيس الوزراء يسير في هذا الاتجاه”، يقول البروفيسور سيبوني الذي يعتقد بأن الهدف هو عدم إبقاء كل البيض في سلة أمريكية واحدة، “وكذا البدء بفك الارتباط عن التعلق بالتسلح الأمريكي، وتطوير شراكة تجارية مع دول أخرى مثل كوريا الجنوبية والهند واليابان بتطوير الصناعة العسكرية.
البروفيسور ميخائيل هو الآخر يقود خطاً مشابهاً للانتظام الإسرائيلي في المجال. “على إسرائيل في كل ما يتعلق بالجوانب العسكرية، أن تقلص التعلق بسلاسل التوريد وتزيد الإنتاج الذاتي كي لا تكون متعلقة بالولايات المتحدة حصرياً. لقد سبق أن كنا تحت حظر جزئي للسلاح في إدارة بايدن، ورأينا القيود. مطلوب خلق تعاونات مع دول أخرى مثل صربيا وهنغاريا والهند، نعتمد عليها عند الأزمة، وألا نبقى متعلقين بالولايات المتحدة”.
عزلة – لا حرب
حين تتجه العيون إلى خطوات أردوغان الأخيرة، كما يوضح البروفيسور ميخائل إذ برأيه “وجهة تركيا ليست نحو الحرب ضد إسرائيل، لكنهم نعم، في مكان عزل إسرائيل وضعفها حين يدخلون إلى كل ساحة مواجهة في الشرق الأوسط كجهة مؤثرة في لبنان وسوريا، وفي نشاطات المياه الاقتصادية حيال اليونان وقبرص ومن خلال توثيق العلاقات مع مصر وباكستان. لهذه الخطوات معنى من ناحية تصريحية، حين يسعى الأعضاء في الكتلة السُنية ومنهم تركيا وباكستان، إلى حلف دفاع – يجدر بالذكر أن باكستان نووية”.
وعلى حد قول البروفيسور ميخائيل “يدور الحديث عن محور إشكال، إذ إن تركيا تستخدم هذا المحور كي تثبت هيمنة إقليمية وتستغل ضعف إيران. إلى جانب هذا، ترامب وأردوغان على علاقات حارة جدا، ولا ننسى أن الحديث يدور عن حزب كبير داعم للإخوان المسلمين (حزب أردوغان) المصاب باللاسامية، والذي يسمح لحماس بالعمل من الأراضي التركية وتثبت بنى تحتية للإرهاب في “المناطق” [الضفة الغربية]. عندما ترتبط كل النقاط بفهم تركيا لإسرائيل كقوة عظمى إقليمية، فإنه يترجم إلى عداء كبير لإسرائيل بالأقوال وبالأفعال على حد سواء، بشكل يصعب على إسرائيل أن تصل إلى حيث تريد أن تصل”.
إن الانتظام العسكري الإسرائيلي ضد إيران لا يزال في ذروته، إلى جانب استمرار الحرب بقوى منخفضة في عموم الساحات – لبنان، غزة، وسوريا – لكن إلى جانب ذلك، يوصي البروفيسور سيبوني بإدخال تركيا إلى سيناريو محتمل وبناء القوة بما يتناسب مع ذلك. “على الجيش أن يعزز سلاح البحرية؛ لأن لتركيا قدرة بحرية هائلة، وإذا أرادت يمكنها إغلاق المنافذ البحرية على إسرائيل. كما ينبغي منع الصفقة لبيع شركة “تسيم” إلى شركة تملكها قطر جزئيا”.
مع كل التغييرات حولنا، يجب علينا متابعة مسار الكرة، كما يجمل البروفيسور سيبوني فيقول: “علينا ألا ننسى بأن الأفضلية الأولى لإسرائيل هي إنهاء المهمة في إيران حتى تغيير النظام”.
إسرائيل اليوم 21/7/2026