“التراستيّات”… شبكة الظل التي تدير مليارات إيران


طهران- “القدس العربي”: يتعلق أحد أهم جوانب ملفات الفساد في مجال العملات الأجنبية في إيران بـ”التراستيّات”، وهو مصطلح أُطلق خلال سنوات العقوبات على بعض الوسطاء والشركات التي تتولى نقل وتحويل الإيرادات الناتجة عن صادرات النفط والسلع الأخرى خارج الشبكة المصرفية الرسمية.

أدت العقوبات المصرفية والقيود المفروضة على وصول إيران إلى النظام المالي الدولي إلى جعل بيع النفط وإعادة عائداته إلى إيران أمراً غير ممكن، في كثير من الحالات، عبر القنوات المصرفية التقليدية. وفي مثل هذه الظروف، اعتمدت الحكومة والمؤسسات الاقتصادية الإيرانية على شركات ووسطاء يمتلكون حسابات مصرفية وإمكانية إجراء معاملات دولية في دول مختلفة.

وقد تشكلت هذه الآلية في البداية بهدف مواجهة العقوبات والحفاظ على تدفق صادرات النفط، لكنها تحولت تدريجياً إلى شبكة مالية معقدة تفتقر إلى الشفافية؛ إذ كانت أجزاء من عائدات الصادرات توضع لفترات معينة تحت تصرف الوسطاء، بينما أثارت طريقة مراقبة حجم الأموال، وآليات تحويلها، والعمولات، والضمانات التي يتم الحصول عليها من هؤلاء الوسطاء، تساؤلات جدية.

أدت العقوبات المصرفية والقيود المفروضة على وصول إيران إلى النظام المالي الدولي إلى جعل بيع النفط وإعادة عائداته إلى إيران أمراً غير ممكن، في كثير من الحالات، عبر القنوات المصرفية التقليدية

وأخذت الأزمة أبعاداً أكثر خطورة عندما أعلن مسؤولون إيرانيون عن إساءة استخدام واسعة النطاق لموارد البلاد من جانب بعض التراستيّات.

وكان ذبيح الله خدائيان، رئيس منظمة التفتيش العامة في إيران، قد أعلن مؤخراً أن نحو 1.6 مليار دولار من موارد إيران تعرضت لسوء الاستخدام من جانب بعض التراستيّات. وقال أيضاً إنه تم فتح 59 ملفاً بحق المخالفين، وإن عدداً منهم اعتُقلوا، بينما يوجد آخرون خارج البلاد.

ومن بين الحالات التي أُعلن عنها حالة تراستي. قال خدائيان إنه لم يُعد 200 مليون دولار من موارد البلاد، ثم غادر إيران. وأعلنت منظمة التفتيش أن أموال بعض المتورطين صودرت داخل البلاد، وأن مسألة إعادة الأشخاص الموجودين خارج إيران قيد المتابعة أيضاً. ويأتي هذا الملف في وقت لا تعتبر فيه منظمة التفتيش أن المشكلة تقتصر على سلوك عدد من الوسطاء، بل تتحدث عن وجود نقاط ضعف هيكلية في عملية بيع النفط، وإعادة العملات الأجنبية الناتجة عن الصادرات، وأداء الوسطاء والوكلاء المصرفيين وغير المصرفيين. ووفقاً لتصريحات رئيس منظمة التفتيش، أظهرت التحقيقات أن الشفافية لم تكن كافية في هذه المجالات.

الأبعاد المالية لشبكة التراستيّات

وفقاً لتقارير منشورة في إيران، كان نحو 11 مليار دولار من الموارد بالعملات الأجنبية موجوداً في مرحلة من المراحل لدى التراستيّات، فيما تعرض نحو 1.6 مليار دولار منها لـ”سوء الاستخدام” في الملفات قيد التحقيق. وتكتسب قيمة 1.6 مليار دولار أهمية خاصة لأنها ترفع القضية إلى ما هو أبعد من نطاق عدد محدود من الملفات. ومع ذلك، يجب التمييز بين “الموارد التي تديرها التراستيّات” و”الأموال التي تعرضت لسوء الاستخدام أو الاختلاس”. فليس كل ما يوضع لدى الوسطاء قد فُقد أو اختُلس بالضرورة، كما أن رقم 1.6 مليار دولار يمثل، وفق تصريحات مسؤول منظمة التفتيش حتى الآن، قيمة الموارد التي تعرضت لسوء الاستخدام في الملفات التي تم تحديدها.

لماذا ظهرت التراستيّات؟

التراستيّات هي نتاج مباشر للقيود المالية الناجمة عن العقوبات. فعندما لا تتمكن البنوك الإيرانية من تنفيذ العديد من المعاملات الدولية بصورة مباشرة، يتعين نقل عائدات بيع النفط عبر شركات وبنوك وشركات صرافة ووسطاء موجودين في دول أخرى.

وهذه المسألة لا تقتصر على إيران وحدها، إذ تخضع شبكات مماثلة في الأدبيات المالية الدولية للدراسة تحت مسميات من قبيل “شادو بانكينغ”، أي “الخدمات المصرفية الموازية”، وكذلك الشركات الوهمية.

كما تعرضت الشبكات المالية المرتبطة بإيران خلال السنوات الماضية لعقوبات متكررة من جانب وزارة الخزانة الأمريكية. ففي حزيران/يونيو 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أن شبكات من الشركات الوهمية وشركات الصرافة في هونغ كونغ والإمارات استخدمت لنقل الإيرادات الناتجة عن بيع النفط والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية.

شبكة تتجاوز التراستيّات النفطية

تشير التقارير الأمريكية إلى أن الشبكة المالية غير الرسمية الإيرانية لا تقتصر على الوسطاء العاملين في مجال النفط. ففي أيار/مايو 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أن شركات الصرافة الإيرانية والشركات الوهمية المرتبطة بها تدير مليارات الدولارات من المعاملات بالعملات الأجنبية سنوياً.

ووفقاً لتقرير شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية، تم رصد نحو 9 مليارات دولار من الأنشطة المرتبطة بـ”الخدمات المصرفية الموازية” الإيرانية خلال عام 2024 عبر حسابات مراسلة مصرفية في الولايات المتحدة. وقالت هذه الهيئة إن شركات وهمية أجنبية نفذت نحو 5 مليارات دولار من هذه المعاملات، بينما نفذت شركات نفطية مرتبطة بإيران نحو 4 مليارات دولار من المعاملات.

9 مليارات دولار يمثل حجم النشاط المالي الذي تم رصده والمرتبط بشبكة الخدمات المصرفية الموازية الإيرانية

لكن رقم 9 مليارات دولار لا يعني “اختلاس 9 مليارات دولار” فهذا الرقم يمثل حجم النشاط المالي الذي تم رصده والمرتبط بشبكة الخدمات المصرفية الموازية الإيرانية، وهي مسألة ينبغي فصلها عن الأرقام المتعلقة بالفساد أو سوء الاستخدام المالي.

ولا تكمن المشكلة الرئيسية في التراستيّات فقط في احتمال عدم قيام أحد الوسطاء بإعادة الأموال. فالمشكلة الأساسية تتمثل في الهيكل غير الشفاف لهذه الشبكة.

في النظام المصرفي التقليدي، تتم عمليات تحويل الأموال عبر البنوك مع تسجيل المعاملات، وتطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال، والتحقق من هوية العملاء، وإجراء عمليات التدقيق، إلى جانب وجود مستويات متعددة من الرقابة. لكن عندما يتم تحويل الأموال عبر مجموعة من الشركات الأجنبية والحسابات الوسيطة وشركات الصرافة والشركات الوهمية، يصبح تحديد المالك الحقيقي للأموال ومسارها النهائي أكثر صعوبة.

ولهذا السبب، حتى إذا كان استخدام الوسطاء في ظل العقوبات أمراً لا مفر منه، فإن غياب قواعد واضحة بشأن كيفية اختيار التراستي، وقيمة العمولة، وحجم الأموال الموضوعة تحت تصرفه، ومدة الاحتفاظ بالأموال، ونوع الضمانات والرهونات، وآليات التدقيق والمراجعة، يمكن أن يزيد من فرص حدوث الفساد.

كما أكدت تقارير داخلية حديثة أن المشكلة لا تقتصر على التراستيّات وحدها، وأن أجزاء من عملية بيع النفط وإعادة العملات الأجنبية الناتجة عن الصادرات وأداء الوسطاء والوكلاء المصرفيين وغير المصرفيين تعاني أيضاً من مشكلات تتعلق بالشفافية.

وينشط جزء من هذه الشبكة خارج إيران. وتعد الإمارات العربية المتحدة وهونغ كونغ وتركيا وسلطنة عُمان من بين الدول التي وردت أسماؤها في تقارير مختلفة بشأن الشبكات المالية المرتبطة بتحويل الأموال الإيرانية.

وفي حزيران/يونيو 2025، تحدثت وزارة الخزانة الأمريكية أيضاً عن شبكة تتكون من شركات صرافة وشركات وهمية في الإمارات وهونغ كونغ، وقالت إن هذه الشبكة كانت تستخدم لنقل الإيرادات الناتجة عن بيع النفط والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية.
وفي تموز/يوليو 2026، فرضت عقوبات على عدد من شركات الصرافة الإيرانية والشركات الوهمية المرتبطة بها، وقالت إن هذه الشبكات تنقل مليارات الدولارات من العملات الأجنبية نيابة عن بنوك إيرانية خاضعة للعقوبات.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *