“التضخم الصفري” في بلدية طهران… خطة لتثبيت أسعار 12 سلعة أساسية لدرء آثار التضخم الحاد


طهران- “القدس العربي”: بدأت بلدية طهران تنفيذ خطة تحت عنوان “التضخم الصفري”؛ وهي خطة تهدف إلى تثبيت أسعار جزء من السلع الأساسية في سلة الأسر في طهران لمدة 6 أشهر. وقد بدأت هذه الخطة في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني واحدة من أشد فترات ارتفاع الأسعار في السنوات الأخيرة، ووفقًا لأحدث تقرير صادر عن مركز الإحصاء الإيراني، بلغ التضخم 89.8%. وقد أدت تداعيات وخسائر الحرب والعقوبات الأمريكية، بما في ذلك الحصار البحري، إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني. وارتفع سعر الدولار مقابل الريال الإيراني من نحو مليون و500 ألف ريال قبل 6 أشهر إلى مستوى قياسي يبلغ حاليًا نحو مليونين و700 ألف ريال مقابل دولار واحد. كما بلغ التضخم في المواد الغذائية نحو 100%.

تحولت هذه الخطة إلى موضع خلاف حاد بين التيارين الأصولي والإصلاحي. وقد بدأ رئيس بلدية طهران الأصولي تنفيذ هذه الخطة، في حين ينتقد الإصلاحيون، الذين ينتمي إليهم الرئيس مسعود بزشكيان، هذه الخطة.

ويقول المدافعون عن الخطة إن بلدية طهران حاولت، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، استخدام شبكة التوزيع الخاضعة لإدارتها، أي أسواق الفواكه والخضراوات، ومتاجر شهروند، والمنصة الإلكترونية “شهرزاد”، لتخفيف جزء من ضغوط ارتفاع الأسعار على الأسر. ومع ذلك، واجه عنوان “التضخم الصفري” منذ الإعلان عن الخطة قراءتين مختلفتين: إذ تعتبره البلدیة برنامجًا لـ”تثبيت الأسعار” وخفض تكاليف الأسر، بينما يقول المنتقدون إن تثبيت أسعار عدد من السلع في شبكة محدودة لا يعني أن التضخم أصبح صفرًا في طهران.

ما هي الخطة بالضبط؟

وفقًا لإعلان البلدية، بدأت المرحلة الأولى من الخطة بـ12 سلعة أساسية. وتشمل هذه السلع الأرز، واللحوم، والزيت، والمعكرونة، والسكر، والتمر، وفول الصويا، والعدس، والفاصولياء البيضاء، والفاصولياء الحمراء، والحمص، والبازيلاء المجروشة.

ومن المقرر أن تظل أسعار هذه السلع ثابتة منذ بدء الخطة وحتى نهاية فترة الـ6 أشهر. كما أعلنت البلدية أنه في المرحلة التالية ستتم إضافة سلع أخرى، من بينها الدجاج، ومعجون الطماطم، والجبن، ليرتفع عدد السلع المشمولة بالخطة إلى 15 سلعة.
ويتم عرض السلع المشمولة بالخطة من خلال شبكة توزيع البلدية. وفي المرحلة الأولى، تم عرض السلع المشمولة في 108 أسواق للفواكه والخضراوات، كما تشارك 18 من متاجر شهروند في تنفيذ الخطة. وإضافة إلى الشراء الحضوري، أصبح من الممكن الشراء عبر منصة “شهرزاد” أيضًا.

وفي الشراء الحضوري، يتم التحقق من هوية رب الأسرة من خلال تقديم الرقم الوطني، ويتم تخصيص الحصة المقررة للأسرة له. وفي الشراء عبر الإنترنت، يتم استخدام الحصة نفسها. وتكتسب هذه النقطة أهمية لأن البلدية لا تريد عرض السلع بأسعار ثابتة من دون قيود وبشكل غير محدود. والهدف هو دعم استهلاك الأسر ومنع تحول فارق الأسعار بين السلع المشمولة بالخطة والسوق الحرة إلى مجال للشراء بالجملة والوساطة.

هل تقدم البلدية دعمًا ماليًا للمواطنين؟

من أهم التساؤلات بشأن هذه الخطة، كيفية توفير تكلفة تثبيت الأسعار. وقد أعلن رئيس منظمة أسواق الفواكه والخضراوات في بلدية طهران أن البلدية لا تدفع دعمًا ماليًا مباشرًا بسبب هذه الخطة. كما أكدت الإدارة في توضيحاتها أن نموذج الخطة يقوم على الشراء المباشر، والشراء بالجملة، والشراء المسبق للسلع، والتخزين، والاستفادة من إمكانات شبكة توزيع البلدية.

وقال عبدالمطهر محمدخاني، المتحدث باسم بلدية طهران، أيضًا إن التخطيط لتنفيذ الخطة بدأ قبل أشهر، وإن توفير السلع مسبقًا، والتخزين، والتنسيق مع الحكومة، من بين الأدوات المستخدمة. والمنطق المعلن هو أنه من خلال الشراء المباشر وإزالة جزء من الوسطاء، تنخفض التكلفة النهائية، وتتمكن البلدية من توفير السلع للمستهلك بسعر ثابت.

لكن هذه النقطة نفسها تعد واحدة من أهم مواضع النقاش الاقتصادي بشأن الخطة: إذا ارتفعت أسعار الشراء، أو النقل أو التخزين أو استيراد السلع خلال فترة الـ6 أشهر، فكيف سيتم تعويض الفارق بين التكلفة النهائية وسعر البيع الثابت؟

ولم تعلن البلدية حتى الآن رقمًا محددًا باعتباره دعمًا نقديًا أو فرقًا نهائيًا في الأسعار. ولذلك فإن التكلفة الفعلية للخطة في نهاية الفترة ستعتمد على حجم مشتريات المواطنين، ومقدار ارتفاع أسعار السلع، وتكاليف توفيرها، وحجم الاستفادة من المخزونات والمشتريات السابقة.

وقال عليرضا زاكاني، رئيس بلدية طهران، عند الإعلان عن الخطة، إن هدف الإدارة الحضرية هو التحرك نحو الرفاه والراحة، وفي نهاية المطاف “جعل الحياة في طهران أرخص”. ووفقًا له، فإن “التضخم الصفري” يمثل الجزء الأول من برنامج أكثر شمولًا في مجال معيشة المواطنين.

ومهدي جمران، رئيس مجلس مدينة طهران والناشط الأصولي، من بين الشخصيات التي دافعت عن تنفيذ الخطة. وأشار إلى التخطيط الذي استمر عدة أشهر من جانب البلدية، وشراء السلع بكميات كبيرة وشرائها مسبقًا، والتنسيق لتوفير السلع، باعتبارها من الإجراءات التي تم اتخاذها. وطرح جمران، ردًا على بعض الانتقادات، سؤالًا حول سبب عدم قيام الحكومات السابقة بمثل هذه الإجراءات.

كما أبدى بعض أعضاء مجلس المدينة نظرة إيجابية تجاه أصل الخطة. وانتقد برويز سروري، نائب رئيس مجلس المدينة والناشط الأصولي، الانتقادات ذات الطابع السياسي للخطة، وقال إنه لا ينبغي، من خلال النظرة السياسية، سلب بارقة الأمل من المواطنين. وأكد أنه لا يمكن الحديث عن المشكلات المعيشية للمواطنين، وفي الوقت نفسه اعتبار أي حل لتخفيف الضغوط ذا طابع سياسي.

الانتقاد الرئيسي: من أين تأتي الموارد المالية؟

الانتقاد الأهم المطروح لا يتعلق بأصل دعم الأسر، بل بالموارد المالية والآلية القانونية للخطة. وقال ناصر أماني، عضو مجلس مدينة طهران، إن أعضاء المجلس، مثل المواطنين، علموا بالخطة من خلال وسائل الإعلام، ولم يتم تقديم مشروع قانون محدد بشأنها إلى المجلس، كما لم تتم الموافقة على أي ميزانية لها. كما تساءل عن مصدر تمويل الفارق إذا ارتفع الفرق بين السعر الثابت للسلع وسعر السوق خلال الأشهر المقبلة.

ويقول المنتقدون إن هذا السؤال مهم للغاية من منظور الإدارة الحضرية. فبلدية طهران هي في الأساس مؤسسة مسؤولة عن إدارة المدينة، وينبغي تخصيص جزء كبير من مواردها للنقل العام، وصيانة المدينة، والخدمات الحضرية، والبنية التحتية، وتطوير مترو الأنفاق، وسائر المهام الحضرية.

ويضيف المنتقدون أنه إذا أدى برنامج معيشي على نطاق عدة ملايين من الأسر إلى تكاليف كبيرة، فيجب أن يكون واضحًا من أي مصدر سيتم توفير موارده، وما إذا كانت هذه الموارد ستُسحب من ميزانية البلدية المعتمدة، أم سيتم توفيرها من خلال الآليات التجارية وإيرادات شبكات التوزيع.

وحاولت بعض التحليلات الإعلامية تقدير التكلفة المحتملة للخطة. فعلى سبيل المثال، قدر أحد التحليلات المنشورة التكلفة المحتملة لتنفيذ الخطة حتى نهاية العام بنحو 20 إلى 30 ألف مليار تومان؛ وهو رقم يمثل تقديرًا إعلاميًا وليس رقمًا رسميًا أعلنته البلدية، ولذلك لا ينبغي اعتباره التكلفة النهائية المؤكدة للخطة.

والفرق مهم كونه لا يمكن حساب التكلفة الحقيقية إلا بعد تحديد حجم مشتريات المواطنين، والتكلفة النهائية للسلع، وحجم المشتريات السابقة، وحجم المخزونات، وطريقة التمويل، ومقدار ارتفاع الأسعار.

هل للخطة طابع سياسي أو انتخابي؟

وربط بعض المنتقدين بين الخطة والأجواء السياسية، لا سيما مستقبل انتخابات مجالس المدن، واعتبروها إجراءً ذا وظيفة دعائية أو انتخابية.

وعليرضا زاكاني، رئيس بلدية طهران والناشط الأصولي، ترشح في آخر انتخابات رئاسية لكنه خسر أمام بزشكيان.

ويقول المنتقدون إن برنامج زاكاني، رئيس بلدية طهران، هو برنامج شعبوي ذو دوافع دعائية للانتخابات الرئاسية المقبلة بعد عامين. وكما حدث سابقًا، فاز محمود أحمدي نجاد بالانتخابات الرئاسية بعد توليه منصب رئيس بلدية طهران، وأصبح رئيسًا للجمهورية لفترتين.

في المقابل، يرفض أنصار البلدية هذا التفسير أو يعتبرونه غيرمهم، ويجادلون بأنه حتى لو تم تنفيذ مثل هذه الخطة في أجواء سياسية، فإن نتيجتها بالنسبة للمواطنين أهم من الدافع السياسي المحتمل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *