«التفاح الحرام» على إيقاع الدرون المحلّقة


عاد التلفزيون من جديد إلى عرض حلقات مسلسل «التفاح الحرام»، وذلك انسجاما مع حال البلد الذي لا يستحقّ أن يؤتى له بجديد. والمسلسل، لكثرة ما استُهلك بالإعادة، بات يُعرَض في وقت مشاهدة ميّـت. لكنني أحضره، مع أن جميع من أعرفهم يرمونه بالسخف، ويكرهون طريقة العيش التي لشخصيّاته. هو يسلّي، يقولون، ولا شيء فيه يدفع إلى التوتّر، أو الغضب، أو الإحساس بالحزن. حتى مقتل بطله خالد على يد نسائه الثلاث لم يستدعِ أسفا من أحد. لقد مات، لكن على أمل أن يعود إلى الحياة ثانية، وهذا ما قد يحصل، حسبما وعد المخرج، ظانّا أن المسلسل لن يقدر على النهوض من دونه.

مع أننا، نحن المشاهدين، لا نكنّ لخالد حبّا أو مودّة، بل إننا لا نستاء من معاملته الفظّة لنسائه اللواتي تزوجهنّ واحدة بعد الأخرى. كما أننا، في ما يتعلّق بهنّ، يلذز وإندر وشاهقة، لا نعرف أي موقف علينا ان نتخذه منهن، واحدة بعد واحدة، بل إنني أحسب أن جميع من يحضرون الحلقات لا يكفّون عن التساؤل إن كانت أندير جميلة، أو إن كانت لئيمة، أو إن كانت يلدز طيبة القلب في وقت ما تتمكّن من كسب الجولات على غريمتيها الداهيتين. أما الثالثة، شاهقة، فالمقالب المحكمة التي تدبّرها لم تفدها في شيء. كانت تخسر في نهاية كل من تلك الجولات، بل ربما هناك من يسأل إن كان خالد قد تزوّجها فعلا قبل رحيله منزلقا عن حافة الدرج.
هذا هو سرّ المسلسل، يقول البعض، إنه ليس مثل الأعمال السينمائية والتلفزيونية حيث الأبطال إما يموتون وإما يتزوّجون، حيث يؤدّي ذلك إلى مشاعر عارمة، حزينة أو مفرحة. هنا، في «التفّاح الحرام»، لا كوميديا ولا مأساة. لا تراجيديا ولا دراما عاطفية، بل مشاعر طمسها جريان الحياة خاليا من المشاعر المرافقة له. الحياة السهلة لأنها بلا معنى، ولأن الشخصيات مرن استعمالها وتنقيلها بين الأدوار، التي تؤرجحها مرّة إلى جهة الثراء، ومرّة إلى جهة الإفلاس، تكرارا ومرّة بعد مرة. وهذا ما حصل مع جميعهن، ومع خالد أيضا الذي اضطرّ في مرحلة ما إلى أن يعمل محاسبا في دكان، وذلك بعد أن كان من كبار أثرياء تركيا.

مع هذا التقلّب في أن تكسب هذه على تلك، أو تثأر تلك من غريمتها التي حقّقت عليها مكسبا أدّى إلى إفقارها، لا سبيل إلى أن يسلك المسلسل طريقه إلى الانتهاء. فالممثّلون يبدون كأنهم فرقة تمثيل تؤدّي أدوارها، أو أدوار بعضها بعضا، هكذا بما يشبه فرقة سيرك جوّال يحلّ أحدهم محل الآخر في حال مرضه. وهذا ما يجعل المسلسل مستمرا في البقاء، إلى حدّ أن علّقت فنانة تلفزيونية لبنانية بأنها لم تنقطع عن مشاهدته منذ الثمانينيات، قاصدة أن شيئا لم يتغيّر، لا فيها ولا فيه، منذ ذلك الحين.
هي حظوظ تأتيهن سالبة أو موجبة، فيعدن بضربة ما إلى أن يرجعن كما كنّ في ذلك الصراع على الثروة، كما على المكانة في عالمهنّ الضيّق. هو مسلسل صامد، وهو يعرف أنهم، بعد توقّفه، لفترة ما، بعد عرض كل حلقاته، أنهم سيخرجونه من الخزانة لملء فترات ما بعد الظهر. وهذا ثمن عتقه وثمن تكرار عرضه الذي عليه أن يدفعه. أما ما يعينه كي يظلّ قابلا للمشاهدة فالزينة التي تظهر على أجسادهن، هنّ الثلاث، وأوّلهنّ إندر التي لن تظهر، خلال آلاف المرّات، إلا بثوب مدهش جديد، ودائما بما يفوق حاجة الظهور. عرض أزياء مستمّر تقوم به أندر، لا لتزداد به جمالا حيث، رغم ما لا عدّ له من الفساتين، يظلّ مشاهد المسلسل يسأل الذين حوله إن كانوا يجدون أندر جميلة.
هو لفترة ما بعد الظهر، فترة القيلولة التي لا تحتاج من المشاهد تركيزا كثيرا، لأنه يعرف ذلك من المرات السابقة التي قّدمت خلال السنوات الماضية. المهم هو المَشاهد التي تحدث فيها المقالب، والثياب ذات الأناقة المفرطة، وضحكات يلدز المدبلجة إلى العربية، وكل ذلك مترافق مع الطائرة الإسرائيلية التي لا يتوقّف هديرها، رواحا ومجيئا، فوق الرؤوس، وانتظار الفواصل الإخبارية التي سيقول فيها المذيع إن كان دونالد ترامب قرّر الضغط على إسرائيل كي تتراجع عن تهديدها بضرب بيروت.

كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *