يُسهِّل الاشتقاق العربي تبيُّن دلالة للتطرف تبدو أكثر ملاءمة للأوضاع السياسية العربية، ومنها السورية، دلالة إحلال طرف لنفسه محل الأطراف الاجتماعية والسياسية الأخرى، ليكون ذلك الطرف الأطراف كلها، أو هو المتحكم بها والمتصرف بشؤونها. القوى والمجموعات الأخرى إما معزولة عن الفضاءات العامة، أو هي مقموعة قمعاً نشطاً يمس بفرصها في البقاء الفاعل.
عرفنا هذا الضرب من التطرف البنيوي في الحقبة الأسدية، ونعرفه سلفاً اليوم. ونميزه في الحالين عن تطرف خطابي، كان قد ميز الخطاب القومي العربي حيال غير العرب، ويميز الخطاب الإسلامي، تنويعاته السلفية بخاصة، حيال غير المسلمين وغير السنيين من المسلمين. وعدا التمييز بين تطرفين، بنيوي وخطابي، يفيد التمييز بين صورتين للتطرف الأخير. التطرف في صورته النظرية الصافية، ثم التطرف في الخطاب المعلن. كان حافظ الأسد يوصف بالبراغماتية مثل أحمد الشرع اليوم، لأن خطاب حكمه لم يكن الخطاب القومي العربي الصافي مثلما نص عليه دستور حزب البعث عام 1947 مثلاً، وبمثل ذلك يوصف أحمد الشرع الحالي، ويعرض خطاب صيغة معدلة من خطاب الإسلام السياسي، ومن باب أولى خطاب السلفية الجهادية التي ينحدر منها.
في الحالين كذلك، لا تمس البراغماتية الخطابية المعلنة التطرف البنيوي الذي يتمثل في أن طرفاً اجتماعياً عقدياً يشغل في الدولة موقعاً امتيازياً، يهمش الأطراف الأخرى ويمنعها من الظهور العام. بل يبدو الاعتدال الخطابي الفوقي، اعتدال المتكلمين الرسميين ووسائل الإعلام الرسمية، هو الثمن المدفوع لحجب التطرف البنيوي، أي إحلال طرف سياسي أهلي، ذي حيثية دينية بارزة، لنفسه في السلطة العمومية محل الأطراف الأهلية وغير الأهلية الأخرى.
مثل غيره، المجتمع السوري متعدد الأطراف، وتعدده متعدد هو ذاته، لا يقبل الاختزال إلى روابط موروثة، هي وحدها ما يميل الحكم الحالي إلى الاعتراف بها وتوفير تمثيل واجهي لها. وهو نفسه يقر بأنه طرف اجتماعي عقدي محدد، حين يعمل على إلغاء التعدد في نطاق السنيين السوريين الذين ينتسب إليهم عقدياً وسياسياً بدعوة الإخوان إلى حل تنظيمهم. إن حصل ذلك فسيكون هو الممثل الحصري للسنيين الذين يشكلون أكثرية أهلية بين السوريين، ما يحصر السياسة في التفاوض بين أكثرية وأقليات أهلية، وما يُطبِع وضعه الدائم في الحكم، وضع «الأخ الأكبر».
ولا تحل مشكلة التطرف البنيوي بالاعتراف بالتعدد الأهلي، ولا بالتعدد داخل الجماعات الأهلية، بل هي لا تعالج حتى بتعدد سياسي مسقوف قد يكفله قانون أحزاب لا يبعد أن يبقيها بمستوى حياة أحزاب «الجبهة الوطنية التقدمية» الأسدية وموتها. ما يهدره التطرف البنيوي، اليوم كما بالأمس، هو المشاركة الواسعة للسوريين في الحياة العامة كمواطنين متساوين حقوقياً وسياسياً. المواطنة هي المضمون الأساسي لعملية إعادة بناء وطني واسعة لا تشكل إعادة الإعمار غير الجانب الظاهر منها. وهذا لأن الدمار السوري هو دمار الروابط الوطنية والمواطنية، ودمار الدولة كمؤسسة حكم عامة جامعة، قبل أن يكون دمارا للاقتصاد والبنى التحتية. هذا ظاهر جداً اليوم، وكان ظاهراً في سنوات الثورة وما بعدها. وحتى لو كان لدينا أكفأ وأنزه فريق حاكم، فإن سوريا في حاجة إلى انخراط نشط لجميع السوريين في عمليات البناء والحياة العامة، ولا تملك ترف استبعاد مجموعات منهم. التطرف البنيوي يُهدِر اليوم مثلما أهدر بالأمس طاقات قطاعات أوسع من السكان، ويتسبب في فتور همة أكثرهم، ويفسد الموالين، وبالتالي يقود إلى فشل إعادة الإعمار، ومن باب أولى إعادة البناء الوطني.
ثم أننا نعلم سلفاً ان الفريق الحاكم ليس مثالاً للنزاهة، على ما يتعاقب تكشفه من جشع للثروات والأبهة والفخفخة الرخيصة من وزرائه وكبرائه، فوق أنه ليس مثالاً للكفاءة بحكم التكوين والمنشأ وقلة الخبرة وصعوبة التحديات. لكن هنا أيضاً المشكلة لا تنحصر في هذا فقط. كان يمكن لمشكلات الكفاءة والنزاهة أن تعالج في إطار من التعدد والشفافية والحريات العامة، بما يعزل الفاسدين والجشعين، ويوفر إطاراً لاكتساب الخبرة والتعلم العام، مما هو غائب كل الغياب اليوم. لا يُلام من جاؤوا من خارج جهاز الدولة على أنهم لا يعرفون كيف يديرون الدولة وأجهزتها، لكنهم يلامون كل اللوم على أن تطرف بنية نظامهم يمنعهم من التعلم.
السؤال في وضع سوريا الراهن، يتصل بكيفية صيانة مختلف ضروب التعدد دون التضحية بالوحدة، ثم بكيفية ضمان الوحدة دون المجازفة بالتطرف
ومن هذا المنظور، يظهر أن التطرف البنيوي مشكلة لإداريي هذا الضرب من الحكم الفاشل وليس فقط لمحكوميهم المناكيد. وهذا لأنه يحرمهم من القدرة على التحسن والتطور، من أن يصيروا أفضل مما كانوا سياسة وكفاءة وأخلاقية، فوق أنه يحرم العموم من فرص الترقي العام وتشكيل مجتمع متضامن. فكأنما الحكم المتطرف يد تقطع اليد الأخرى في الجسم كي تبقى هي الوحيدة. هذه الصورة تبدو تمثيلاً مطابقاً بخاصة للتطرف الإسلامي المعاصر حيث يقطع القوم بيدهم أطراف الجسم الاجتماعي الأخرى، يداً وقدمين، كي يبقوا الطرف الوحيد الأوحد. هذا إنتاج للإعاقة والعجز، بل عملية تدمير ذاتي، ومؤشر على اختلالات نفسية وإدراكية وسياسية هي ما نعاود وصفه بالعدمية.
وفي التاريخ السوري القريب، تسبب التطرف البنيوي في نزع مدنية المجتمع السوري وتفزّره أهلياً، وفي فساد جميع الناس أو يكاد، إن بالقعود والانكفاء على الحياة الخاصة، أو بالنفاق والتملق، أو بالكيد والكراهيات النشطة. وأفسد الفاسدين في بنى الحكم المتطرفة هم الحاكمون الذين لا منافسين لهم. كان يقال في أيام بشار الأسد إنه جيد، لكن من حوله أوغاد (الصفة المستخدمة فعلاً أوفى بالمراد، لكنها بذيئة). بعد سقوط نظامه صار يقال إنه الوغد الأكبر.
نركز على مفهوم التطرف البنيوي لأنه يوفر نقداً جذرياً للبنية القائمة، ولا يحول دون نقد التطرف الخطابي الذي يُثبِّتها ويضفي عليها الشرعية. من شأن التركيز الحصري على هذا التطرف الأخير أن يكون ركوناً إلى مماحكات خطابية، تغذي في شروطنا العينية نزعات التسفيه الطائفي المنتشرة، وتفتح الباب أمام أسديين خجولين وصرحاء. في واقع الأمر، القطيعة الخطابية بين الأمس واليوم هي استمرارية في حيثية التطرف البنيوي.
وفي الحالين، يجد التطرف الخطابي سره في تأمين بنية سياسية تتيح نفاذاً امتيازياً إلى السلطة والموارد والظهور العام مما هو محقق اليوم، أي في التطرف البنيوي. الفرق أن التطرف الخطابي استفزازي وعدائي في قيامه بذلك، بينما التطرف البنيوي غير محتاج لأن يكون كذلك. وتبدو «براغماتية» الحكم الحالي مقتصرة على خفض العدائية المميزة للخطاب السلفي الجهادي.
وأقرب صور التطرف الخطابي اليوم ضمن جمهور السلطة هي ما تنطلق من مزيج من مظلومية سنية، ومن أن السنيين هم «الأمة» لتسويغ التطرف البنيوي. الشكل السلفي الجهادي للتسويغ لا يصلح لهذه المهمة بفعل فجوره العدائي.
وبعد ذلك، التطرف البنيوي مشكلة كيانية وليس مجرد مشكلة سياسية. وهذا لأنه لما كان المجتمع متعدد الأطراف، فإنه يواجه تحدي التفكك إلى أطرافه المتعددة غير الممثَّلة، بما يبقي تقسيم الكيان الوطني ممكناً سياسياً. والسؤال في وضع سوريا الراهن، يتصل بكيفية صيانة مختلف ضروب التعدد دون التضحية بالوحدة، ثم بكيفية ضمان الوحدة دون المجازفة بالتطرف، أي مرة أخرى إحلال طرف لنفسه محل الأطراف الأخرى.
ويبقى أخيراً أن المجتمع، ولأنه متعدد الأطراف، هو إطار التطرف الشرعي إن جاز التعبير، الأفكار المتطرفة والتجارب المتطرفة، طالما أنها ليست عنيفة ولا تلحق الضرر بالغير، وأنها مكفولة للكل وليس للبعض. المجتمع هو نطاق الاختلاف والتجريب والاستثناء، والدولة هي نطاق القواعد والقوانين، والعدل والاعتدال. في جميع صوره، التطرف إنتاج لاستثناء دائم ميّز الاستعمار ونظم الطغيان، لدينا لدى غيرنا.
٭ كاتب سوري